في ظل التغيرات الديموغرافية والاجتماعية التي تشهدها الكويت، برزت مسألة تقديم خطبة الجمعة بلغات غير العربية كأحد العناصر المهمة في المشهد الديني والاجتماعي للدولة.

ففي مجتمع يستضيف أعداداً كبيرة من العمالة الوافدة من آسيا وأفريقيا وأوروبا، أصبح توفير الخطبة بلغات متعددة ليس خياراً بل ضرورة للتواصل ونشر الوعي الديني الصحيح.

ويُعد المركز الإسلامي من الجهات النشطة في هذا المجال، حيث يقدّم خطبة الجمعة باللغة الإنكليزية بشكل منتظم للمصلين غير الناطقين بالعربية، إلى جانب تنظيم محاضرات وبرامج توعوية وأنشطة تعليمية تسهم في تعزيز الفهم الديني لدى الجاليات الأجنبية.

وعلى مستوى أوسع، تشرف وزارة الشؤون الإسلامية على تقديم خطب الجمعة بغير العربية في نحو 73 مسجداً موزعة على مختلف المحافظات، وبما لا يقل عن 11 لغة، من بينها الأوردو والبنغالية والتاميلية والفلبينية والإندونيسية والسنهالية والماليالامية والتيلجو والإنكليزية، وغيرها، وذلك وفق احتياجات الجاليات في كل منطقة. وتهدف هذه الخطابات إلى إيصال الرسائل الدينية والمعرفة الإسلامية للمقيمين غير الناطقين بالعربية بشكل واضح ومباشر، بدل الاكتفاء بالترجمة بعد الصلاة أو نشر مقتطفات مترجمة.

كما تشير بيانات لجنة «التعريف بالإسلام» إلى مشاركة عدد من المساجد في إلقاء خطب الجمعة للجاليات بلغات متعددة، في خطوة تهدف إلى تعزيز اندماج المصلين غير الناطقين بالعربية، وترسيخ القيم الدينية والاجتماعية المشتركة.

جسر ثقافي

ويُنظر إلى خطبة الجمعة متعددة اللغات على أنها جسر ثقافي واجتماعي مهم، بين المجتمع الإسلامي الكويتي والجاليات الأجنبية. فهي تُسهّل على الأجانب فهم الشعائر والتعاليم الإسلامية الأساسية، وتُعزز من الاندماج الديني والاجتماعي للمقيمين داخل المجتمع، خصوصاً أن معظم أفراد هذه الجاليات لا يجيدون اللغة العربية، ما يجعل الخطبة بلغاتهم الأم وسيلة فعّالة لنقل التوجيهات الدينية، والوعي بالقيم والأخلاق الإسلامية، بعيداً عن الغموض اللغوي.

ومن الأثر البارز لهذه المبادرة، أنها تخفّض الفجوة بين المسلمين من مختلف الجنسيات، وتُسهّل عليهم أداء شعائرهم الدينية بفهم صحيح. فبدل أن يشعر المصلّون بالانعزال أو الاغتراب نتيجة التحديات اللغوية، لديهم الآن منابر جمعة يفهمونها بلغاتهم، مما يساهم في تعزيز شعور الانتماء والهوية الدينية في دولة تستضيف أعداداً كبيرة من المقيمين.

ويتجاوز الأثر الاجتماعي الجانب الديني، إذ تسهم هذه المبادرات في تقليل سوء الفهم بين الثقافات، وتعمل على نشر قيم التسامح والاحترام المتبادل. بالإضافة إلى ذلك، فإنها تدعم برامج التوعية الاجتماعية والدينية، مثل تعريف غير المسلمين بالإسلام وقيمه السمحة، الأمر الذي يؤدي إلى مجتمع أكثر انسجاماً وتعاوناً.

التحديات

ومع ذلك، يواجه هذا المشروع تحديات تتعلق بتأمين الخطباء المؤهلين والمتحدثين الذين يجيدون اللغات المطلوبة مع فهم عميق للمحتوى الديني. لذا، تبقى هناك حاجة مستمرة إلى تأهيل المزيد من الخطباء المتعددي اللغات لضمان جودة الخطبة وعمقها.

وفي نهاية المطاف، يظهر من هذا التوجه أن الكويت تسعى إلى تعزيز التعايش بين ثقافات مختلفة عبر منابر دينية ترسخ القيم الروحية والأخلاقية، وتُظهر نموذجا للتفاعل بين الدين والمجتمع في عالم متعدد الجنسيات واللغات. ويمكن اعتبار هذه المبادرات خطوة متقدمة في نشر الوعي الديني، وتعزيز التلاحم الاجتماعي، واحترام التنوع الثقافي في دولة تعتمد في بنيتها على تمازج المجتمعات والأعراق.

وفي السياق ذاته، تنقل بعض الملاحظات الميدانية غير الرسمية لمصلين، أن هناك مساجد في مناطق مختلفة شهدت إلقاء خطب باللغتين العربية والإنكليزية في بعض الفترات، إضافة إلى مساجد أخرى في مناطق مثل الفحيحيل وخيطان وجنوب الكويت، قُدِّمت فيها خطب بلغات كالأوردو والبنغالية، تبعاً لاحتياجات المصلين وتوفر الخطباء المؤهلين. ويُشار إلى أن هذه التجارب قد تختلف من وقت لآخر بحسب تنظيم الخطباء وجداول العمل في المساجد.

«مساجد الكويت»... دليل الخطب

لتسهيل وصول المصلين من الجاليات المختلفة إلى خدمات الخطبة بلغاتهم، أتاحت وزارة الشؤون الإسلامية تطبيق «مساجد الكويت» الإلكتروني، الذي يوفّر معلومات تفصيلية عن المساجد، بما في ذلك لغة خطبة الجمعة في حال كانت بغير العربية، إلى جانب بيانات أخرى مثل اسم الخطيب، وأوقات الصلاة، والخدمات المتاحة، الأمر الذي يسهّل على المصلين اختيار المسجد المناسب قبل أداء صلاة الجمعة.

ترجمة الخطبة بلغة الإشارة

إلى جانب اللغات الأجنبية، سعت وزارة الشؤون الإسلامية إلى توسيع خدمات المساجد لفئات أخرى مثل الصم وضعاف السمع، عبر تقديم ترجمة الخطبة بلغة الإشارة في بعض المساجد، في خطوة تُظهر اهتماماً بتلبية الاحتياجات الفريدة لكل فئات المجتمع.