مشهد التدمير الإسرائيلي يتكرر يومياً في قطاع غزة ومنذ أسبوعين في لبنان، مع توسع الحرب الإسرائيلية لتطول كل لبنان بشكل غير مسبوق. فوفق تقديرات الأمم المتحدة، تجاوز عدد النازحين اللبنانيين المليون نسمة، في أكبر موجة نزوح تشهدها البلاد منذ حرب يوليو 2006، بل وأكثر دموية وتدميراً.
وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية، يقف الجيش اللبناني كحارس وحيد للدولة المنهارة، يحاول بامكاناته المتواضعة أن يحمي ما يمكن حمايته، ويؤمن ما يمكن تأمينه، ويواجه تحدياً ثلاثي الأبعاد: من جهة، القصف الإسرائيلي المتواصل الذي طال مناطق واسعة وفق تقارير صحيفة «هآرتس».
ومن جهة أخرى، ضغوط داخلية لضبط الوضع الأمني ومنع انفلاته.
ومن جهة ثالثة، استنزاف مالي حاد يحول دون تعزيز قدراته، في وقت يتهدده «فراغ دولي» مع اقتراب انتهاء ولاية «اليونيفيل» نهاية العام الجاري.
مستقبل لبنان
وتكشف ورقة بحثية لمعهد بحوث الأمن القومي الإسرائيلي، عن الرؤية الإسرائيلية لدور الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة، والتحديات التي تواجهه في ظل حرب مدمرة تهدد بزوال الدولة اللبنانية كما نعرفها.
مع توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية، تحولت الضاحية الجنوبية لبيروت، المعقل التاريخي لـ «حزب الله»، إلى مدينة أشباح تحت الأنقاض. ففي الأسبوعين الماضيين، شن الطيران الإسرائيلي أكثر من 1500 غارة على المنطقة، دمر خلالها أحياء سكنية كاملة، بما فيها من مبانٍ سكنية ومراكز تجارية ومدارس ومستشفيات.
وبحسب «هآرتس»، فإن سياسة «تدمير البنى التحتية المدنية» تهدف إلى «تحميل الدولة اللبنانية المسؤولية الكاملة عن أفعال حزب الله»، عبر احتجاز البنية التحتية المدنية «رهينة» للاستقرار الإقليمي.
مليون لبناني بلا مأوى
الأرقام التي تنشرها وكالات الإغاثة الدولية مرعبة. منظمة الصحة العالمية حذرت من انهيار وشيك للمنظومة الصحية في لبنان، بعد استهداف 12 مستشفى و24 مركزاً صحياً في الضاحية والجنوب. ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أعلنت أن أكثر من 300 ألف طفل لبناني نزحوا من منازلهم، ويعيشون في ظروف مأسوية في مراكز إيواء عشوائية تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.
وتقول منظمة العفو الدولية في بيان «ما ترتكبه إسرائيل في لبنان هو عقاب جماعي للسكان المدنيين، يرقى إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي. استهداف الأحياء السكنية والبنية التحتية المدنية بشكل ممنهج لا يمكن تبريره بأي اعتبارات عسكرية».
كارثة صحية
وحذرت منظمة «الأطباء بلا حدود»، من أن «الفراغ الإنساني» الناتج عن تدمير المستشفيات ونزوح الكوادر الطبية يهدد بكارثة صحية حقيقية في لبنان.
وتؤكد «نحن أمام كارثة إنسانية تتفاقم يومياً. المجتمع الدولي يقف متفرجاً بينما يُقتل المدنيون ويُشرد الملايين ويُدمر بلد بأكمله».
الجيش في مرمى التحديات
في بيان صادر عن قيادة الجيش اللبناني، أكدت المؤسسة العسكرية أنها تنفذ قرارات القيادة السياسية بما يحقق «المصلحة الوطنية العليا».
وأشار البيان إلى أن الجيش يقوم بإعادة تمركز بعض النقاط الحدودية وفرض إجراءات أمنية استثنائية في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية عبر مختلف المناطق، إلى جانب توغلات برية إسرائيلية.
ووصف الجيش الضربات المستمرة، إلى جانب تقدم القوات داخل لبنان، بأنها «انتهاك صارخ للقرارات الدولية» واعتداء على السيادة اللبنانية. وأشار إلى أنه ينسق مع قوات اليونيفيل ولجنة الإشراف على وقف إطلاق النار في الجهود الرامية لوقف الاعتداءات.
وكشف البيان عن أن الحواجز العسكرية تمكنت خلال اليومين الماضيين من توقيف 26 لبنانياً وفلسطينياً في مناطق مختلفة بتهمة حيازة أسلحة وذخائر بشكل غير قانوني. وأشار إلى مصادرة هذه الأسلحة والذخائر وتسليمها إلى الجهات المختصة، مع بدء التحقيقات مع الموقوفين بإشراف القضاء المختص.
كما لفت إلى أن الوحدات العسكرية عززت انتشارها على الحدود الشرقية بالتنسيق مع السلطات السورية المختصة.
إلى ذلك، كشف موقع «أورورا» الإسرائيلي عن تحذيرات إسرائيلية للجيش اللبناني بالابتعاد عن مناطق الاشتباك، مهددة باستهدافه إذا حاول التصدي للتوغلات البرية. وبحسب مسؤولين، فقد تعرضت حواجز عسكرية لقصف إسرائيلي غير مباشر، مما أسفر عن سقوط جرحى في صفوف العسكريين.
هذه التطورات تضع الجيش اللبناني في موقف بالغ الصعوبة: فمن جهة، هو ملزم حماية السيادة والتصدي للتوغلات. ومن جهة أخرى، قدراته المحدودة لا تسمح له بمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، خصوصاً مع تدمير جزء كبير من أسلحته الثقيلة في الغارات الأخيرة.
«الحلقة الأضعف»
وفي ورقة سياسة صادرة عن معهد بحوث الأمن القومي الإسرائيلي، تقدم الباحثتان أورنا مزراحي وموران لفنوني تحليلاً استراتيجياً شاملاً لدور الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة، والتحديات التي تواجه إسرائيل في ضوء «التناقض الكبير بين رؤية القيادة اللبنانية وعجزها عن التنفيذ».
وتؤكد الوثيقة أن الجيش اللبناني يمثل «الحلقة الأضعف في مسيرة تحقيق رؤية القيادة الجديدة في لبنان، الساعية إلى إصلاح البلاد وإعادة بنائها»، مشيرة إلى أن «من أهم جوانب تنفيذ هذه الرؤية جمع جميع الأسلحة التي بحوزة الميليشيات، وعلى رأسها حزب الله، ونقلها إلى القوات المسلحة اللبنانية».
مصلحة إسرائيلية
وتكشف الوثيقة عن مفارقة لافتة: «لإسرائيل ولبنان مصلحة مشتركة في تعزيز القوات المسلحة اللبنانية، لتمكينها من تنفيذ قرارات الحكومة، مع استغلال ضعف حزب الله وإيران المتوقع أن يتفاقم مع نهاية الحرب».
وتشير إلى أن هذا الهدف «يتماشى مع مصلحة إسرائيل في لبنان كدولة ذات سيادة وفاعلة، تحتكر الأسلحة من خلال جيش قوي».
تجنب استهداف الجيش
وتقدم الوثيقة توصيات واضحة للسياسة الإسرائيلية في المرحلة المقبلة، أبرزها:
- تجنب إلحاق أي ضرر بقوات الجيش اللبناني، وشن هجمات على البنية التحتية المدنية والمدنيين في لبنان، قدر الإمكان خلال الحرب الحالية، لما في ذلك من عرقلة لإمكانية تطوير العلاقات مع القيادة اللبنانية، وإثارة معارضة إسرائيل بين سكان البلاد.
- العمل على تحسين قنوات التواصل بين إسرائيل ولبنان على الصعيدين العسكري والسياسي.
- الموقف الإسرائيلي صارم «رفض أي إمكانية لتمديد وجود اليونيفيل، الذي ينتهي بنهاية العام 2026، ومعارضة نشر أي قوة دولية أخرى بدلاً منها، باستثناء القوات الأميركية أو المفتشين الأميركيين».
إصلاحات مطلوبة
وتقترح الوثيقة خطوات محددة لتعزيز الجيش اللبناني، على أن تتبناها الولايات المتحدة وتقدمها للحكومة اللبنانية:
- إصلاح شامل للجيش اللبناني بحيث يركز على حماية الحدود ومكافحة الميليشيات المستقلة، مع التخلي عن مهامه في مجال الأمن الداخلي والقطاع المدني.
- زيادة رواتب المجندين وتحسين ظروف الخدمة، إلى جانب حظر تام للعمل في وظائف إضافية.
- تغيير جذري في عمليات التجنيد والاختيار، بما في ذلك وضع معايير جديدة للتجنيد لضمان جيش عالي الكفاءة والولاء، وفي الوقت نفسه تطهير الجيش من عناصر حزب الله أو المتعاونين معه.
- معارضة مطلقة لدمج وحدات حزب الله العضوية في الجيش، والمطالبة بأن يخضع أعضاء الحزب، الذين سيتم دمجهم كأفراد في الجيش، لعملية اختيار دقيقة تحت إشراف أميركي.
ما بعد «اليونيفيل»
ومع اقتراب موعد انتهاء ولاية قوات اليونيفيل في نهاية العام 2026، يتزايد القلق اللبناني من الفراغ الذي قد يخلفه انسحاب القوات الدولية.
وتم تقديم مقترحات متعددة للجنة البرلمانية، من بينها تكليف مراقبي هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة المنتشرين بالفعل في لبنان بمهام المراقبة والتوثيق، على أن تقع المسؤوليات العملياتية على الأرض على عاتق الجيش اللبناني الذي من المتوقع أن يكون قد تولى السيطرة الكاملة. كما تدرس السيناريوهات إمكانية نشر قوة دولية جديدة جنوب الليطاني تتكون من قوات أوروبية.
وأعربت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا وروسيا عن استعدادها للمساهمة بقوات، وفقاً لمصادر مطلعة.
الموقف الأميركي
لكن الولايات المتحدة لم تقترح نشر قواتها الخاصة، كما أنها لم تُبد استعداداً لتأييد المقترح الأوروبي في شأن قوة أوروبية مشتركة. ويُنظر إلى المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين على أنهم غير مستعدين لمنح الدول الأوروبية حرية التصرف، بينما يُعتقد على نطاق واسع أن إسرائيل تعارض أي دور فرنسي موسع على حدودها.
اختراق استخباري غير مسبوق
وفي تطور لافت، كشفت تقارير إسرائيلية عن «اختراق عميق وغير مسبوق» في صفوف حزب الله، وصل إلى أدق تفاصيل وحداته السرية وهيكله القيادي، ولا سيما تفاصيل دقيقة حول عمليات حزب الله العسكرية واللوجستية، ما يشير إلى اختراق بشري وتكنولوجي عميق.
وكشفت التقارير عن تفاصيل دقيقة حول «الوحدة 4400» - الجهاز السري المسؤول عن نقل الأسلحة الاستراتيجية من إيران عبر سوريا إلى لبنان. وتم تحديد شخصيات مثل «حاج فادي» (محمد جعفر قصير) الذي تم اغتياله، وخلفائه في إدارة الممرات اللوجستية.
ويقول مصدر أمني «إن حجم ودقة المعلومات المتاحة لإسرائيل يضعان حزب الله في موقف صعب. يبدو أن جهازه الأمني الذي يعود تاريخه إلى عقود قد تم اختراقه إلكترونياً وبشرياً، تاركاً القادة المعينين حديثاً في مرمى النيران».
وتشير تقارير أمنية إلى أن وحدة الرضوان النخبة أعادت بناء قوتها البشرية لتصل إلى نحو 5000 مقاتل، وهو مستوى مماثل لقوتها قبل الحرب، واستعادت جاهزيتها العملياتية. ويقال إنها لا تزال قادرة على شن عمليات هجومية محدودة ومركزة ضد إسرائيل في سيناريوهات مختلفة، على الرغم من القيود اللوجستية التي تفرضها المسافة عن الحدود.
«سلة مثقوبة»
ويقول مصدر أمني «في ضوء هذا الخرق، فإن الحديث عن إعادة بناء الترسانة يشبه ملء سلة مثقوبة. فبينما تدخل الأموال والبضائع الإيرانية عبر الموانئ تحت غطاء الحديد والزجاج، تغادر الأسماء والإحداثيات صفوف حزب الله لتهبط مباشرة في بنك أهداف إسرائيل».
ويشير المصدر إلى أن مستوى الاختراق قد وصل إلى «أعمق طبقات التنظيم»، بما في ذلك المكتب الإداري للمجلس الجهادي.
وخلص التحليل والورقة إلى أن إسرائيل لبنان على مفترق طرق مصيري... بين مليون نازح يشردهم القصف، وجيش يحاول بامكاناته المتواضعة حماية ما تبقى من الدولة، وفراغ دولي يلوح في الأفق، واختراق استخباري إسرائيلي يفضح أسرار حزب الله، يقف لبنان اليوم على مفترق طرق مصيري.
الخيارات قاسية، والوقت ينفد. إما أن تتحرك القوى الدولية بشكل عاجل لدعم الجيش اللبناني وملء الفراغ الذي ستخلفه اليونيفيل، وإما أن يترك لبنان وحيداً في مواجهة عاصفة قد تجرفه بالكامل نحو الهاوية.
وتبقى العبرة الأهم: في لعبة الأمم الكبرى، لا مكان للضعفاء. وإذا كان لبنان يدفع اليوم ثمن صراعات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل، فإن على المجتمع الدولي أن يدرك أن انهيار لبنان لن يقتصر تبعاته على اللبنانيين وحدهم بل سيمتد الى إسرائيل أيضاً.