في الليلة الأكثر دموية منذ سنوات، تحولت الضفة الغربية المحتلة إلى ساحة مفتوحة لتنفيذ وصايا دينية متطرفة، حيث سار نشطاء الإرهاب اليهودي على خطى باروخ غولدشتاين، قاتل 29 مصلياً فلسطينياً في الحرم الإبراهيمي في ليلة النصف من رمضان عام 1994، حاملين معهم نصوصاً توراتية وتلمودية فسروها بما يبيح قتل «الأغيار»، أي كل من هو غير يهودي وتهجيرهم من «أرض الميعاد».

فقد أفادت صحيفة «معاريف» بأن «نشطاء إرهاب يهودي نفذوا ليلة السبت - الأحد عشرات الجرائم القومية في أرجاء الضفة. الجيش، الشاباك والشرطة فقدت السيطرة على ما يجري من أحداث في الميدان» (معاريف، 23 مارس 2026).

وبينما كان عشرات المستوطنين الملثمين يحرقون المنازل والسيارات في قرى نابلس وجنين والخليل، كان وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يدفع في الكنيست بقانون يسمي «الإرهاب اليهودي» باسمه الحقيقي - إرهاب - بينما يتبنى وزير المالية بتسلئيل سموتريتش رؤية دينية تقوم على أن «الفلسطينيين ليسوا بشراً كاملين» وأن «تهجيرهم هو إرادة الله» (ذا أتلانتيك، مارس 2026).

«الصهيونية الدينية»

تقوم الإيديولوجيا التي يتبناها سموتريتش وبن غفير والتيار المتطرف، الذي يمثلانه، على رؤية دينية مستمدة من تعاليم الحاخام المتطرف تسفي يهودا كوك، الذي أسس لما يعرف بـ «الصهيونية الدينية».

وفقاً لهذه الرؤية، فإن «قيام إسرائيل هو جزء من عملية الخلاص، وحرب 1967 كانت دليلاً على تحقيق النبوءات التوراتية» (ذا أتلانتيك، 20 مارس 2026).

ويعتقد أتباع هذه المدرسة بأن «الأرض المقدسة» قد وهبت لـ «شعب إسرائيل المختار» وحده، وأن وجود أي «غير يهودي» (أغيار) على هذه الأرض هو تدنيس للمقدسات الإلهية يجب تطهيره. بل إن البعض يستند إلى النص التوراتي (تثنية 25: 17-19) الذي يأمر بمحو ذكرى «عَمَالِيق» – وهو مصطلح يُستخدم في الخطاب المتطرف للإشارة إلى الفلسطينيين والعرب.

هذه القراءة المتطرفة هي نفسها التي استشهد بها غولدشتاين قبل أن يرتكب مجزرته في الحرم الإبراهيمي. فقد رأى في الفلسطينيين «تجسيداً لهامان» عدو اليهود في بلاد فارس القديمة، وسارع إلى «تكريم الوصية القديمة» بقتل 29 مصلياً فلسطينياً في صباح يوم 25 فبراير 1994 أي 15 رمضان من ذلك العام، حيث جاءهم من الخلف وهم قائمين في الصلاة وأطلق عليهم النار وهم ساجدين لله.

بن غفير... وريث غولدشتاين في الكنيست

اليوم، يقف بن غفير على رأس وزارة الأمن القومي، وهو الذي كان في السابعة عشرة من عمره عندما ارتكب غولدشتاين مجزرته. كان آنذاك ناشطاً في حركة «كاخ» التي أسسها الحاخام المتطرف مئير كاهانا، الذي كان يدعو إلى طرد جميع العرب من إسرائيل والأراضي المحتلة (ذا أتلانتيك).

وبعد أن أعلنت إسرائيل «كاخ» منظمة إرهابية، لم يتخل بن غفير عن إرثه. بل إن صورة غولدشتاين ظلت تزين غرفة معيشته لسنوات، قبل أن يدعي أنه أزالها.

وفي خطابه السياسي، لا يتوانى عن استلهام وصايا التوراة كما يفسرها. فهو يدفع بقانون يطبق عقوبة الإعدام على أي فلسطيني يقتل يهودياً، مستنداً إلى الآية التوراتية «من سفك دم الإنسان، فبالإنسان يُسفك دمه» (تكوين 9: 6) (جيروزاليم بوست، 12 يناير 2026).

ويدافع أليكس ستيرنبرغ، من أتباع كاهانا، عن موقف بن غفير، قائلاً إن «اليهودية ليست مثل المسيحية التي تعظ بإدارة الخد الآخر. التلمود يعلمنا: من جاء ليقتلك، بادر بقتله أولاً» (المصدر نفسه).

ويضيف أن «من يرحم القاسي سينتهي به الأمر إلى القسوة على الرحيم»... مقولة تلمودية تستخدم اليوم لتبرير أقسى أشكال العنف.

«الثأر»!

لكن بن غفير وسموتريتش ليسا مجرد سياسيين ينتميان إلى هامش متطرف. فهما اليوم في قلب الحكومة، ويمسكان بوزارتي المالية والأمن القومي، ويديران ملف الاستيطان من خلال منصب وزاري جديد في وزارة الدفاع يمنح سموتريتش سلطة شبه مطلقة على التوسع الاستيطاني (ذا أتلانتيك).

ويصف الكاتب جرشوم غورنبرغ في تحليل نشرته مجلة «ذا أتلانتيك» الأميركية سموتريتش بأنه «اللينيني» - أي ثوري يعتقد أنه يمتلك «الفهم الفلسفي الصحيح للتاريخ» وأنه «جزء من الطليعة الثورية التي يجب أن تستولي على مقاليد السلطة».

ففي تصوره، فإن «النكبات التي تحل بإسرائيل هي مجرد مراحل في العملية للخلاص» (المصدر نفسه).

ويضيف غورنبرغ أن «سموتريتش يرى في كل حدث دليلاً على تحقيق نبوءاته. حتى انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، الذي كان صدمة سياسية ولاهوتية، اعتبره سموتريتش لاحقاً مجرد انتكاسة موقتة سيتم تصحيحها».

وفي تصريح له بعد السابع من أكتوبر 2023، كتب «في النهاية، سيكون هناك استيطان يهودي في قطاع غزة».

عندما يتحول «التلمود» إلى فتاوى قتل

لكن الاستناد الديني لا يقتصر على غولدشتاين وكاهانا وسموتريتش. فقد تجاوزت التفسيرات المتطرفة ذلك إلى استخدام نصوص تلمودية أخرى لتبرير العنف. ففي قراءات متطرفة للنص التلمودي (سنهدرين 72أ)، الذي يقول «من جاء ليقتلك، بادر بقتله أولاً»، يتم توسيع مفهوم «من جاء ليقتلك» ليشمل أي فلسطيني ولبناني وايراني... إلخ - حتى الأطفال والنساء - بدعوى أنهم يشكلون خطراً وجودياً مستقبلياً (جيروزاليم بوست).

وهذا ما عبر عنه سموتريتش صراحة في تغريدة عام 2016 عندما دافع عن فصل النساء اليهوديات عن النساء العربيات في أجنحة الولادة، قائلاً «من الطبيعي أن زوجتي لا تريد أن تستلقي بجانب امرأة أنجبت للتو طفلاً قد يقتل طفلها بعد 20 عاماً» (ذا أتلانتيك).

أما عن تصريحه بأن «العرب مواطنون في إسرائيل – في الوقت الحالي على الأقل»، فهو يعكس رؤية واضحة: الفلسطينيون موجودون اليوم ولكنهم قد لا يكونون موجودين غداً. إنها دعوة مبطنة للتهجير والتطهير العرقي، تستند إلى قراءة توراتية تفيد بأن «أرض إسرائيل» هي ملك لـ «شعب إسرائيل المختار» وحده.

عندما تصبح حياة الفلسطيني «رخيصة ومباحة»

تترجم هذه الإيديولوجية الدينية المتطرفة إلى سياسات على الأرض. ففي بلدة طمون شمال الضفة، قتلت قوة متخفية (من المستعربين) من شرطة حرس الحدود، عائلة فلسطينية كاملة - الأبوان وعد وعلي، والطفلان عثمان ومحمد (5 و6 أعوام) - من دون سابق إنذار.

وبحسب تحقيق نشرته «هآرتس»، فإن دائرة التحقيق مع الشرطة (ماحش) «قررت عدم استدعاء أفراد الشرطة للتحقيق أصلاً» (هآرتس، 23 مارس 2026).

وتكتب أسرة تحرير «هآرتس» في افتتاحية بعنوان «ولا حتى التحقيق؟ يقرأ المرء ولا يصدق: قوة مستعربين تختبئ في ساعة الليل من خلف حائط، سيارة عائلية تصل من دون أن يتمكن من يستقلونها من أن يلاحظوا أفراد الشرطة... وأفراد الشرطة يمطرونها بنار متلظية... من دون أن يدعوها للتوقف، من دون أن يطلقوا النار في الهواء».

وتضيف «لا يمكن التقليل من خطورة الأمور. فقد سيطرت روح بن غفير أيضاً على دائرة التحقيق مع الشرطة: قتل عرب، كل قتل لكل عربي ليس جريمة بل إنه غير جدير بالتحقيق. الاستنتاج الثابت لدى أفراد شرطة حرس الحدود واضح: حياة الفلسطينيين - راشدين، أطفال، ذوي احتياجات خاصة، أبرياء - رخيصة، مباحة».

«الإفلات من العقاب» هو القاعدة

هذه السياسات لم تمر من دون مراقبة دولية. ففي إحاطة أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 16 مارس 2026، قال أجيث سونغاي، رئيس مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة: «المستوطنون الإسرائيليون يتجولون بحرية يحرقون وقطعون الأشجار ويدمرون المحاصيل ويعتدون على الفلسطينيين وممتلكاتهم بحماية الجيش مع إفلات كامل من العقاب، وغالباً ما يكونون مسلحين، مما يجبر عائلة فلسطينية تلو الأخرى على ترك أراضيها» (رويترز، 16 مارس 2026).

وأضاف سونغاي: «خلال عطلة نهاية الأسبوع، تلقينا روايات مروعة من سكان واحدة من آخر المجتمعات المتبقية هناك، خربة حمصة. وفقاً لرصدنا، هاجم عشرات المستوطنين المجتمع واعتدوا على رجال ونساء فلسطينيين أمام أطفالهم، وسرقوا الماشية، واعتدوا جنسياً على شاب بطريقة مروعة» «المصدر نفسه».

وتؤكد هذه الشهادة أن ما يجري ليس مجرد أعمال عنف فردية، بل هو سياسة ممنهجة تستند إلى رؤية دينية وسياسية تعتبر الفلسطيني «غريباً» عن الأرض، ويجب تطهيرها منه.

الفرق في الزي فقط

عندما قتل غولدشتاين 29 مصلياً، ارتدى زياً عسكرياً واستخدم بندقية من طراز «غاليل». اليوم، يرتدي بن غفير وسموتريتش بدلات رسمية ويستخدمون القوانين واللوائح. لكن النتيجة واحدة: الفلسطينيون يُقتلون، تُحرق بيوتهم، تُسرق أراضيهم، ويُهجّرون من ديارهم.

إرث غولدشتاين لم يعد محصوراً في مجموعة هامشية من المتطرفين، بل أصبح يشكل الروح الدافعة لمعظم الأحزاب في الائتلافات الحكومية.

تلتقي الروايات الدينية المتطرفة مع السياسات الحكومية لترسم صورة قاتمة لمستقبل الضفة. ففي وقت يُقتل فيه الفلسطينيون بدم بارد من دون تحقيق، وتباع أراضيهم وتُحرق بيوتهم، يرفع قادة اليمين المتطرف شعار «أرض الميعاد» لتبرير ما يفعلونه.

إنهم لا يقرأون التوراة والتلمود فقط؛ بل يعيدون كتابتها بما يتناسب مع مشروعهم الاستعماري التوسعي. وفي هذه القراءة الجديدة، يصبح الفلسطيني «عماليق» يجب محوه، و«هامان» يجب قتله، و«غريب» يجب تهجيره من «أرض إسرائيل».

بينما يصمت العالم - أو يكتفي بالبيانات والإدانات - يواصل «نشطاء الإرهاب اليهودي» تنفيذ وصاياهم الدينية، واثقين أنهم فوق القانون، وأن حياة «الأغيار»، لا تساوي تحقيقاً...«العاقبة للمتقين».