قبل أيام، وفي لحظة لافتة تزامنت مع بلوغ ثروته مستويات قياسية غير مسبوقة لتقارب 800 مليار دولار، شارك الملياردير إيلون ماسك متابعيه عبر منصة «إكس» مقولة قصيرة لكنها محمّلة بالدلالات: «من قال إن المال لا يشتري السعادة، كان يدرك تماماً ما يتحدث عنه».

وجاءت تغريدة ماسك الذي يملك ثروة برقم لم يبلغه أي شخص في التاريخ، لتعيد الجدل القديم حول العلاقة بين المال والسعادة إلى الواجهة، إذا لم يكن المال المصدر الحاسم للسعادة، فما الذي يمنح الإنسان شعوره الحقيقي بالرضا والرفاه؟

وتاريخياً يحمل هذا الجدال جذوراً فلسفية عميقة، حيث رأى الفيلسوف أرسطو أن السعادة تتحقق من خلال الفضيلة والمعنى، لا بالثروة. وتكررت الفكرة في الفكر الديني والأدبي، معتبرة المال وسيلة للعيش وليس غاية للحياة، فيما تشير الأبحاث الحديثة إلى أن للمال دوراً في تعزيز السعادة، لكنه محدود، حيث إن الدخل يرفع السعادة فقط لحد معين، إذ يساعد على تلبية الاحتياجات الأساسية مثل الأمان والصحة والسكن، ومن ثم يرتفع الشعور بالرضا، وبعد تجاوز هذا الحد، يصبح تأثير المال على السعادة ضعيفاً مقارنة بعوامل أخرى أكثر أهمية، مثل العلاقات الاجتماعية، الصحة، الشعور بالمعنى، والوقت الحر.

النجاح المهني

ولطالما ساد الاعتقاد بأن النجاح المهني، والثراء، والشهرة تمثل الغايات القصوى لحياة جيدة. غير أن أبحاثاً علمية طويلة الأمد تقترح إجابة أكثر تعقيداً، وأقل اختزالاً.

وفي هذا السياق، سلط مقال نشرته منصة (هيلث إديوكيشن) الضوء على نتائج «دراسة هارفارد لتطور البالغين»، وهي واحدة من أطول الدراسات الطولية في تاريخ العلوم الاجتماعية، إذ امتدت لأكثر من 85 عاماً، وتتبعت حياة مئات المشاركين عبر عقود. نتيجة الدراسة جاءت واضحة وهي أن العلاقات الإنسانية الجيدة العامل الأهم للسعادة والصحة على المدى الطويل.

وتشير البيانات إلى أن الأفراد الذين يتمتعون بروابط اجتماعية متينة، سواء مع العائلة أو الأصدقاء أو المجتمع الأوسع، يعيشون أعماراً أطول، ويتمتعون بذاكرة أفضل، وتكون استجابتهم للأمراض المزمنة وآلام التقدم في السن أكثر إيجابية مقارنة بمن يعانون من العزلة الاجتماعية، وعلى النقيض، اعتبر الباحثون الوحدة «قاتلاً صامتاً»، إذ يوازي تأثيرها السلبي على الصحة مخاطر تدخين نحو 15 سيجارة يومياً أو الإفراط في استهلاك الكحول.

ولا تركز الدراسة على عدد العلاقات بقدر جودتها. فالتواجد ضمن علاقات متوترة أو صراعية يثبت أنه أكثر ضرراً من العيش وحيداً. وتشير النتائج إلى أن ما يمكن تسميته بـ«اللياقة الاجتماعية» يتطلب استثماراً واعياً في الوقت والاهتمام وبناء الثقة، لا مجرد الانخراط الشكلي بشبكات اجتماعية واسعة.

غير أن التركيز على العلاقات وحدها لا يغلق باب النقاش حول دور المال. فقد حسمت دراسة نشرتها دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم «PNAS» جدلاً علمياً استمر أكثر من عقد في شأن العلاقة بين الدخل والرفاهية العاطفية.

وجاءت الدراسة، المعنونة «الدخل والرفاهية العاطفية: حسم نزاع قائم»، ثمرة تعاون غير تقليدي بين عالمين كانا على طرفي نقيض في هذا الجدل وهما الحائز على جائزة نوبل دانيال كانيمان، والباحث في جامعة بنسلفانيا ماثيو كيلينغسورث.

مستوى السعادة

ويعود أصل الخلاف إلى 2010، حين خلص كانيمان إلى أن مستوى السعادة يتوقف عن الارتفاع بعد بلوغ دخل سنوي يقارب 75 ألف دولار. وفي 2021، نشر كيلينغسورث دراسة مضادة أظهرت أن السعادة تستمر في الارتفاع مع زيادة الدخل دون سقف واضح. ومع إعادة تحليل البيانات بشكل مشترك، توصّل الباحثان إلى نتائج أكثر دقة.

وكشفت النتائج أن تأثير المال على السعادة ليس واحداً لدى الجميع. إذ بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، تستمر مستويات الرفاهية العاطفية في الارتفاع مع زيادة الدخل، بل وتتسارع لمن يتمتعون باستقرار نفسي عند الوصول لمستويات دخل مرتفعة جداً.

وأظهرت الدراسة أن 20 في المئة من الأفراد يعانون مما وصفه الباحثون بـ«تعاسة أساسية» ناجمة عن الاكتئاب أو الفقد أو ظروف صحية مزمنة، يساهم المال في تحسين المزاج حتى حدّ معين يقارب 100 ألف دولار سنوياً، ثم يفقد تأثيره بعد ذلك.

وشدد الباحثون على أن المال لا يمثل علاجاً نفسياً، بل أداة تسهيل. فكما أوضح كيلينغسورث، لا يستطيع الثراء تعويض المعاناة النفسية العميقة أو إصلاح فراغ داخلي غير معالج.