قبل سنوات أجريت لقاءً صحافياً مع الشاعر والإعلامي القدير بدر بورسلي، وبكل حُسن نية بدأت أحد محاوري بسؤال تقليدي: «بما أنك إعلامي...»، قاطعني فوراً وبنبرة هادئة، لكنها حاسمة، قائلاً: «أنا مو إعلامي!». توقفت لحظة وكأنني سمعت خطأً، فقلت له مستغرباً: «يا بوناصر أنت مخرج وحاصل على شهادتك من إحدى الجامعات الأميركية، وأخرجت كليبات وبرامج، وقدّمت عشرات البرامج الإذاعية والتلفزيونية في قنوات عربية معروفة، إضافة إلى برامجك في تلفزيون الكويت، إذا إنت مو إعلامي... منو الإعلامي برأيك؟». ابتسم وقال ببساطة أربكتني: «محمد السنعوسي مثلاً... ورضا الفيلي». استغربت الإجابة، ليس لأنها تقلّل من شأنه، بل لأنها صادرة من رجل قضى عمره بين أروقة الإعلام، ويعرف جيداً حجم الفارق بين اللقب والممارسة، وبين الاستسهال والاستحقاق.

اليوم، للأسف، تغيّر المشهد وأصبح لقب «إعلامي» متاحاً أكثر من أكياس البلاستيك في البقالات، يكفي أن تكون مراسلاً في صحيفة إلكترونية، أو تظهر مرة في منصة رقمية، أو تمسك مايكروفوناً بالصدفة، أو تقدّم «بودكاست»، لتستيقظ صباحاً وقد صرت إعلامياً رسمياً، مع السيرة الذاتية واللقب و«البزنس كارد».

وهناك أيضاً من وُلد إعلامياً في لحظة، لأن صاحب الموقع احتاج شخصاً جريئاً، والجرأة كما يبدو أصبحت بديلاً عن الثقافة والظهور حلّ محل الوعي والصوت العالي أخذ مكان الفكرة. وهنا السؤال الذي يجب أن نتوقف عنده... أين الجهات المختصة من كل هذا السوق المفتوح؟

والأطرف أو المقزز، إن صح التعبير، فئة مَنْ يضع في تعريفه على السوشيال ميديا «إعلامي» أو «إعلامية»، لا لشيء سوى أن ظهوره متكرر، وحديثه يشمل كل شيء من السياسة للاقتصاد، ومن الطقس للدراما، ومن شؤون الأمة إلى أسعار «الخضرة»، وتجده يكتب «أنا مَنْ يلامس قضاياكم»، وكأن القضايا تطلب منه المصافحة يومياً، أو تمر عليه في الاستديو قبل النوم، وهو لا تخصّص ولا معرفة ولا عمق، فقط رأي جاهز لكل مناسبة، وانفعال يصلح لكل قضية، وبث مباشر لأي حدث حتى لو لم يفهمه.

من حق أي جهة أن تعمل، لكن ليس من حق أحد أن يعبث بالمسميات. المراسل ليس إعلامياً بالضرورة، والمقدم ليس إعلامياً تلقائياً، والإعلامي ليس مَنْ اشترى اللقب من سوق الجمعة... لا حسيب ولا رقيب، المهنة لها تدرّج ولها تدريب. وعندما نتحدث عن الإعلامي الحقيقي، فنحن نتحدث عن أسماء شكّلت وعي مجتمعات أمثال أحمد الشقيري الذي أراه مشروعاً ثقافياً متكاملاً، وحمدي قنديل الإعلامي الذي حمل الموقف قبل الظهور، وأوبرا وينفري التي صنعت مدرسة تأثير ليس لها مثيل... وأسماء أخرى مهمة، أسماء تشرح الفارق بين الإعلام كمهنة، والإعلام كـ«ستايل» ووجاهة.

أنا، وبعد ثلاثة عقود من العمل في الصحافة والإعلام وإعداد البرامج، أرفض أن أُسمّي نفسي إعلامياً، ليس تواضعاً، بل احتراماً للمسمى، أجد نفسي كاتباً صحافياً، وأرى أن التعدي على المسميات أخطر من التعدي على المناصب، لأن العبث هنا يُفرّغ المهنة من هيبتها.

لذلك، يجب على الجميع أن يعرف أن الإعلام ليس سوقاً، والألقاب ليست عروض نهاية الأسبوع، والمهنة تُقاس بعمق الأثر، وإلى أن يُغلق هذا السوق سيبقى السؤال معلّقاً: مَنْ الإعلامي فعلاً؟ ومَنْ مجرد زبون؟!

نهاية المطاف: حين يصبح اللقب أسهل من الفكرة... نعرف أن المهنة في خطر.