إطلاق الطبعة الثانية من الموسوعة في «المركز الأمريكاني»

«الكويت في 400 عام»... ذاكرة وطن تُجدِّد سردها

تصغير
تكبير

- انتصار الصباح: 17 فصلاً توثق مسيرة الحكام وتحولات الدولة
- يوسف الغنيم: المنهج العلمي والمراجعات الدقيقة يمنحان العمل مصداقيته

لم يكن حفل إطلاق الطبعة الثانية من موسوعة «الكويت في 400 عام»، مساء أمس الثلاثاء، مجرد مناسبة ثقافية عابرة، بل لحظة استعادة واعية للذاكرة الوطنية، ووقفة تأمل أمام أربعة قرون من التحولات، صاغتها الأيادي الكويتية بالحكمة والتجربة والصبر.

ففي قلب «المركز الأمريكاني»، اجتمع التاريخ مع الحاضر، حين كُشف الستار عن إصدار توثيقي جديد، يفتح نوافذ أوسع على مسيرة وطن، ويعيد قراءة فصوله بمنهج علمي وروح وفاء، وإيمان عميق بأهمية حفظ الذاكرة للأجيال القادمة.

وبحضور رئيس مجلس إدارة جمعية «النوير» غير الربحية، مؤلفة وناشرة الموسوعة الشيخة انتصار سالم العلي الصباح، مع رئيس مركز البحوث والدراسات الكويتية الأستاذ الدكتور يوسف عبدالله الغنيم، إلى جانب حشد من الشيوخ والمؤرخين والباحثين والمهتمين بتاريخ الكويت، شهد «المركز الأمريكاني» إطلاق الطبعة الثانية من الموسوعة، التي جاءت منقحة ومزيدة، بعد أن أضيف إليها الكثير من الأحداث والفصول والمعلومات والمستندات الجديدة، في عمل توثيقي يؤكد أن التاريخ ليس أرشيفاً ساكناً، بل كياناً حيّاً يتجدد بالبحث والتدقيق.

«عرضة... وقصيدة للكويت»

انطلق الحفل، الذي تخللته ندوة نقاشية مع الحضور، من قلب الساحة الخارجية للمركز، حيث استُهلت بتقديم فن العرضة الكويتية من أعضاء فرقة «الجهراء للفنون الشعبية»، في لوحة تراثية جسّدت الاعتزاز بالهوية الوطنية، قبل أن ينتقل الحضور إلى داخل قاعة المركز لأداء السلام الوطني الكويتي.

وتواصلت بعدها فقرات الحفل بإلقاء الشاعر الدكتور حسان محمد الشناوي، القادم من جمهورية مصر العربية، قصيدة وجدانية في حب الكويت، مستحضراً تجربته الإنسانية والثقافية خلال إقامته فيها لمدة ربع قرن، في لحظة امتزج فيها الشعر بالوفاء، والانتماء بالتجربة.

«طبعة منقحة»

وفي كلمتها، قدّمت الشيخة انتصار الصباح، شرحاً موسّعاً حول هوية الطبعة الثانية، مؤكدة أن العمل عليها لم يكن امتداداً تقنياً للطبعة الأولى، بل إعادة قراءة شاملة للمحتوى، قائلة: «قمنا بتنقيح محتوى الطبعة الأولى التي أخذت منا في حينها أربع سنوات في التجميع، كوننا حتى اليوم لا نمتلك أرشيفاً وطنياً، فأضفنا المزيد إليها، كما أضفنا فصولاً جديدة بالكامل إلى الكتاب».

وأوضحت أن قصة الطبعة الثانية، التي استغرقت عامين من تجميع المعلومات وإعادة التصميم والطباعة، بدأت بعد وفاة المغفور له - بإذن الله- أمير الكويت الخامس عشر الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وتولي الحكم المغفور له - بإذن الله - أمير الكويت السادس عشر الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، حيث برزت فكرة إصدار الطبعة الثانية في عام 2022. وأضافت: «ومع وفاة الشيخ نواف وتولي حضرة صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، سدة الحكم، أجلنا إطلاق الكتاب لإضافة فصل جديد».

«17 فصلاً رئيسياً»

وأشارت الشيخة انتصار، إلى أن الموسوعة تتألف من 17 فصلاً رئيسياً، يختص كل فصل منها بحاكم من حكام دولة الكويت، وفق الترتيب الزمني، موضحة أن الفصل الأول يتناول أبرز أحداث عهد حاكم الكويت الأول ومؤسسها الشيخ صباح بن جابر (1718 - 1762)، يليه الفصل الثاني الذي يوثق عهد الشيخ عبدالله بن صباح بن جابر (1762 - 1813)، مروراً بجميع حكام دولة الكويت، وصولاً إلى الفصل السابع عشر الذي يرصد أبرز أحداث عامي 2023 و2024 في عهد حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح.

وتابعت: «كل فصل من فصول الكتاب السبعة عشر يُسلط الضوء على جميع جوانب الحياة التاريخية والاجتماعية، والتعليمية والثقافية والفنية والرياضية والسياسية والمالية والإنسانية، مروراً بنهضة الكويت منذ ما قبل الاستقلال، وقبل اكتشاف النفط، ودورها الإقليمي والعالمي منذ نشأة الدولة، وصولاً إلى الدولة العصرية الحديثة وأبرز إنجازاتها في مختلف المحافل».

«مراجعات دقيقة»

وفي سياق حديثها، شددت الشيخة انتصار على أن مركز البحوث والدراسات الكويتية قام بإجراء مراجعات دقيقة للمحتوى التاريخي للموسوعة، لضمان صحة وسلامة المعلومات الواردة بين دفتي الكتاب، مشيرة إلى أن جميع الموضوعات الواردة ترتكز على وجود مستند، أو صورة، أو خريطة تاريخية تؤكد صحة الخبر وتدعمه.

«هويتي وتراثي وذكرياتي»

وقدّمت الشيخة انتصار شهادة وجدانية مؤثرة عن علاقتها بالكويت، وثقتها في مقدمة الكتاب، قائلة: «الكويت ليست وطني فحسب، بل هي هويتي، وتراثي ولغتي وذكرياتي. هي رائحة الزعفران والهيل المتصاعدة من مطبخ أمي، هي حبات التمر التي لا تفترق عن قهوتنا الشقراء، هي الابتسامات الصادقة والوجوه الطيبة في سوق المباركية، هي تصاميم السدو التقليدية التي تزين بيوتنا، هي المسرحيات المبدعة التي تضيف نكهة خاصة على احتفالاتنا، هي الأغاني الوطنية وضحكات الأطفال التي تزين شوارعنا في العيد الوطني، هي الألم الذي اعتصر قلبي عندما اختبرت مرارة غزو الوطن».

وأضافت: «كويتنا الحبيبة، هذه البقعة الصغيرة جغرافياً، العملاقة في تأثيرها الإنساني والاجتماعي والثقافي، تستحق أن يُوثق أكبر قدر ممكن من تاريخها. لقد أردتُ من خلال هذا الكتاب الفريد، الذي تطلب أعواماً من البحث والجمع والتدقيق، توثيق 400 عام من تاريخ أمتنا، لتقديم رؤية أعمق للأحداث التي رسمت حاضرنا، وإلهام الأجيال القادمة لتستمد الحكمة من معين ماضينا».

«تاريخنا المُلهِم»

واستطردت بالقول: «هذا الكتاب في إصداره الثاني هو تحية تقدير لمثابرة أمتنا وإبداع شعبنا، فهو يوثق مسيرة تطور وطننا الممزوجة بالدموع والضحكات، بالتضحيات والإنجازات، بالتحديات والانتصارات».

«رحلة شيّقة»

من جانبه، قال رئيس مركز البحوث والدراسات الكويتية الأستاذ الدكتور عبدالله يوسف الغنيم، إن هذا الكتاب يُعد «رحلة شيّقة في تاريخ وطننا الحبيب الكويت»، إذ يستعرض عطاء حكامه وشعبه وفق تسلسل زمني محكم، موثق بالخرائط والمصورات والمخطوطات والنصوص.

وأضاف: «إطلالة سريعة على مصادر الكتاب ومراجعه تعطي فكرة واضحة عن مدى الجهود المبذولة للوصول إلى المعلومة الموثقة المأمولة، واقتناص النافع منها وتقديمه في سياقه التاريخي المفيد».

وأكد أن الموسوعة جاءت فريدة في منهجها، شمولية في مادتها، غنية في مصادرها، وستشكل إضافة قيّمة وثريّة للمكتبة الثقافية الكويتية.

«فكرة منهجية»

وأردف الغنيم، قائلاً: «الأخت الكريمة الشيخة انتصار، تستحق الشكر والتقدير على هذه الفكرة المنهجية المميزة، وعلى جهدها الكبير في متابعة إخراج هذا الكتاب بصورة وافية وجميلة وجاذبة تعكس مضمونه ومحتواه التاريخي المهم، وسوف يساعد هذا العمل في التعريف بدولة الكويت وتوثيق معالمها وأعلامها والأحداث التاريخية المهمة التي مرت بها».

وختم بالقول: «قام المركز بإجراء المراجعات للأحداث التاريخية الواردة في الكتاب، ما يعطي مصداقية أعلى للمعلومات والمستندات الواردة فيه».

«فصل الخاتمة»

أشارت الشيخة انتصار الصباح، إلى أن من أبرز الإضافات النوعية في الطبعة الثانية، فصل الخاتمة، المعنون بـ«الكويت في سطور»، والذي يتناول معلومات محورية عن دولة الكويت، من بينها موقعها الجغرافي، وتقسيم محافظاتها التاريخي والمعاصر، والمناخ ومصطلحاته القديمة والحديثة، والكثافة السكانية منذ نشأة الدولة، إضافة إلى النباتات الفطرية.

وأكدت أن هذه الموسوعة تُعد الكتاب الوحيد الذي يجمع كل هذه المعلومات المهمة في مكان واحد، وباللغتين العربية والإنكليزية.

864 يوماً... و5720 ساعة عمل

كشفت مدير عام المشروعات التربوية بمكتب الشيخة انتصار الصباح، والمؤلف المساعد لموسوعة «الكويت في 400 عام» رقية علي حسين، تفاصيل السرد الزمني لولادة الطبعة الثانية، موضحة أن العمل بدأ في العام 2022، عبر البحث في المخطوطات والكتب والمراجع والأرشيف، بحثاً عن المستندات النادرة والأخبار الموثقة.

وأشارت إلى أن إعداد محتوى الكتاب استغرق 864 يوماً، تشمل 720 يوم عمل و144 يوم سبت، بإجمالي 5720 ساعة عمل، إضافة إلى 26 شهراً لعمليات التصميم والمراجعة، حيث كان الكتاب في مراحله الأولى يقارب 600 صفحة، قبل أن يستقر في شكله النهائي عند 450 صفحة، لتبدأ بعدها مراحل الطباعة ومراجعتها وصولاً إلى حفل الإطلاق.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي