لم يكن مفاجئاً أن يَعرض الجيش اللبناني، قبل تَوَجُّه قائده العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، خطةَ المؤسسة العسكرية لاستكمال حصر السلاح بيد الدولة شمال الليطاني بعدما أٌعلن إنجاز المهمة جنوب النهر حيث باتت «السيطرة العملانية» للشرعية اللبنانية.

ومع الإعلان الأربعاء، أن مجلسَ الوزراء سيبحث في جلسةٍ له الجمعة، الخطةَ التي أعدّها الجيشُ «للانتشار والعمل شمال نهر الليطاني»، فإنّ هذا التطور الذي سيكرّس التزام الحكومة بالمضي في ملف حصر السلاح - وهو الاسم الحَرَكي لتفكيك الترسانة العسكرية لـ «حزب الله» - يَعني أن بيروت ستكون أمام مرحلة اختباراتٍ متسلسلة في الداخل وتجاه الخارج، في الوقت الذي تمرّ المنطقة بمنعطف هو الأخطر في ضوء وقوفها على حافة حربٍ كبرى تهدّد واشنطن وتل أبيب بشنّها على طهران ولم يتأخّر الحزب في ربْط «بلاد الأرز» بصواعقها عبر تأكيد أمينه العام الشيخ نعيم قاسم «أننا معنيون بأي عدوان على إيران ومستهدَفون به ومصممون على الدفاع، وسنختار في وقتها كيف نتصرّف تدخلاً أو عدم تدخل، ولكننا لسنا على الحياد».

ولم يكن ممكناً فصل توقيت عرض الخطة في الجلسة التي سيترأسها رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، عن موعد زيارة قائد الجيش اللبناني لواشنطن بين 3 و 5 فبراير، وخصوصاً أن الحكومة كانت منحت المؤسسة العسكرية حتى الشهر الطالع لإعداد تصورها للمرحلة الثانية من حصر السلاح وتحديداً بين نهريْ الليطاني والأولي، وسط تسريباتٍ كانت سرتْ عن أن المؤسسة العسكرية ستكشف مضامينه بعد عودة هيكل من العاصمة الأميركية، هو الذي اعتاد تقديم التقارير الدورية عن مآلات ملف حصر السلاح بين 4 و5 من كل شهر.

ولكن مصادر مطلعة اعتبرتْ أن عرض الخطة الجمعة، والذي يترافق مع رصْد لكيفية إقرارها من الحكومة، هل بصيغة «أخْذ العلم» أو «التبني» ولِما إذا كانت ستتطلّب مزيداً من الإيضاحاتِ في ضوء المناقشات، يعبّر في ذاته عن رغبة من لبنان الرسمي والجيش في توفير كل ظروف نجاح زيارة العماد هيكل لواشنطن، بعدما كانت محطته المقرَّرة فيها (في نوفمبر) ألغيت في ربع الساعة الأخير بفعل ملاحظات على ما اعتُبر تباطؤاً من المؤسسة العسكرية في سحب سلاح «حزب الله»، وفي ظل اعتقادٍ أن استكمال «ربط حلقات» ملف تفكيك الترسانة العسكرية للحزب وخصوصاً شمال الليطاني ومع تحديد جدول زمني واضح بات بمثابة «جواز المرور» ليس فقط للمؤسسة العسكرية بل للبلاد برمّتها إلى المجتمع الدولي ولأي مساعداتٍ للجيش او إعادة الإعمار.

«التوقيت اللبناني»

ورأت المصادر أن إطلاقَ مرحلة شمال الليطاني على «التوقيت اللبناني»، يشكّل في جانب منه رداً رسمياً على المُكابرةِ التي عبّرت عنها مواقف قاسم وضبْطه واقعياً ملف ما بقي من سلاحه وخصوصاً الإستراتيجي منه (الصواريخ بعيدة المدى والمسيّرات) على «ساعة» الضربة المحتملة لإيران، وهو التطور الذي أثار غضبة سياسية عارمة في بيروت وارتدّ في شكل سلبي غير مسبوق على الحزب الذي بدا معزولاً وكأنه «حشر نفسه في زاوية»، بعدما «أَفْرَط» في تحدّي الدولة التي تصرّ على استكمال حصر السلاح وتسعى لإبعاد شبح الحرب الإسرائيلية عن لبنان وظهر كمَن يَزجّه في «فم التنين» ويفرّط بورقةٍ تحاول بيروت تسليفها للرئيس دونالد ترامب لتهدئة «الرؤوس الحامية» في تل أبيب مُخاطِراً بافقاد «بلاد الأرز» آخِر «بوليصة تأمين» عبر التلويح برمْيها في «المحرقة الإقليمية» المحتملة.

ووفق المصادر نفسها، فإنّ الخطة التي سيعرضها الجيش اللبناني باتت أيضاً من مرتكزات تحديد مستوى نجاح مؤتمر دعم القوى المسلحة اللبنانية المقرر عقده في باريس في 5 مارس المقبل، على أن تشكل الأسابيعُ الفاصلة عنه اختباراً لمدى قدرة المؤسسة العسكرية على المضيّ في سحب السلاح بين النهرين في ضوء الـ لا القاطعة من الحزب «ولو لم يَبْقَ حجر على حجر»، وهل ستكون في وارد الصِدام مع الحزب أم أن معادلة «التنفيذ باليد» التي تعتمدها إسرائيل ستسود على النمط الذي ترسيه تباعاً بتصعيدها المتدحرج في الفترة الأخيرة والمرشّح للتوسع نوعياً وربما جغرافياً، هذا ما لم تكن الحرب في المنطقة انفجرتْ وانكشف لبنان عليها من الباب العريض.

وفي المعلومات التي وُزّعت عن جلسة الجمعة، أن من المقرّر أن يقدّم قائد الجيش خلالها «عرضاً مفصّلاً أمام الوزراء، يتناول الإطار العملياتي للخطة، ومراحل تنفيذها، والمهام الموكلة للوحدات العسكرية، إضافة إلى المتطلبات اللوجستية والأمنية المرتبطة بها، في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة في الجنوب، والالتزامات المترتبة على الدولة اللبنانية».

وتأتي الجلسة «في سياق متابعة الحكومة للملف الأمني الجنوبي، وفي ظل تشديد متواصل من الجانب الدولي على ضرورة تعزيز حضور الجيش في المناطق الواقعة شمال الليطاني، بما يضمن تثبيت الاستقرار ومنع أي تدهور أمني، انسجاماً مع القرارات الدولية ذات الصلة».

«غير المسؤول»

ولم تحجب هذه الجلسة الأنظارَ عن استمرار التفاعلات البالغة السلبية لمواقف الشيخ قاسم التي لم تستمرّ فقط في التردّد تحت قبة البرلمان في اليوم الثاني من مناقشة مشروع موازنة 2026 وإعلاء غالبية النواب معادلة «لا استثمار في كنف السلاح خارج الدولة»، بل بلغت حدّ وصْف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط خطاب الأمين العام لحزب الله و«بالثلاثة» بـ «غير المسؤول، غير المسؤول، غير المسؤول»، محذّراً من تداعياته الخطيرة على لبنان في ظل الظروف الإقليمية المتوترة.

وقال جنبلاط لصحيفة «لوريان لوجور»: «لا أعرف لماذا يريد جرّ جزء من الشيعة ولبنان إلى الحرب»، معتبراً أنّ الخطاب الصادر عن قاسم «يستفزّ الإسرائيليين»، ويشكّل تصعيداً غير محسوب في لحظة دقيقة تمرّ بها البلاد، مضيفاً: «هذا الموقف ينسف الخطة التي وضعتها الحكومة لعمل الجيش في جنوب لبنان والتي كانت قد حققت تقدّماً ملحوظاً على الأرض، في إطار مساعٍ رسمية لضبط الوضع الأمني ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع».

لقاء الدوحة

في هذا الوقت، توقفت مصادر متابعة عند استقبال رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، الأربعاء، المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان، وذلك بعد يومين من زيارة وزير الدولة في الخارجية القطرية محمد بن عبدالعزيز الخليفي لبيروت وإطلاقه مسار دعْمٍ مادي للبنان عَكَسَ استعداد الخارج لرفد بلاد الأرز بكل عناصر النهوض فور اكتمال عناصر استعادة الدولة حصرية السلاح بيدها وتثبيت الاستقرار بإطارٍ يُنهي الحربَ لمرة واحدة وأخيرة.

وبحسب ما أعلنت الخارجية القطرية، جرى خلال لقاء رئيس الوزراء ولودريان «عرض علاقات التعاون وسبل دعمها وتعزيزها، ومناقشة آخر التطورات في لبنان، بالإضافة إلى عدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك».

وأكد محمد بن عبدالرحمن «أن استقرار لبنان يعد ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة»، مشدداً على ضرورة التزام الأطراف بتطبيق قرار مجلس الأمن (1701)، واحترام سيادة الجمهورية اللبنانية الكاملة على أراضيها.

وإذ جدد إدانة دولة قطر للاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، مؤكداً «ضرورة تحمل مجلس الأمن مسؤولياته لوقف هذه الانتهاكات والحفاظ على استقرار لبنان»، نوه «بالدور المحوري للمجموعة الخماسية في مساندة لبنان»، مشيراً في هذا السياق إلى استمرار دولة قطر في العمل المشترك والوثيق مع شركائها لضمان تنسيق الجهود الداعمة لحفظ سيادة لبنان ووحدة أراضيه، ودعم مسارات التعافي والتنمية.

بيروت ولندن

وفي سياق متصل، تلقى وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي اتصالاً من وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هاميش فالكونير، بحثا خلاله آخر التطورات الإقليمية والأوضاع الأمنية في جنوب لبنان.

وأعرب الوزير البريطاني عن ترحيب بلاده بالتقدم الذي يحرزه الجيش اللبناني في حصر السلاح بالمناطق الجنوبية، مؤكداً«استمرار المملكة المتحدة في دعم الجهود كافة الهادفة إلى تعزيز الأمن والاستقرار في لبنان والمنطقة».

من جانبه، توجّه الوزير رجي بالشكر لبريطانيا على دعمها المتواصل للبنان، مشدداً على«ضرورة استمرار مساندة الجيش اللبناني لتمكينه من تنفيذ قرار الحكومة بحصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية».

مناقشة مشروع الموازنة

في موازاة ذلك، كانت جلسة مناقشة مشروع الموازنة تشهد المزيد من المواقف ذات الصلة بـ«أصل المشكلة»السياسي - السيادي، وفق ما عبّر عنه رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» سامي الجميل الذي سأل «لماذا ليست هناك استثمارات؟ لأننا بحالة حرب ولا أحد يضع ليرة في بلد فيه ميليشيات مسلحة وحالة حرب. نضع موازنة عادية في وقت أننا بحالة حرب، كيف نُكبّر حجم الاقتصاد إذا استمررنا في حالة الحرب مع ميليشيات موجودة».

وأضاف «لا أحد يستثمر في بلد قد يدخل الحرب غداً، واذا لم نضبط السيادة ونعطي رسالة ان البلد بات سيّدا مستقلا وأن الدولة بحالة استقرار سياسي فلن نجذب الاستثمارات ونُكبّر حجم الاقتصاد».

وتابع الجميل«كفى رهانات على محاور ونحن ضمانة بعضنا. نشعر أن هناك من يتحكّم بالمصير ومغلوب على أمرنا ويجب أن نفك ارتباطنا بالخارج لأن الوضع يؤذي الجميع».