بينما تشن واشنطن وتل أبيب حرباً مفتوحة على إيران تمتد إلى جبهات متعددة في المنطقة، تنفذ حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة مخططاً إستراتيجياً طويل الأمد ضد الشعب الفلسطيني، مستغلة الانشغال الإقليمي والدولي كغطاء لتمرير أخطر مراحل التهجير والتوسع الاستيطاني منذ عقود.
ففي قطاع غزة، لم تعد الحرب مجرد عملية عسكرية محدودة، بل تحولت إلى ابتلاع منهجي للأراضي عبر تحويل «الخط الأصفر» الموقت إلى حدود احتلال دائمة، تمهيداً لفرض واقع استيطاني جديد.
وفي الضفة الغربية، يُعاد سيناريو «دير ياسين» بصيغة معاصرة، حيث تُرتكب المجازر اليومية بحق المدنيين العزل ضمن خطة محكمة تهدف إلى حصر الفلسطينيين في خمس مناطق معزولة، والاستيلاء الكامل على منطقتي «ب» و«ج»، وفق الرؤية الاستعمارية التي يصوغها وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش.
هذا المخطط المتكامل، الذي يُنفذ تحت أنظار «مجلس السلام» الأميركي الذي أقيم بغياب الفلسطينيين، يكشف عن استراتيجية إسرائيلية جديدة تستند إلى مفهوم التطهير العرقي الذي شهدته فلسطين عام 1948، وتعيد إنتاج مأساة النكبة تحت مسميات مختلفة وأدوات أكثر تطوراً.
تحويل «الخط الأصفر» إلى حدود استيطانية
بعد خمسة أشهر من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن «مجلس السلام» الذي افترض وجود «خط أصفر» موقت لفصل القوات قبل الانسحاب، كشف تحقيق لصحيفة «هآرتس» أن الجيش الإسرائيلي حوّل هذا الخط إلى حدود دائمة.
الوقائع الميدانية
- إقامة 32 استحكاماً عسكرياً على طول الخط.
- بناء عائق بري بطول 17 كيلومتراً مع تغطية الأرض بالأسفلت.
- 54 في المئة من مساحة القطاع أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية الفعلية.
- هذه التحصينات ليست إجراءات موقتة، بل بنية تحتية للاحتلال الدائم، تعكس نية مبيتة للبقاء في القطاع وتحويله إلى منطقة عسكرية مستعمرة.
سياسة القتل المنهجي والتهجير القسري
تعيش جماهير الغزيين البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة بين الأنقاض، في خيام متهالكة ومبان مدمرة، فيما يواجهون يومياً:
- استشهد أكثر من 200 شخص في محيط الخط الأصفر وحدهم، بينهم نساء وأطفال.
- استشهاد نحو 700 فلسطيني في عموم القطاع منذ وقف إطلاق النار.
- منع دخول المساعدات والغذاء والدواء والمياه والكهرباء.
- منع إدخال الكرفانات والمعدات الطبية ومستلزمات الإيواء.
ووصفت صحيفة «هآرتس» منطقة الخط بأنها «فتاكة للفلسطينيين»، حيث تواصل القوات الإسرائيلية ارتكاب خروقات يومية لاتفاق وقف إطلاق النار، في مشهد يعكس الإفلات الكامل من المساءلة.
تصريحات رسمية تكشف النوايا
في 17 فبراير 2026، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس بوضوح أن إسرائيل «لن تتراجع ملليمتراً واحداً عن الخط الأصفر»، متوعداً بإقامة أنوية استيطانية («ناحل») في غزة.
هذه التصريحات، كما حللتها «هآرتس»، تؤكد أن «الاحتلال والاستيطان هما الوحل الذي تورط إسرائيل فيه المرة تلو الأخرى».
الإستراتيجية الكامنة: التطهير العرقي بنموذج 1948
في تحليل استراتيجي نشرته «هآرتس» بعنوان «خلف المذابح في الضفة توجد إستراتيجية واضحة: دير ياسين»، أكد الكاتب حجاي العاد، أن إسرائيل تعيد تطبيق خيار التطهير العرقي الذي عرفته منذ نكبة 1948، والذي طرد بموجبه 750 ألف فلسطيني من ديارهم إلى دول الجوار.
ويستند هذا التوجه إلى هاجس ديموغرافي مركزي في السياسة الإسرائيلية، حيث يعترف المحللون العسكريون بأن «نصف سكان هذه المنطقة، بين البحر والنهر، هم من الفلسطينيين. هذا هو الجانب الوحيد الذي لم ينته فيه الصراع بهزيمة الفلسطينيين».
اقتباس نادر لدافيد بن غوريون، من خطاب ألقاه في الكنيست نيسان 1949: «دولة يهودية من دون دير ياسين في الأرض الكاملة يمكن أن تقوم فقط في ظل ديكتاتورية الأقلية» - إقرار صريح بأن التطهير العرقي لا يتحقق دون مجازر مرعبة تكسر إرادة السكان وتدفعهم للهرب.
المستوطنون... الذراع العسكرية للمشروع الاستيطاني
في تحليل مشترك لعاموس هرئيل وينيف كوفوفيتش، وُصفت الهجمات المتصاعدة والجرائم ضد الفلسطينيين بأنها ليست مجرد ظواهر فردية، بل «فروع منسقة تلعب دوراً رئيسياً في مشروع تهويد الضفة الغربية».
- المستوطنون يتنقلون بسيارات «الرينجرز» التي زودتهم بها الحكومة.
- يرتدون الزي العسكري كلياً أو جزئياً.
- يحملون السلاح العسكري بدعم رسمي.
- يشكلون «الذراع العسكرية للمشروع» بدعم من الذراع السياسية ممثلاً بوزراء حزب «كاخ» العنصري.
وحسب منظمة «يش دين» الحقوقية الإسرائيلية:«ارتكب المستوطنين 257 جريمة من قتل وتدمير ممتلكات وضرب مبرح خلال 25 يوماً فقط بعد الهجوم الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير، من دون القبض على أي من مطلقي النار من المستوطنين والجيش.
خطة سموتريتش... تصفية الضفة
وفق تحليل«هآرتس»، يُعتبر سموتريتش، الوزير الأكثر نفوذاً في الحكومة، ليس بصفته وزير المالية، بل بصفته وزيراً مساعداً في وزارة الحرب، حيث تنازل عنه وزير الحرب كاتس وسلفه غالانت عن سلطتهما في مناطق الضفة المحتلة من دون مقاومة.
«خطة الحسم» 2017: حصر الفلسطينيين في خمس مناطق معزولة
تستند خطة سموتريتش إلى:
- إقامة أكثر من 100 مزرعة وبؤرة استيطانية جديدة.
- توسيع البناء في المستوطنات القائمة.
- حصر الفلسطينيين في خمس كتل صغيرة داخل المنطقة «أ» فقط.
- إزالة اتفاق أوسلو بالتدريج عن الخريطة.
- الاستيلاء الكامل على منطقتي «ب» و«ج».
هذه الخطة تعني عملياً إنهاء أي أفق لحل الدولتين، وإعادة ترسيم الضفة الغربية وفق رؤية استعمارية بحتة تقوم على التطهير العرقي والفصل العنصري.
«مجلس السلام»... بين الطموح الدولي والإخفاق الميداني
1 - ولادة مجلس بلا فلسطينيين
قبل خمسة أشهر، أعلن ترامب تأسيس «مجلس السلام» كإطار دولي للإشراف على وقف إطلاق النار وإعادة إعمار غزة. عُقد الاجتماع الافتتاحي في واشنطن في 19 فبراير 2026 بمشاركة 47 دولة، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي كمراقب، لكن بغياب فلسطيني... أصحاب الأرض.
2 - فجوة التنفيذ: مئات الشهداء في زمن وقف النار
حذّرت «هآرتس» من أن «الفجوة بين الخطة والواقع واسعة»، مشيرة إلى أن:
- مئات الفلسطينيين سقطوا في زمن وقف النار.
- إسرائيل تواصل منع دخول الدواء والمعدات الطبية والكرفانات.
- منع دخول الطعام والمياه والكهرباء.
- رفض تزويد القطاع بأبسط مقومات الحياة.
واختتمت الافتتاحية بالقول:«عندما تقتل إسرائيل مئات الفلسطينيين في زمن وقف النار، وتصعب على دخول المساعدات إلى غزة وتبادر إلى حروب في الشرق الأوسط، فإن احتمال أن يكون لحماس حافز لتقديم نصيبها من الاتفاق يتقلص»... قراءة واقعية تؤكد فشل المجلس في تحقيق أي من أهدافه.
سيناريوهات التصعيد... إلى أين تتجه الأمور؟
استناداً إلى المعطيات الميدانية والتحليلات الاستراتيجية، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: التوسع الاستيطاني المدعوم أميركياً
في ظل الدعم الأميركي غير المحدود، تواصل إسرائيل تنفيذ خطة سموتريتش لإحكام السيطرة على منطقتي «ب» و«ج»، مع نوايا استيطانية في غزة. الانشغال بالحرب مع إيران قد يقلل من قدرة الجيش على منع جرائم المستوطنين، في ظل إعفاءات رسمية من الملاحقة.
السيناريو الثاني: الانهيار الداخلي والمواجهة مع واشنطن
قد تضطر حكومة نتنياهو للاختيار بين تجنيد الحريديم - ما يهدد ائتلافه الحاكم - أو مواجهة أزمة ثقة مع الجيش والولايات المتحدة، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات الأميركية للانتهاكات الإسرائيلية.
السيناريو الثالث: التصعيد الأمني الشامل في الضفة
مع استمرار جرائم المستوطنين، وإضعاف السلطة الفلسطينية، وتصاعد العنف، يحذر المحللون من احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة أو تصعيد أمني شامل. وقد حذر قائد المنطقة الوسطى اللواء آفي بلوط، من أن الوضع قد «يشعل جبهة جديدة» في الضفة.
المواجهة مع الأمن الفلسطيني ستكون كارثية، وقد تؤدي إلى مجازر واسعة ينفذها الجيش والمستوطنون ضد المدنيين الفلسطينيين العزل.
حرب بلا نهاية وتهجير ممنهج
في المشهد الأوسع، يبدو أن حكومة نتنياهو تستغل الانشغال بالحرب مع إيران لتمرير مخططات استراتيجية طويلة الأمد في غزة والضفة:
- في غزة: تحول «الخط الأصفر» الموقت إلى حدود احتلال دائمة، مع ابتلاع 54 في المئة من القطاع تمهيداً للاستيطان.
في الضفة: تطبيق استراتيجية «دير ياسين» تحت غطاء الحرب والتعاون الإقليمي، ضمن خطة سموتريتش لحصر الفلسطينيين في خمس مناطق معزولة والاستيلاء على منطقتي «ب» و«ج».
وبين تحذيرات رئيس الأركان من انهيار الجيش، ونداءات رؤساء المجالس الاستيطانية لـ«النصر الكامل»، تبقى التكلفة الأكبر يدفعها الفلسطينيون الذين يُقتلون وتُهدم بيوتهم ويُطردون من أراضيهم، في صمت دولي يعكس فشل «مجلس السلام» في تحقيق أهدافه، واستمرار إسرائيل في تنفيذ مخططها التاريخي الذي بدأ في دير ياسين قبل 78 عاماً.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد حلقة في صراع طويل، بل هو مرحلة أخطر في مشروع استعماري متكامل يستهدف تصفية الوجود الفلسطيني في الأرض المحتلة، وإعادة إنتاج نكبة 1948 بأدوات القرن الحادي والعشرين.