يقول هنري كيسنجر، السياسي الأميركي: «التاريخ منجم زاخر بالحكمة التي قد تجد المفاتيح الذهبية لمشاكل عصرنا». وهذا يعني أن التاريخ معلّم مباشر للبشرية، لأن الناس يتلقوا دروساً من التاريخ، يستخدمونها في مواجهة التحديات والمشكلات التي تطوقهم.

التاريخ هو ذاكرة الأمة، كما أن السيرة الذاتية هي ذاكرة الفرد، والذين يستفيدون من التاريخ على وجه جيد هم من وصفهم الله سبحانه بأنهم أولو الألباب في آخر سورة يوسف عليه السلام: «لَقَد كَانَ فِی قَصَصِهِم عِبرَة لِّأُوْلِی الأَلباب» (يوسف 111).

أولو الألباب وأولو الأبصار هم أصحاب العقول النيرة المضيئة الذين يملكون ما يكفي من الخيال، ومن المحاكمة العقلية الراشدة لفهم أحداث الماضي واستخلاص الدروس والعظات منها.

إن العودة إلى التاريخ مفيدة نستطيع من خلالها فهم الكثير من أسرار الطبيعة البشرية، والكثير من سنن الله تعالى في الخلق، كما أننا نستطيع فهم منطق الحركة التاريخية ونوعية التداعيات التي تربط بين الأحداث والوقائع التاريخية. كما أنها تغذي وعينا العام بحساسيات ثقافية ومرتكزات للتبصر والفهم، لا تُعوض ولا تُقدر بثمن.

إن العودة إلى التاريخ، تؤثر فينا أكثر من الأحداث والمواقف العابرة، وتجسد هذا عندما أخذنا العظات من حرب أغسطس 1990، عندما احتل النظام العراقي الآثم الكويت لمدة 7 شهور، وكنا على استعداد تام أبهر العالم، قواتنا كانت تتعامل مع هجمات النظام الإيراني الغاشم فبراير 2026، بكل احترافية ومهارة، جاهزية الجيش الكويتي بكل قواه الرئيسية، القوة البرية، القوة الجوية، والقوة البحرية، خطفت أبصار العالم، وكثير من الدول لم تندد في بداية هجمات النظام الإيراني الآثم ظناً منها بأن الكويت ودول الخليج سوف تنهار وتستسلم لحرب لم ولن تكون طرف فيها بيوم من الأيام.

الكويت بلد الإنسانية بلد السلام تنبذ ولا تؤيد الحروب وما تخلفها من كوارث لأي شعب من الشعوب، الإسلامية وغير الإسلامية، العربية وغير العربية. ما نود أن ندلي به أخيراً: أن الكويت استفادت من تاريخ الاعتداءات من جيران السوء، وعرفت كيف تقرأ التحولات والتغيرات، وكشفت عن منطق التاريخ، واستمرارية القوانين الممتدة والمؤثرة في حركة التاريخ، فأبدعت في التعامل السلمي، وبحكمة محكمة، مع هجمات النظام الإيراني السافل على دول الخليج.

قال الشاعر السياسي الفرنسي ألفونس دي لامارتين: «التاريخ يعلم كل شيء بما فيه المستقبل». وهذا ما لمسناه وشاهدناه من جميع أبنائنا في الصفوف الأولى من جيش وداخلية وحرس وطني ومطافئ ودفاع مدني وأطباء وممرضين ومسعفين، على الرغم من أن الغالبية منهم كانوا صغاراً لا يفقهون شيئاً عندما احتل جار السوء العراق الكويت عام 1990، ومنهم لم يولد إلا بعد الاحتلال، ولكن الفضل للتاريخ الذي يناضل باستمرار حتى لا يتحول إلى ذكريات باهتة، تمر بالخاطر دون أن يتفاعلوا معها.

M.alwohaib@gmail.com

mona_alwohaib@