في تطور دبلوماسي غير مسبوق، تجري الولايات المتحدة وإيران مفاوضات هي الأعلى مستوى منذ الثورة الإسلامية عام 1979، في محاولة لإنهاء حرب استمرت أسابيع وأدت إلى مأزق إستراتيجي غير مسبوق.
وبينما يصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الحرب بأنها «تقترب من نهايتها»، تكشف التحليلات الإستراتيجية الأميركية والدولية عن فجوات عميقة قد تؤدي إلى تجدد القتال في أي لحظة.
ويكشف أيهود يعاري، المحلل العسكري والشؤون الإيرانية في قناة N12 الإسرائيلية، في مقاله تحت عنوان «الحرب على إيران»، عن تفاصيل دقيقة حول مسار المفاوضات.
وفقاً ليعاري، فإن الولايات المتحدة مستعدة لإنشاء صندوق مساعدات بقيمة 250 مليار دولار لإيران، لكن الإيرانيين يطالبون بالمزيد.
النقاط الرئيسية التي يوردها يعاري:
1 - الاعتراف بالبرنامج المدني: تشير المحادثات إلى أن الولايات المتحدة تقرّ «بحاجة إيران إلى الحفاظ على برنامجها النووي المدني».
2 - اليورانيوم المخصب: تطالب الولايات المتحدة بنقل 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 % إليها أو إلى دولة أوروبية. بالمقابل، يقترح الإيرانيون تخفيف اليورانيوم على أراضيهم، مما يثير إشكالية تتعلق بالإشراف والتحقق.
3 - الصواريخ البالستية: لم يُناقش هذا الموضوع حتى الآن، وهو ما يصفه يعاري بأنه «للأسف» غائب عن الطاولة، رغم أهميته لإسرائيل.
4 - الجبهة اليمنية: يطالب المتمردون الحوثيون في اليمن، بتطبيق وقف إطلاق نار شامل ورفع الحصار الاقتصادي عنهم. وتمارس إيران، خصوصاً عبر رئيس أركانها الفريق أول علي عبدالله، ضغوطاً على الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب، لكن جماعة «أنصارالله» تبدو أقل حماسة وتسعى لتحقيق إنجاز آخر.
ويختتم يعاري تحليله بالإشارة إلى أن وقف إطلاق النار في لبنان مرتقب نتيجة لهذا التقدم.
ويلاحظ أمرين: أولاً، توقف «حزب الله» عن الهجمات على رئيس الوزراء نواف سلام والرئيس جوزاف عون. وثانياً، محاولة الحزب النأي بنفسه عن إيران بتبرير قتاله كرغبة في العودة إلى وقف إطلاق النار السابق، لا كرد على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.
«الخسارة كلها لنا»
في تحليل بصحيفة «معاريف» تحت عنوان «الخسارة كلها لنا»، يقدم آفي أشكيناز، الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة، قراءة قاسية ومباشرة. ويرى أن إسرائيل تخرج من الحرب بتعادل بارد، «تعادل كله خسارة».
ويوجه انتقاداً لاذعاً للمستوى السياسي الذي «ارتهن كل سلة البيض في يدي الرئيس دونالد ترامب»، بينما للولايات المتحدة مصالح مختلفة عن المصلحة الإسرائيلية.
ويحذر من أن سكان الشمال سيدفعون الثمن مجدداً.
عاموس هرئيل، المحلل العسكري البارز في صحيفة «هآرتس»، يرى في «اللعب على الزمن» أن المفاوضات لم تفشل تماماً، ومجرد جلوس الممثلين الإيرانيين مع نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس يُعد سابقة لم يوافق عليها النظام من قبل.
ويشير إلى «تمديد محتمل لوقف إطلاق النار بعد 22 أبريل لإتاحة المجال للمفاوضات.
تردد ترامب في توسيع الحملة العسكرية، رغم استمرار إرسال قوات أميركية إلى الخليج.
الحصار المضاد: أعلن ترامب حصاراً بحرياً مضاداً لمنع حركة السفن الإيرانية جنوباً، رداً على إغلاق طهران لمضيق هرمز. وحتى الآن، لم يحاول أي طرف كسر الحصار بالقوة، مما يشير إلى إعطاء مجال للتفاوض».
ويشير إلى «قلق إسرائيلي من توصل ترامب إلى اتفاق، فقد يتنازل عن مطالب يعتبرها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أساسية، وسيحصل النظام الإيراني على تدفق مالي جديد من مليارات الدولارات المُجمّدة".
ويخلص هرئيل إلى أن«الوقت عامل حاسم، وأن إيران هي الطرف الأكثر اهتماماً بوقف إطلاق النار لتقليل خسائر حزب الله، مع حرصها على ألا يُجبر الحزب على نزع سلاحه شمال الليطاني».
تسفي برئيل، المحلل السياسي في«هآرتس»، يركز في مقاله على الدبلوماسية الترامبية المربكة. ويقول:«عندما يقول ترامب إن الحرب تقترب من نهايتها، قد يكون يشجع نفسه، لكن لا يمكن الجزم حول ما وصل إليه من معلومات جديدة من إيران».
ويكشف عن«مقترح إيراني: استعداد لتجميد تخصيب اليورانيوم لمدة خمس سنوات، بينما طلب ترامب 20 سنة. إذا ثبتت صحة هذه التقارير، فهذا يعني أن الولايات المتحدة تراجعت عن طلبها النهائي الذي أشعل الحرب».
«خطوة لبناء ثقة»
وتقترح دول الوساطة تقسيم المفاوضات إلى مراحل، تبدأ بحل أزمة مضيق هرمز كـ«خطوة لبناء ثقة»، ثم الانتقال إلى الملف النووي.
في تحليل استراتيجي شامل، يرى فريق معهد السياسة والإستراتيجية (IPS) برئاسة اللواء المتقاعد البروفيسور عاموس جلعاد أن الحملة ضد إيران وصلت إلى مرحلة حاسمة، لكن النظام يشعر بالثقة لنجاته من محاولات الإطاحة، وإغلاقه مضيق هرمز كورقة ضغط.
الرسالة الرئيسية للمعهد«ترامب يسعى لاتفاق كخيار مفضل لإنهاء الحرب، متأثراً بارتفاع أسعار الوقود وضغوط الحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي».
لكن الفجوات تتسع، خصوصاً حول الملف النووي، الذي يشكل ركيزة المفهوم الاستراتيجي الإيراني. ترامب يصر على منع أي بنية تحتية لتطوير سلاح نووي مستقبلي.
ويوجه المعهد رسالة واضحة لإسرائيل: «الاستعداد لواقع اتفاق قد يبقي التهديد قائماً على المدى البعيد، والعمل على تعزيز التعاون الأمني مع دول لمست قوة التهديد الإيراني بشكل مباشر».
في تحليل إستراتيجي صادر عن معهد السياسة الخارجية (FPRI)، وصف الخبير فرانك هوفمان، الحصار بأنه يهدف إلى «تحييد ما تعتقد إيران أنه أقوى مصدر للضغط الاقتصادي لديها».
وأوضح أن الإدارة الأميركية قررت «السيطرة بقوتها البحرية غير المتماثلة» بدلاً من السماح لإيران بتحديد من يعبر مياهها.
أما الخبيرة إيما سالزبوري من FPRI، فأشارت إلى أن مضيق هرمز يمثل «واحداً من أكثر المسارح تحدياً التي يمكن تخيلها للعمليات البحرية»، حيث يبلغ عرضه 21 ميلاً فقط في أضيق نقطة، وهو ممر مائي مزدحم.
وفي مقابلة مع برنامج «Judging Freedom» قدم البروفيسور جون ميرشايمر، من أبرز منظري العلاقات الدولية الواقعيين في أميركا، تحليلاً لاذعاً. وقال: «دونالد ترامب ليس في موقف يسمح له بالتفاوض على تسوية ذات معنى مع إيران».
وأوضح أن السبب ليس التعقيد الدبلوماسي أو التعنت الإيراني، بل «قيد أكثر حسماً بكثير - إسرائيل وتأثيرها على السياسة الأميركية».
ووفقاً لميرشايمر، ليس لدى إسرائيل مصلحة في وقف إطلاق النار مع إيران، ناهيك عن اتفاق يستوعب المطالب الأساسية لطهران، وفي مقدمتها الحق في الحفاظ على قدرات تخصيب اليورانيوم.
وذهب ميرشايمر إلى أبعد من ذلك، مدعياً أن إسرائيل لا تسعى فقط إلى احتواء إيران بل إلى «تدميرها»، كما حدث مع سوريا خلال العقد الماضي.
وتحدث عن وجود «لوبي قوي بشكل هائل» يعمل على تشكيل السياسة الأميركية، وفقاً للأولويات الاستراتيجية الإسرائيلية.
واستثنى ميرشايمر سيناريو واحداً قد يدفع ترامب لمقاومة الضغط الإسرائيلي: كارثة اقتصادية عالمية وشيكة تهدد استقرار الاقتصاد العالمي من خلال تعطيل أسواق الطاقة والصدمات المالية. ففي مواجهة هذه المخاطر، قد يخلص الرئيس الأميركي إلى أن تكاليف التحالف مع إسرائيل تفوق فوائده.
أين تقف المفاوضات اليوم؟
المفاوضات مستمرة رغم إعلان فشل الجولة الأولى. نائب الرئيس الاميركي جاي دي فانس يؤكد أن «الكثير من التقدم» قد أحرز. للمرة الأولى منذ 1979، يجلس ممثلون إيرانيون وأميركيون على طاولة واحدة برئاسة أعلى المستويات.
كل المؤشرات تقول إن الاتفاق قريب وقريب جداً.