الحكومة اللبنانية قررت «مطاردة» عناصر الحرس الثوري وترحيلهم... و«إعادة العمل بوجوب حصول الإيرانيين على تأشيرة»

إسرائيل «تُهجّر» ضاحية بيروت الجنوبية

نيران الغارات الإسرائيلية على مدينة صور (أ ف ب)
نيران الغارات الإسرائيلية على مدينة صور (أ ف ب)
تصغير
تكبير
,

كيف «سينجو» لبنان من الخطر المثلث الضلع الذي زجّه في قلب حربٍ لا تنفكّ تتحوّل «جاذبة صواعق» تشي باستدراج مزيد من الدول إلى ملعب النار؟ وهل ما زال متاحاً أن يَخرج بلا أضرار «مميتة» من العاصفة الأعتى التي تضرب المنطقة والتي جعله «حزب الله» في مهبّها ومكشوفاً على نهاياتها لا تحتمل نتائج رمادية لمختلف لاعبيها «فإما انكسار وإما انتصار»، في ظل إصدار الجيش الإسرائيلي لإنذار غير مسبوق بـ «إفراغ» الضاحية الجنوبية لبيروت من سكانها؟

سؤالان اختصرا المشهد في اليوم الرابع على «حرب لبنان الرابعة» التي يتبلور تباعاً المسرح الشديد التعقيد الذي تدور عليه والذي اتسع نحو «القوس» الذي يحوط بإيران، من العراق والعامل الكردي، إلى أذربيجان، كما في اتجاهاتِ بوابتي الناتو واوروبا في المنطقة، تركيا وقبرص، في مقابل مسارٍ «انتقامي» من طهران يشي بمحاولة ممنهجة لقطع شرايين الطاقة في هذه البقعة وإطلاق عملية «لي أذرع» اقتصادية.

وعمّقت هذه المشهدية المدجّجة بأبعاد جيو - سياسية بالغة الأهمية المخاوف من أن يكون ما جرى منذ فجر الاثنين في لبنان «تمرين نار» قبل العصف الأكبر العسكري والمفتوح على سيناريواتٍ تُحاكي تجارب من دفاتر اجتياحاتٍ وعملياتٍ اسرائيلية للجنوب خصوصاً طبعت القرنَ الماضي وأشْهرها في 1978، ولكنها ذات تداعيات أكثر خطورة في ضوء ما يشهده النظام الاقليمي من إعادة تشكيل «قيصرية».

وفي الوقت الذي كان لبنان الرسمي الذي لا يملك الأدواتِ التنفيذيةَ لفرض حظر الجناح العسكري لحزب الله وإلزامه تسليم سلاحه، وفق قرار الحكومة يوم الاثنين الماضي، يصبّ جهودَه الديبلوماسية على استنهاضِ أصدقائه لمنع اجتياحٍ اسرائيلي بدا «مسألة وقت» ويُنْذِر بأن يكون على شاكلة «عملية الليطاني» 1978 (مارس من ذاك العام) وما أرستْه من «حزام أمني»، شهد نسخة مطوّرة بعد غزو 1982 (استمر حتى العام 2000)، بدت «بلاد الأرز» واقعياً وكأنها تحاول التقاط «طوق نجاة» وهي تَلاطِم من كل حدب وصوب حرباً أعلنتْها اسرائيل أنها لمواجهة «تهديد وجودي» (من إيران وأذرعها)، وتخوضها طهران بوصفها «معركة بقاء»، ورفع «حزب الله» بإزاء انخراطه فيها شعارَ «الدفاع الوجودي».

وفي موازاة تمدُّد الاعتداءات الاسرائيلية المدمرة وشمولها كل المناطق، وصولاً إلى الشمال حيث اغتيل أحد قادة «حماس» في مخيم البداوي (قرب طرابلس) مع توسع رقعة «غارات الشقق» وإحداها في منطقة الشويفات (ساحل عاليه) واغتيالات السيارات واثنان منها على طريق المطار، شخصتْ أنظارُ بيروت على الاجتماع الوزاري الأمني الذي ترأسه بنيامين نتنياهو مساء الخميس باعتباره سيحدّد اتجاهات الريح في ما خص مسار ومصير التوغل البري في جنوب الليطاني (حتى عمق 15 كيلومتراً وربما أكثر تباعاً مع احتمال توغل موازٍ عبر سورية نحو البقاع) الذي تناهز مساحته 10 بالمئة من مساحة لبنان والذي طلبت تل أبيب تهجير كل سكانه بما في ذلك مدينة صور، وتريد تحويله بقوة 3 فرق عسكرية حشدتها على الحدود «منطقة ميتة» عسكرياً مع «صفر خطر» على مستوطناتها الشمالية التي لم تطلب إخلاءها.

ولم يكن هذا الاجتياح المرجَّح مصدر القلق الوحيد لـ «بلاد الأرز» التي باغتتها ايضاً تسريبات عبر هيئة البث الاسرائيلية بأن ثمة بحثاً في ضرب أهداف مدنية (بنية تحتية) للضغط على الحكومة لكبح جماح «حزب الله»، وسط اعتقادٍ أن ثمة ما يكفي من رصيد باقٍ للبنان الرسمي لدى واشنطن للجم تل ابيب عن هكذا مسارٍ، وإن كان سيعمّق النقمة ضدّ «حزب الله» في مختلف البيئات المناهضة أصلاً له وربما داخل بيئته نفسها المتململة من زجّها في حربٍ ثانية في نحو عام وتركها فريسة تهجير لمئات الآلاف من أبنائها، إلا أن من شأنه في الوقت نفسه ألا يترك للدولة أي مرتكزات قيام من تحت الركام وربما يدمّر الجدار الفاصل الأول من نوعه الذي أقامته مع «حزب الله» وصولاً لاعتبار جناحه العسكري خارجاً عن القانون.

وفيما واصل الرئيس العماد جوزف عون، الذي كان طلب من واشنطن وباريس التدخل لدى اسرائيل لمنعها من أي توغل بري في الجنوب، لقاءاته التي شملت الخميس القائم بأعمال سفارة دولة الكويت المستشار عبدالعزيز حميدان الدلح، والسفير العُماني أحمد بن محمد السعيد والقائم بالأعمال الإماراتي محمد شاهين الغفلي «الذين أكدوا تضامن دولهم مع لبنان وشعبه في هذه الظروف الصعبة، وتأييدهم لسيادة لبنان واستقلاله وشرعيته»، كان مجلس الوزراء يعقد جلسةً عاود فيها الرئيس نواف سلام تثبيت قرار حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ «حزب الله» وردّ على مواقف أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، الذي تحدّى الدولة متحدثاً عن «القرار الخطيئة» ومدافعاً عن قرار حزبه بالانخراط في الحرب وإن حاول «لبننته» بتقديم أولويات حيثياته المتصلة باعتداءات اسرائيل وخروقها المتمادية لاتفاق 27 نوفمبر 2024 ومؤكداً المضيّ في المواجهة بوصفها «دفاعاً وجودياً».

وقال سلام خلال الجلسة إنه «سمع بالأمس مَن يتهم الحكومة اللبنانية بأنها تتماهى مع المطالب الإسرائيلية ويتهمُها بتطبيق القرارات الإسرائيلية»، وأضاف: «هذا كلام لا يمكنني السكوت عنه»، مؤكداً أن مَن يرتكب «خطيئة» هو من زج لبنان في تداعيات كنا بغنى عنها، وكلام التخوين ليس شجاعة وهو غير مسؤول ويُحرّض على الفتنة.

وفي موقف لافت، أعلن سلام أنه «حفاظا على امن البلاد وتأكيداً على بسط سلطة الدولة وحصر السلاح، الطلب من الوزارات والادارات المعنية اعطاء التوجيهات اللازمة للتحقق من وجود عناصر من الحرس الثوري والتنخل الحازم والفوري ومنع أي نشاط عسكري ايا تكن صفتهم والغطاء الذي يعملون تحته وتوقيفم واعادتهم الى بلادهم»، داعياً إلى «ضبط الحدود ومنع أي عمل من شأنه الإخلال بالأمن».

وقرر مجلس الوزراء «إعادة العمل بوجوب حصول الإيرانيين على تأشيرة للدخول إلى لبنان».

الإنذار العاجل

بدا الوضع الميداني - العسكري يتجه نحو فصول أكثر دراماتيكية مع إصدار الجيش الإسرائيلي إنذاراً غير مسبوق بـ «إفراغ» الضاحية الجنوبية لبيروت من سكانها وهو الإنذار الذي جاء على النحو الآتي:

«إنذار عاجل لسكان الضاحية الجنوبية في بيروت - أنقذوا حياتكم وقوموا بإخلاء بيوتكم فوراً.

- سكان أحياء برج البراجنة والحدث - يرجى التوجه شرقاً باتجاه جبل لبنان على محور بيروت - دمشق.

- سكان أحياء حارة حريك والشياح - يجب الانتقال شمالاً باتجاه طرابلس بمحور بيروت -طرابلس وشرقاً لجبل لبنان على أوتوستراد المتن السريع.

- انتبهوا، يحظر عليكم التوجه جنوباً. أي توجه جنوباً قد يعرّض حياتكم للخطر.

- سنبلغكم بالوقت المناسب للعودة إلى بيوتكم».