تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً شاملة ضد إيران، بعد اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وكبار قادة الحرس الثوري. وبينما تدوي صفارات الإنذار في المدن الإسرائيلية وتشتعل ناقلات النفط في مضيق هرمز، يحاول الخبراء والمحللون الإسرائيليون فك لغز الأيام المقبلة وكيف يمكن إسقاط نظام ديني متجذر؟ وهل ستكتوي أسواق الطاقة العالمية بنار هذه المواجهة؟

في خضم الضباب الكثيف للحرب، يتفق المحللون على أن الضربة الافتتاحية كانت مذهلة، لكنهم يختلفون بشدة حول إمكانية ترجمة هذا النجاح التكتيكي العسكري إلى تغيير استراتيجي في طهران.

وفي استعراض لمعظم المقالات والتحليلات المنشورة في الصحف الإسرائيلية والاستماع للتحاليل في القنوات الرسمية الإسرائيلية، تتراوح التوقعات بين تفاؤل حذر باغتنام «لحظة نابليون» الحاسمة، وتحذيرات أكاديمية مريرة من تكرار كوارث الماضي في العراق وأفغانستان.

نقطة أرخميدس

في صحيفة «معاريف»، وضع المحلل عوديد تيرا سيناريو اللحظة الحاسمة تحت المجهر، موضحاً أن القصف الجوي العنيف الذي يستهدف «المنظومات السلطوية للحرس الثوري» ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لخلق «كتلة حرجة» من الضربات.

واعتبر أن «هذه اللحظة ستكون نقطة أرخميدس لتحقيق هدف حرب مركزي – أي إسقاط الحكم الحالي في ايران وخلق ظروف لدخول حكم أكثر راحة وقبول للشروط الإسرائيلية والأميركية».

وحذر من أن تفويت هذه الفرادة، حين تنشأ فوضى عارمة، سيكون بمثابة كارثة استراتيجية، مستشهداً بنابليون الذي قال «في الحرب توجد لحظة ناجحة واحدة فقط – العبقري يستغلها».

ووفقاً لتيرا، فإن غياب خطة واضحة ومدربة مسبقاً من قبل الجيوش الغربية لتولي زمام الأمور في المرحلة الانتقالية، قد يسمح للقوى الموالية للحرس الثوري باستعادة السيطرة، محولاً النصر المحتمل إلى حرب استنزاف طويلة وغير مرغوب فيها.

في المقابل، يبدو المشهد في صحيفة «هآرتس» أكثر قتامة. ففي مقال بقلم عوفر اديرت، يرفع نخبة من المؤرخين وأكاديميي الشؤون الإيرانية راية التحذير القصوى، بينما صرح البروفيسور مئير ليتفاك، رئيس مركز الدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب، قائلاً: «القنابل وحدها لا تسقط نظاماً، ليست لدينا تجربة سابقة في هذا الشأن، نحن بحاجة الى تصدعات في الداخل».

ويشير البروفيسور بني ميلر من جامعة حيفا إلى أن السجل التاريخي لمثل هذه العمليات «غير جيد جداً»، مستشهداً بكارثة غزو العراق عام 2003 الذي أدى إلى صعود النفوذ الإيراني نفسه.

ويضيف ميلر «ربما كانت النوايا حسنة... لكن ذلك لم ينجح»، محذراً من أن الفوضى التي قد تلي الانهيار قد تفتح «باب جهنم» وتؤدي إلى حرب أهلية، ومستذكراً أن الديكتاتور أحياناً هو من يمسك الدولة بقبضة حديدية تمنع التفكك.

الانتخابات الأميركية والإسرائيلية: هل تصمد الشعوب؟

وفي العمق تتداخل حسابات الحرب مع حسابات السياسة الداخلية في كل من واشنطن وتل أبيب، حيث يوضح ورئيس معهد السياسة والاستراتيجية (IPS) عاموس جلعاد يلفتون أن المحللين يشيرون إلى أن الرئيس دونالد ترامب أطلق العملية من «دون تأييد شعبي واسع (27 في المئة فقط وفقاً لأحدث استطلاع للرأي)، بل ودون موافقة الكونغرس».

وتابع يؤكد المحللون أن ترامب يخشى من التورط في حملة طويلة الأمد قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، ومن ارتفاع أسعار النفط الذي يضرب المستهلك الأميركي، والتي قد تدفعه إلى السعي لإنهاء الحملة بسرعة، خلال أربعة إلى خمسة أسابيع فقط.

أما في إسرائيل، فالانقسام الداخلي يطل برأسه بقوة، حيث اعتبر الكاتب يوسي كلاين في صحيفة «هآرتس» في مقال بعنوان «متى ستفهمون أن هذه ليست حربنا».

ورأى أنها «حرب (رئيس الوزراء بنيامين) نتنياهو» وليست حرب الشعب، متهماً رئيس الوزراء باستخدامها لتحقيق مآرب شخصية وتأجيل محاكمته.

وأضاف «حتى الحرب لا تجرد المحتال من التحايل، ولا تحول نتنياهو الفاسد الى شخص صالح»، متسائلاً «من الذي نصدقه إذا؟ بالتأكيد ليس جهاز الرقابة البرلمانية في دولة برلمانها مخصي».

هذا الصوت المعارض، وإن كان هامشياً في زمن الحرب، يعكس هشاشة الجبهة الداخلية وانعدام الثقة الذي قد يقوض القدرة على الصمود في مواجهة طويلة.

في سياق متصل، يشن الكاتب جدعون ليفي في «هآرتس» هجوماً لاذعاً على الخطاب الإعلامي السائد، واصفاً إياه بـ«الغباء والجهل» في زمن الحرب.

ويتساءل عن تحول وسائل الإعلام إلى «جوقة» تمجد الحرب من دون نقاش جوهري، مضيفاً «أين تقرر أن زمن الحرب هو زمن الغباء؟».

صدمة النفط

ربما يكون الميدان الأكثر سخونة خارج ساحة المعركة هو مضيق هرمز، ذلك الشريان الضيق الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية. في تحليل مفصل بصحيفة إسرائيل اليوم، يصف دودي كوغن الكارثة التي حلت بالاقتصاد العالمي بعد أن نفذت إيران تهديدها القديم الجديد وأغلقت المضيق.

وينقل كوغن عن غي لارون، المحاضر في الجامعة العبرية، وصفه للوضع بأنه «شريط كوارث هوليوودي».

ويشرح لارون أن ما يحدث ليس مجرد أزمة عابرة، بل اقتلاع مفاجئ لـ 20 في المئة، من السوق دفعة واحدة، وهو ما لم يحدث حتى في كبرى أزمات النفط في القرن العشرين.

ويحذر من تأثير الدومينو: «نقطة الخنق أغلقت، السفن لا يمكنها أن تخرج، لا معنى لمواصلة الإنتاج... بعد أسبوع – أسبوعين سندخل الى وضع نقص مادي»، مؤكداً أن البديل غير موجود، فبينما كان بالإمكان الالتفاف حول مضيق باب المندب عبر أفريقيا، فإن اغلاق هرمز هو «اغلاق الصنبور... صنبور الاكسجين للاقتصاد العالمي».

ويضيف المحلل تومر رعنان من المجلة البحرية أن أسعار النفط قفزت بالفعل، محذراً من أن كسر حاجز 100 دولار للبرميل سيكون «حدث اليم»، وصولاً إلى 150 دولاراً في «سيناريو الكارثة».

فرصة تاريخية أم مغامرة خطيرة؟

ويجمع المحللون على أن إيران تمر بأضعف لحظاتها منذ الثورة الإسلامية قبل 47 عاماً، وأن محور شركائها الذي بنته بدأ يتفكك.

مع ذلك، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل يستطيع الائتلاف الأميركي - الإسرائيلي اغتنام «لحظة نابليون» التي تحدث عنها تيرا، أم أن التاريخ سيكرر نفسه بفشل ذريع كما يحذر ميلر ورام؟ بين رغبة ترامب في نصر سريع قبل الانتخابات، والمخاوف الاقتصادية، وإصرار المعارضة الإسرائيلية على أن الحرب «مغامرة شخصية»، يبقى مصير المنطقة معلقاً على قدرة الجيوش على التحكم بلحظات الفوضى التي ستلي الضربات العسكرية.

وحدها الأيام القادمة كفيلة بكشف ما إذا كانت «زئير الأسد» ستكون بداية نظام جديد في المنطقة، أم أنها مجرد فصل آخر في مسلسل طويل من الدمار وعدم الاستقرار.