هل ينام الجنين في رحم الأم عندما تنام هي ويستيقظ عندما تستيقظ؟

سؤال أجابت عنه نتائج دراسة جديدة نشرتها مجلة علمية مرموقة متخصصة في علم الأعصاب، التي أكدت أن الساعة البيولوجية الداخلية للجنين تتزامن تدريجياً مع ساعة الأم عبر إشارات بيوكيميائية معقدة تنتقل عبر المشيمة.

هذا الاكتشاف قد يفسر لماذا تؤثر اضطرابات النوم أثناء الحمل (كالسهر أو العمل الليلي) على النمو العصبي للطفل بعد الولادة.

واستخدم فريق من جامعة واشنطن في سانت لويس تقنيات تصوير متقدمة لمراقبة نشاط الجينات المسؤولة عن تنظيم الساعة البيولوجية (جينات «كلوك» و«بريود» و«كريبتوكروم») في أنسجة مشيمة الفئران والبشر. وأظهرت النتائج أن الجزيء الرئيسي الذي ينقل إشارة الوقت من الأم إلى الجنين هو هرمون «الميلاتونين»، الذي تفرزه غدة الصنوبرية في الأم خلال ساعات الظلام. هذا الهرمون يعبر المشيمة ويصل إلى دماغ الجنين، حيث يرتبط بمستقبلات خاصة وينشط جينات الساعة.

وفي الآتي سرد لعدد من أهم نتائج الدراسة:

• التزامن الجزئي: في المراحل المبكرة من الحمل (الثلث الأول)، لا تتأثر ساعة الجنين كثيراً بساعة الأم. لكن ابتداءً من الأسبوع 22 تقريباً، تصبح الساعتان متزامنتين بشكل واضح، مع تأخر بسيط (نحو 15 دقيقة) بين إشارة الأم واستجابة الجنين.

• تأثير الحرمان من النوم: عندما حرمت الباحثات الفئران الحوامل من النوم لمدة 12 ساعة متواصلة، حدث اضطراب في جينات الساعة لدى الأجنة استمر لأكثر من 72 ساعة بعد عودة الأم إلى نمط نوم طبيعي.

• تأثير الضوء الاصطناعي: التعرض للضوء الأزرق ليلاً (من الهواتف والأجهزة اللوحية) يثبط إفراز الميلاتونين لدى الأم، ما يحرم الجنين من الإشارة الزمنية الأساسية. وقد ارتبط ذلك في دراسات وبائية بزيادة خطر إصابة الطفل بمشاكل النوم والانتباه في السنوات الأولى.

وأوضحت الباحثة الرئيسية الدكتورة ماري جيلبرت أن هذه النتائج تفسر الظاهرة المعروفة لدى أطباء الأطفال: «الأمهات اللواتي كن يعملن بنظام المناوبات الليلية أثناء الحمل غالباً ما يلدن أطفالاً يعانون من صعوبة في تنظيم دورة النوم والاستيقاظ لأشهر عدة بعد الولادة».

وأضافت أن «دماغ الجنين يبرمج ساعته البيولوجية بناءً على إشارات الأم، وأي اضطراب في هذه الإشارات قد يترك أثراً طويل الأمد».

من جهتها، قدمت الدراسة توصيات عملية للحوامل: تجنّب التعرض للشاشات الساطعة قبل النوم بساعتين على الأقل، والحفاظ على روتين نوم منتظم (الذهاب إلى الفراش والاستيقاظ في الوقت نفسه يومياً)، وتعريض الجسم للضوء الطبيعي في الصباح لتعزيز إيقاع الساعة البيولوجية. كما نصح الباحثون أرباب العمل بتوفير خيارات العمل عن بُعد أو تعديل ساعات العمل للنساء الحوامل اللواتي يعملن في نوبات ليلية.

وخلصت الدراسة إلى أن «الرحم ليس عالماً معزولاً، بل هو بيئة تتواصل فيها الأم والجنين باستمرار. ومن أهم قنوات هذا التواصل هي إشارات الوقت». ويرى الباحثون أن هذه المعرفة قد تفتح الباب أمام تدخلات جديدة لتحسين النمو العصبي للجنين، مثل العلاج بالميلاتونين للأمهات اللواتي يعانين من اضطرابات نوم حادة، وذلك تحت إشراف طبي دقيق.