كشفت أكبر دراسة جينية على الإطلاق لمرض السكري من النوع الثاني، شملت بيانات ملايين الأفراد من مختلف أنحاء العالم، عن رؤى جديدة ومفاجئة تعيد تشكيل الفهم العلمي للأساس البيولوجي لهذا المرض الشائع والمعقد.

وأظهر البحث، الذي شارك فيه مئات العلماء ضمن اتحاد «كونسورتيوم» عالمي، أن المرض لا ينقسم إلى فئات فرعية واضحة بناءً على السمات السريرية فحسب، بل له جذور جزيئية متنوعة للغاية.

وحددت الدراسة ما يقرب من 1300 متغير جيني مرتبط بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وهو رقم هائل مقارنة بما كان معروفاً في السابق.

والأهم من ذلك، أن التحليل أوضح أن هذه المتغيرات تؤثر على مجموعة واسعة من المسارات البيولوجية داخل الجسم، تتجاوز بكثير مسألة مقاومة الإنسولين في الكبد والعضلات والدهون، والتي كانت تعتبر التركيز الرئيسي لعقود.

ومن أبرز ما أسفرت عنه الدراسة:

• دور غير متوقع للدهون: أظهرت النتائج دوراً مركزياً لخلل في عملية تخزين الدهون واستقلابها («بيولوجيا الخلايا الدهنية») كمسار جيني رئيسي للإصابة بالسكري، ما يسلط الضوء على أهمية نوعية الدهون ووظيفتها، وليس كميتها فقط.

• اضطراب في إفراز الإنسولين من البنكرياس: وجدت الدراسة أن العديد من المتغيرات الجينية تؤثر بشكل مباشر على قدرة خلايا «بيتا» في البنكرياس على إنتاج وإفراز الإنسولين بشكل صحيح، وهو جانب قد يسبق ظهور مقاومة الإنسولين في بعض الحالات.

• تأثير على الجهاز العصبي والهضمي: ربط التحليل أيضاً بين الجينات المرتبطة بالسكري وعمل الجهاز العصبي المركزي (الذي يتحكم في الشهية والتمثيل الغذائي) وصحة الأمعاء، ما يشير إلى أن المرض هو اضطراب في «تواصل الأعضاء» على مستوى الجسم كله.

وتؤكد هذه النتائج أن «السكري من النوع الثاني» هو في الواقع مجموعة من الأمراض الفرعية ذات الأسباب البيولوجية المتباينة، ما يفسر سبب استجابة المرضى للعلاجات بشكل مختلف.

وتمهد هذه الرؤية الجديدة الطريق لعصر الطب الدقيق في علاج السكري، حيث يمكن في المستقبل تصنيف المرضى بناءً على ملفهم الجيني والبيولوجي لتلقي العلاج الأنسب لهم شخصياً، بدلاً من اتباع نهج «مقاس واحد يناسب الجميع». وهذا الاكتشاف يمثل نقلة نوعية قد تقود إلى استراتيجيات وقائية وعلاجية أكثر فعالية تستهدف الجذور الحقيقية للمرض لدى كل فرد.