مناهضو «حزب الله» لمحكمة تُحاسبه والاستعانة بقوة دولية لفرض سيادتها وتكبيد إيران تعويضات الحرب

جبهة لبنان تلتهب في البرّ... وجمر التأزم السياسي يتأجّج

دخان غارة إسرائيلية على بلدة الطيبة جنوب لبنان (أ ف ب)
دخان غارة إسرائيلية على بلدة الطيبة جنوب لبنان (أ ف ب)
تصغير
تكبير

- إسرائيل تغتال إعلاميين جنوباً و5 مسعفين وعسكرياً من الجيش اللبناني
- أزمة السفير الإيراني تقترب من ساعة الصفر... والخيارات مفتوحة

على وقع التمديد الجديد للحرب مع إيران حتى 6 أبريل، وفق النافذة الثانية التي فَتَحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لاستكمال المفاوضات «تحت النار» ومع استثناء منشآت الطاقة من «التدمير» في هذه المرحلة، تَسارَعتْ وتيرةُ انزلاق المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» إلى مستوياتٍ أكثر التهاباً رَبْطاً باقترابِ «المعركة الأم» التي تخوضها طهران من المنعطف الأخطر، كما ابتعاد تل أبيب المتدرّج عن أي تَغليفٍ لنياتها العسكرية تجاه الحزب بالرمادية بل اعتمادها «الأوراق المكشوفة» على توغلاتٍ جنوباً وصلت في بعض القطاعات الى ما بين 6 و8 كيلومترات، وصولاً لاستهدافاتٍ ارتقتْ فيها إلى الجسم الإعلامي و«وقّعتْها» بالصورة والكلمة بزعْم أنها ضدّ منظومةٍ استخباراتية ودعائية للحزب «متخفّية» بصفة «صحافي».

وفي الوقت الذي تَشي الحربُ مع إيران بأنها «باقيةٌ وتتمدّد» مع كل مهلة زمنية جديدة يَمْنحها ترامب واقعياً لاستكمالها «على جولات» وربما تهيئة الظروف لضربةٍ يَعتقد أنها قد تكون «قاصمة»، وعلى وَهْجِ انضمام الحوثيين إلى «حلقة النار» التي أشعلتها طهران تحت شعار إسنادها بدءاً من لبنان وصولاً لإعلان هؤلاء أن دعمهم يشمل أيضاً جبهته - بما يؤشّر وفق خصوم «حزب الله» إلى أنه بات يحتاج بدوره لإسناد - فإنّ الميدانَ الجنوبي خصوصاً شهد نَسَقاً أكثر سخونة من المواجهات والتوغلاتِ بالتزامنِ مع مزيدٍ من استخدام تل أبيب «أنيابها» العسكرية التي لم توفّر إعلاميين ولا مسعفين ولا مدنيين ولا عناصر في الجيش اللبناني، في موازاةِ هجماتٍ من الحزب على إسرائيل بدت متناسقة ومنسّقة مع مقتضيات إدارة إيران معركتها وتقنين استعمال صواريخها.

«خطط إضافية»

وفي حين جاء التعبيرُ الأكثر دلالة على ما ينتظر جبهة لبنان على لسان رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير الذي أعلن خلال جولة ميدانية داخل جنوب لبنان بمشاركة قائد المنطقة الشمالية وقائد الفرقة 91 وقائد اللواء 769 «أن لدينا خططاً إضافية لمواصلة الحملة» ضد «حزب الله» و«سنواصل العمل وسنبقى هنا بقدر ما يلزم لتحقيق ضربة كبيرة وإزالة التهديد في الشمال»، فإنّ لبنان الرسمي بدا أمام معضلاتٍ متسلسلة، هي مزيج ثلاثي من:

- أولاً الارتدادات العسكرية الخطيرة للمواجهة التي زُجّت فيها بلاد الأرز «عنوةً وتُنْذِر بأن الخروجَ منها يمكن أن يكون بأثمان كبيرة في أي مفاوضاتٍ» مهما تأخّرت آتية «وهي المفاوضاتُ التي يعوق انطلاقُها تَقاطُع إسرائيل و«حزب الله» على اعتبار أن لا صوت يعلو فوق صوت الحرب حالياً.

الحزب رافضاً وقف النار قبل أن تتوقف حرب إيران وذلك بما يَمنحها هوامش تفاوضية على جبهتها ويسلّمها «مفاتيح» جبهة لبنان (ومصير سلاح الحزب تالياً) على الطاولة من ضمن «وحدة الجبهات» دبلوماسياً والإمرة عليها لطهران وحدها وليس الدولة اللبنانية.

وإسرائيل لمزيد من قَضْمِ الأراضي اللبنانية وربما ابتلاع جنوب الليطاني بما يضع بيروت في فم مقايضةٍ قاسيةٍ بين استعادة الأرض، وربما ليس كلها حتى، وبين شروط سياسية لتسويةٍ قد لا تكون أقلّ من اتفاق سلام، وهو ما يفسّر إصرار تل ابيب على تكثيف عملياتها البرية التي باتت حالياً تدور على تخوم أو داخل بلدات من الخط الثاني مثل دبل في القطاع الغربي ومحيطها وبما قد يجعل الجيش الإسرائيلي يصل الى مدينة بنت جبيل (القطاع الاوسط / الغربي) بالتوازي مع محاولات تقدُّم في اتجاه البياضة والمنصوري وشمع (تشرف على مدينة صور)، وفي القطاع الشرقي حيث سجّل أعمق توغل ناهز 8 كيلومترات وبات يلامس أقرب نقطة تفصل الحدود عن مجرى الليطاني وهو ما يفسر المعارك الطاحنة قرب وداخل بلدات سقطت مثل القنطرة والطيبة ودير سريان بعد دخول الخيام.

تداعيات سياسية

- وثانياً مِن تداعياتٍ سياسيةٍ تتوسّع رقعتُها في ضوء الرفض الداخلي الشديد لتفرُّد الحزب بقرار الحرب، والذي بات له إطار واضح من خلال اللقاء الذي عُقد السبت في معراب (مقر رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع) وضم ممثلين لغالبية القوى المعارضة لحزب الله و«خريطة الطريق»، التي قدّمها للحظة الخطرة و«اليوم التالي» لها.

ومن أبرز بنود إعلان لقاء معراب 3 «مطالبة الحكومة بمسار قانوني داخلي ودولي لتوثيق الأضرار، التي رتّبتْها الحرب التي أطلقها حزب الله بتوجيهٍ وإدارةٍ إيرانيين مباشرين»، و«المطالبة بتعويضاتٍ كاملة من إيران»، والعزم على «المطالبة بإنشاء محكمةٍ خاصة - وطنية أو ذاتِ طابعٍ دولي أو مختلطة - تتولى ملاحقةَ المسؤولين (حزب الله) عن إدخالِ لبنانَ في الحربِ واستخدامِ أراضيه خارجَ إرادةِ الدولة»، وصولاً لاعتبار «أن استعادة الدولة لقرارِها وسلاحِها ليست مدخلاً إلى الحرب الأهلية بل الشرطُ الوحيد لمنعِها»، مع تأكيد رداً على قول «البعض خطأً انّ الدولة لا تستطيعُ فرضَ سيادتِها بقواها الذاتية»، «إن بإمكانها بقرارٍ من مجلس الوزراء الاستعانة بقواتٍ دولية انطلاقاً من البند 12 من القرار 1701 والفصلِ السابعِ من ميثاق الأمم المتحدة، حمايةً للبنانَ من أنْ يبقى فريسةً لمن يَستبيحُ أراضيه».

- أما الركن الثالث من معضلات لبنان الرسمي فيتمثّل في الارتجاجات الدبلوماسية المستمرة لخطوة بيروت بطرد السفير الإيراني محمد رضا شيباني ومنحه حتى اليوم للمغادرة، وهو التطور الذي استولد أزمة سياسية عبّرت عنها مقاطعةُ وزراء «حزب الله» و«حركة أمل» جلسة الحكومة الخميس، بالتوازي مع مطالبة الثنائي الشيعي للسفير المعيّن (لم يقدّم أوراق اعتماده بعد رسمياً) بعدم مغادرة لبنان.

وإذ جاءت هذه المقاطعة فوق صفيحٍ تزداد سخونته ويشكّله موضوع النزوح المدّجج بالألغام التي تحاول الدولة نَزْعَها بتكثيف انتشار الجيش والقوى الأمنية في بيروت الإدارية خصوصاً تلافياً لأي توتراتٍ لا سيما بعد تحركاتٍ دعماً للسفير الإيراني ومواقف حادة لقادة من «حزب الله» ضد «القرار المشبوه والمتهور» بطرد شيباني بعدما كانوا لوّحوا سابقاً بـ 7 مايو جديد (2008) بوجه حظر الحكومة النشاط العسكري للحزب، فإنّ أفق اعتكاف الوزراء الشيعة بدا مفتوحاً على ما سيكون ابتداء من اليوم، وهل ستستجيب إيران لخطوة لبنان وتسحب سفيرها المعيّن، أم أنها ستندفع تحت سقف الثنائي الشيعي وتتحدّى القرار وتعتبره «وكأنه لم يكن»، فيبقى ممثّلها بلا صفة ولا حصانة دبلوماسية وتتعاطى معه الدولة اللبنانية ما دام في حرم السفارة وكأنه «غير موجود».

بري وعراقجي

وفي الإطار، جرى رصد «الأثر»، الذي سيتركه الاتصال الذي أُعلن عنه بين وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي، ورئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري والذي لا يمكن إلا أن يكون جرى خلاله البحث في شكل رئيسي بأزمة شيباني، الذي يُعتبر نظراً إلى تجربته الطويلة بمثابة «سفير فوق العادة».

وأعلنت الخارجية الايرانية أن الاتصال تناول «تداعيات العدوان العسكري الاميركي الصهيوني على ايران وكذلك الاعتداءات الواسعة لكيان الاحتلال على لبنان»، وأن عراقجي قدم خلاله «شرحا حول أحدث التطورات المتعلقة بالعدوان الاميركي الصهيوني على ايران وردود القوات المسلحة الايرانية المشروعة والحازمة»، مشيداً «بالمواقف المبدئية لرئيس مجلس النواب اللبناني في دعم الوحدة الوطنية اللبنانية»، ومكرراً دعم طهران المبدئي «لسيادة وسلامة أراضي لبنان» ومعتبراً «تعزيز التلاحم الداخلي لمواجهة مؤامرات الجهات الخارجية ضد مصلحة المجتمع اللبناني، من ضرورات الظروف الحساسة الراهنة».

من جانبه، قدم بري، «شرحاً حول أحدث التطورات المتعلقة بهجمات الكيان الصهيوني على لبنان وتداعيات هذه الاعمال العدوانية، معتبرا هدف الكيان هو تدمير البنية التحتية في لبنان وذلك إرغام المواطنين اللبنانيين على مغادرة مناطقهم».

اغتيالات

وفي موازاة ذلك، كان الميدان يشهد احتداماً عسكرياً ومواجهات ضارية، لم تحجب تطورات خطيرة أبرزها:

- اغتيال إسرائيل بغارة على طريق جزين مراسل قناة «المنار» علي شعيب ومراسلة «الميادين» فاطمة فتوني وشقيقها محمد فتوني وقضى معهم شخص رابع.

وتبّنت إسرائيل العملية معلنة أن هدفها كان شعيب الذي وصفه جيشها بأنه «عمل إرهابياً في «قوة الرضوان» التابعة لـ«حزب الله»، وتحرك لسنوات متخفّياً بصفة صحافي في شبكة «المنار» وهو عنصر في وحدة الاستخبارات التابعة لوحدة قوة الرضوان» و«دأب بشكل منهجي على كشف مواقع قوات جيش الدفاع العاملة في جنوب لبنان وعلى خط الحدود وكان على تواصل مستمر مع عناصر إرهابية أخرى في وحدة قوة الرضوان على وجه الخصوص وفي حزب الله عموماً».

وقوبل هذا الاستهداف بمواقف رسمية منددة، تقدّمها الرئيس العماد جوزف عون، الذي اعتبر «أن العدوان الإسرائيلي يستبيح مرة أخرى أبسط قواعد القوانين الدولية والقانون الدولي الإنساني وقوانين الحرب، باستهدافه مراسلين صحافيين، هم في النهاية مدنيون يقومون بواجب مهني. إنها جريمة سافرة تنتهك جميع الأعراف والمعاهدات التي يتمتع الصحافيون بموجبها، بحماية دولية في الحروب، وفقاً لاتفاقيات جنيف للعام 1949 وبروتوكولاتها (...) طالما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية»، ومطالباً «الجهات الدولية كافة التحرك لوقف ما يحصل على أرضنا».

وأعلن وزير الإعلام بول مرقص أنّه «تم اتخاذ خطوات عملية بالتعاون مع وزارة الخارجية لتقديم شكوى أمام مجلس الأمن في شأن استهداف الصحافيين».

- استهداف إسرائيل عسكرياً في بلدة دير الزهراني، يدعى محمد مفيد طفيلي، وقد نعاه الجيش اللبناني، بالتوازي مع إطلاقها النار على مدنييْن (أب وابنه) كانا بداخل سيارة في محلة العوينات بين رميش ودبل (ذات الغالبية المسيحية) في طريقهما لجلب مساعدات للبلدة التي يرفض سكانها مغادرته.

- مضي الجيش الإسرائيلي في استهداف الأطقم الطبية وآخرها 5 من جمعية كشافة الرسالة الإسلامية سقطوا أثناء قيامهم بواجبهم في غارة على بلدة زوطر الغربية، وسط إعلان وزير الصحة اللبناني راكان ناصر الدين أن عدد ضحايا القطاع الصحي بلغ منذ 2 مارس 51 فيما ارتفعت حصيلة الضحايا على لبنان إلى 1189 و3427 جريحاً.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي