في خطوة وصفت بـ«الدراماتيكية» و«غير المسبوقة»، قرر الكابينيت السياسي - الأمني الإسرائيلي سلسلة إجراءات تعزز السيطرة المباشرة في الضفة الغربية، حسب ما نشرت صحيفة «إسرائيل اليوم».

وأوردت في تقرير أن هذه الإجراءات تشمل «نقل صلاحيات الرقابة والإنفاذ في مناطق (أ) و(ب) إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية»، وهي أول مرة تنتقل فيها مثل هذه الصلاحيات من أيدي السلطة الفلسطينية منذ اتفاقات أوسلو.

يأتي هذا القرار في سياق سياسي داخلي يتسم بصعود التيار الصهيوني المتطرف الذي يرفض حل الدولتين ويعمل على تكريس السيطرة الإسرائيلية على كل الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة.

البعد السياسي والأيديولوجي

يقود هذه الخطوة وزير المالية الوزير في وزارة الدفاع بتسلئيل سموتريتش وحزب «الصهيونية الدينية».

وكتبت المحللة والكاتبة عميرا هاس في صحيفة «هآرتس» أن «(قادة) حركة الاستيطان بشكل عام أثبتوا... أنهم القوة المحركة القوية، المصممة، والأكثر نجاحاً الآن في تحديد الواقع والمستقبل لليهود والفلسطينيين بين البحر والنهر».

هذا القرار، وفقاً لهاس، هو تحقيق تدريجي لـ«رؤية ضم 82 في المئة من الضفة الغربية» التي طرحها سموتريتش سابقاً، حتى لو لم يُعلن عنها رسمياً.

البعد القانوني والإداري

ينقل القرار صلاحيات مدنية حيوية في مجالي المياه والتراث (الآثار) من السلطة الفلسطينية إلى الحكم العسكري«الإدارة المدنية» الإسرائيلية.

وحسب «إسرائيل اليوم»، فإن الخلفية المعلنة لهذه الخطوة هي «مس منهاجي بمواقع أثرية... تثبت صلة الشعب اليهودي ببلاد إسرائيل».

أما في مدينة الخليل، فقد تقرر - حسب المصدر ذاته - أن«عموم صلاحيات التخطيط والبناء التي تقدمها اليوم بلدية الخليل ستحول إلى الحكم العسكري (الإدارة المدنية)»، مع «إقامة مديرية للحاضرة اليهودية في مجال قبر راحيل».

البعد المتعلق بمصادرة الأراضي

يشمل القرار إجراءات جذرية لتغيير نظام ملكية الأراضي. وأوضح تقرير «إسرائيل اليوم» أنه تم «إلغاء الحصانة على سجل الأراضي»، و«إلغاء الحظر على بيع الأراضي لمن ليسوا عرباً»، و«إلغاء مطلب إذن صفقة من الحكم العسكري»الإدارة المدنية«الإسرائيلية»، و«إعادة تشكيل لجنة الشراء».

وعلق المحامي ميخائيل سفارد، الخبير في القانون الدولي، لـ«هآرتس» قائلاً إن هذا الوضع هو «تعبير عن فرض السيادة في إطار الفصل العنصري (أبارتهايد)»، موضحاً أن «في منطقة واحدة يوجد مواطنون وغير مواطنين، ومصلحة المواطنين (اليهود) هي الاهتمام الوحيد الذي يوجه الحكومة».

وأضافت المحامية روني بيلي من منظمة «يوجد حكم» غير الحكومية في تحليلها لـ«هآرتس» أن «الآلية القليلة التي أبقى عليها الحكم العسكري لحماية الفلسطينيين من الاستيلاء القسري على أراضيهم» قد ألغيت، متوقعة «استيلاء محموماً من قبل الدولة العبرية والمستوطنين على الأراضي المملوكة ملكية خاصة للفلسطينيين».

الانعكاسات... تداعيات مباشرة ومستقبلية

هذا القرار يمثل ضربة مباشرة لبقايا سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني. وتقول هاس إن الاتفاقات الموقتة في أوسلو «حولها الطرف الإسرائيلي بشكل متعمد من موقتة إلى دائمة»، ما سمح لإسرائيل بالاحتفاظ «بالسلطة المطلقة» بينما تتحمل السلطة الفلسطينية «عبء الاحتلال ولكن من دون سلطة أو موارد».

وتطرح هاس سؤالاً مصيرياً «ما الذي ستفعله قيادة السلطة الفلسطينية التي راكمت الامتيازات... وانفصلت بالتدريج عن شعبها»؟ فالقرار يضعها أمام خيارين صعبين: الاستمرار في التنسيق الأمني مع طرف يسحب منها صلاحياتها، أو الانفكاك الكامل مع تبعاته الخطيرة.

وتحذر هاس من أن القرار «يشير إلى احتمالية ازدياد الاقتحامات العسكرية للمدن الفلسطينية في المستقبل القريب»، ولن يكون الدافع أمنياً فقط بل «مدنياً» لفرض القوانين الإسرائيلية، ما «قد يؤدي إلى سقوط عدد غير معروف من القتلى والجرحى».

وتصف المحامية روني بيلي الوضع في الخليل بأنه «كارثة»، حيث إن نقل صلاحيات البناء في منطقة الحرم الإبراهيمي الحساسة «يمكن أن يشعل فتيل صراع ديني».

ويؤكد تقرير «هآرتس» أن القرار يأتي في سياق «نجاح المستوطنين في تدمير عشرات التجمعات الفلسطينية وتهجير سكانها قسراً»، وأن المستقبل «يبشر بتسارع وتيرة تجريد الفلسطينيين من أراضيهم الخاصة».

مجمل هذه الخطوات، بحسب التحليل الإسرائيلي نفسه، تُفقد حل الدولتين أي معنى عملي. وتستذكر هاس أن «المماطلة في إدارة المفاوضات... هي التي أعطت الزخم لحركة الاستيطان»، والآن «تحول هذه الحركة الانتهاكات إلى قرارات».

القرار الحالي هو إلغاء أحادي الجانب للروح والمضمون الموقت لاتفاقات أوسلو، التي كان المفترض أن تؤدي إلى دولة فلسطينية. بدلاً من ذلك، تُكرس السيطرة الإسرائيلية المدنية والعسكرية على الأرض الفلسطينية، ما يحول المناطق (أ) و(ب) إلى كانتونات معزولة تحت سيطرة خارجية، ويجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة مستحيلاً.

السيناريوهات المستقبلية

القرار الإسرائيلي المذكور ليس إجراءً تقنياً عابراً، بل هو محطة جوهرية في مسار طويل لاستبدال نموذج حل الدولتين بنموذج الحكم الواحد تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. كما يشير التحليل الإسرائيلي، فإن هذا المسار ليس وليد اليوم، لكن الحكومة الحالية تمنحه شرعية وتسرع وتيرته.

استمرار وتيرة التفكيك

استمرار إضعاف السلطة الفلسطينية وسحب المزيد من الصلاحيات، مع تصعيد الاستيطان ومصادرة الأراضي، وسط صراع متجدد وعنف متصاعد.

أزمة السلطة:

انهيار أو تحول جذري في دور السلطة الفلسطينية، إما نحو الانفكاك الكامل والمواجهة، وإما نحو التماهي الكامل مع دور وكيل للإدارة الإسرائيلية، مع ما يحمله كل خيار من مخاطر.

ترسخ واقع الدولة الواحدة

من الناحية العملية على الأرض، فإن الاستمرار في هذا المسار يعني ترسيخ واقع دولة واحدة بين النهر والبحر، يكون فيها الفلسطينيون تحت حكم عسكري وإداري منفصل، ومن دون حقوق سياسية، وهو الواقع الذي يصفه قانونيون إسرائيليون ونشطاء حقوقيون بأنه نظام فصل عنصري (أبارتهايد).