في تطور علمي لافت، كشف باحثون في كلية الطب بـ«ماونت سيناي» عن إمكانية استخدام علاج مناعي مبتكر لمعالجة الاكتئاب المقاوم للعلاجات التقليدية.
ويعتمد هذا الأسلوب الجديد على استهداف مسارات مناعية محددة، وليس فقط التأثير على الناقلات العصبية في الدماغ، وهذا قد يفتح آفاقاً جديدة في طب النفس.
وأوضح الطبيب النفسي الدكتور جيمس مورو، مدير مركز الاكتئاب والقلق في ماونت سيناي، في مقابلة خاصة مع مجلة «لايف ساينس»، أن العلاقة بين الجهاز المناعي والاكتئاب كانت موضع تراكم للأدلة على مدى العقدين الماضيين.
وأشار إلى أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض التهابية مثل التهاب المفاصل الروماتويدي أو الأكزيما، تظهر لديهم معدلات اكتئاب أعلى من المعدلات الطبيعية.
كما أن الضغوط النفسية المزمنة تحفز الجهاز المناعي، وهو ما ثبت في دراسات على البشر والحيوانات.
ولفت مورو، إلى أن علاج التهاب الكبد سي (C) السابق باستخدام مضادات للفيروسات تُحفّز الالتهابات (interferon alpha) كان يؤدي إلى ظهور أعراض الاكتئاب لدى نسبة كبيرة من المرضى.
ومنذ ذلك الحين، أظهرت دراسات عديدة أن مرضى الاكتئاب لديهم مستويات مرتفعة من علامات الالتهاب في الدم.
وفي دراسة نُشرت أخيراً في دورية «مولكيولار سايكياتري»، تعاون مورو مع طبيبة الجلد الدكتورة إيما غوتمان-ياسكي لمقارنة الملامح المناعية لمرضى الاكتئاب مع أولئك الذين يعانون من الصدفية والأكزيما.
وكانت النتيجة مفاجئة: فالمسار المناعي من النوع الثاني (Type 2 pathway)، المعروف بدوره في الحساسية والربو والأكزيما، كان نشطاً بشكل ملحوظ أيضاً لدى مرضى الاكتئاب.
واستخدم الفريق البحثي نمذجة حاسوبية (in silico) لتحديد الأدوية القادرة على تثبيط هذا النشاط المناعي.
وأظهرت التجارب على الفئران أن دواء «دوبيلوماب»، وهو جسم مضاد يُستخدم بالفعل لعلاج الأكزيما، نجح في تخفيف أعراض الاكتئاب لدى الفئران المعرّضة للإجهاد.
وأوضحت غوتمان-ياسكي أن هذا النهج يمثل تحولاً من مفهوم «كبت المناعة» إلى «تصحيح المناعة»، فبدلاً من تثبيط الجهاز المناعي بالكامل، تعمل هذه العلاجات على إعادة التوازن للمسارات المناعية المحددة.
ويخطط الفريق حالياً لإطلاق تجربة سريرية صغيرة لاختبار فعالية «دوبيلوماب» على مرضى يعانون من اكتئاب مقاوم للعلاج، وسيتم تقييم تأثير الدواء على دوائر المكافأة في الدماغ باستخدام التصوير الوظيفي (fMRI)، حيث أظهرت دراسات سابقة أن الالتهابات قد تُثبط استجابة الدماغ للمكافآت، وهذا يفسر فقدان المتعة والتحفيز لدى المصابين بالاكتئاب. وتشمل أهداف التجربة ما يلي:
• قياس التغيرات في نشاط الدماغ المرتبط بالمكافأة والمتعة باستخدام التصوير الوظيفي قبل وبعد العلاج.
• تقييم التحسن في الأعراض السلوكية والنفسية للمرضى المشاركين عبر مقاييس سريرية معتمدة.
• تحديد العلامات الحيوية المناعية التي يمكن أن تتنبأ بفئة المرضى الأكثر استجابة لهذا النوع من العلاج.
ويأمل الباحثون أن يؤدي هذا العمل إلى تصنيف فرعي مناعي للاكتئاب في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) مستقبلاً. وقال مورو: «نتمنى أن يأتي يوم يُجرى فيه فحص دم لمريض الاكتئاب ليحدد الخلل في جهازه المناعي، ومن ثم نعطيه علاجاً يستهدف هذا الخلل تحديداً». وأضاف: «نحن على أعتاب مرحلة جديدة يمكن فيها للبيولوجيا الأساسية وعلم الأعصاب أن يغيرا طريقة ممارسة الطب النفسي».