في نقلة نوعية محتملة على صعيد مكافحة السرطان، لا يقتصر الطموح العلمي اليوم على تحسين العلاج بعد ظهور الورم، بل يتعداه إلى اكتشاف المرض وإجهاضه في مهده قبل عقود من تطوره وظهور أعراضه.

يعتمد هذا النهج الجديد، المعروف باسم «اعتراض السرطان»، على استهداف العمليات البيولوجية المسببة للمرض في مراحلها المبكرة جداً.

ويركز الباحثون على البحث عن علامات إنذار مبكرة ودقيقة، مثل الطفرات الجينية التي تتراكم بصمت في الخلايا، والآفات السابقة للتسرطن كالزوائد اللحمية، والتغيرات النسيجية المبكرة. وقد أظهرت دراسات وراثية واسعة أن الأجسام تتراكم مع التقدم في العمر مجموعات صغيرة من الخلايا المتحولة تسمى «المستنسخات»، والتي يمكنها التنبؤ بمَنْ قد يصاب بسرطانات الدم.

وتساعد اختبارات الدم الجديدة، المعروفة باسم «اختبارات الكشف المبكر عن السرطانات المتعددة»، في البحث عن أجزاء دقيقة من الحمض النووي الورمي في الدم، والتي تفرزها الخلايا السرطانية أو ما قبل السرطانية.

وقد أظهرت هذه الاختبارات قدرة على رفع معدلات البقاء على قيد الحياة من خلال الاكتشاف المبكر، خاصة في سرطان القولون والمستقيم.

ومع ذلك، يثير هذا النموذج الجديد التساؤلات الأخلاقية والتحديات التالية:

• مخاطر التشخيص المفرط: قد تؤدي النتائج الإيجابية الخاطئة إلى قلق غير ضروري وإجراء فحوصات متابعة قد تكون غازية للجسم ولا داعي لها.

• عدم اليقين: على عكس أمراض القلب، لا يتبع السرطان مساراً متوقعاً دائماً، وبعض الآفات المبكرة قد تتقلص أو لا تتطور أبداً.

• الفجوة الصحية: إذا كانت هذه الاختبارات باهظة الثمن أو متاحة فقط بشكل خاص، فقد تؤدي إلى تفاقم أوجه عدم المساواة الصحية، لاسيما في البلدان منخفضة الدخل.

• الموازنة الأخلاقية: معاملة خطر الإصابة بالسرطان بدلاً من السرطان نفسه يثير أسئلة صعبة حول متى يكون التدخل مفيداً حقاً لشخص يشعر بصحة جيدة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، تسعى هيئات تنظيمية في الولايات المتحدة وبريطانيا لوضع أطر واضحة لاستخدام هذه الاختبارات.

وتظهر خطط وطنية مثل خطة السرطان في إنكلترا التزاماً بتوسيع نطاق الفحوصات التشخيصية، وهذا يعكس إدراكاً متزايداً بأن السرطان ليس حدثاً مفاجئاً، بل عملية بطيئة تبدأ قبل عقود، وإيقافها مبكراً قد ينقذ أرواحاً لا تُعد.