ساهمت زيادة أسعار المعدن الأصفر وتسجيله مستويات سعرية مرتفعة إلى تعزيز سلوك الادخار والاستثمار لدى شريحة واسعة من الأفراد أملاً في الجمع بين مخزون القيمة والعائد المتصاعد، إضافة إلى «كشخة» مشغولات المعدن الأصفر التي زاد بريقها أخيراً لاسيما في أعين النساء.

قراءة مشهد نشاط أسعار الذهب محلياً، بنظر محللي السوق لم يعد قاصراً على مجرد توقع استمرار صعود الذهب أم توقف فورته، حيث يرون أن النشاط مستمر في التصاعد بسبب حركة المعدن الأصفر عالمياً، وأن تأثير الارتفاع المتنامي منذ بداية 2025 بات مزدوجاً في الكويت.

فمع غلبة كفة التحوّط في السوق المحلي لدى البعض، يلفت المختصون إلى تزايد إقبال الأفراد استثمارياً على شراء الذهب وتخزينه بأنواعه المختلفة سبائك ومشغولات للدرجة تفوق معها على أسواق الأسهم، مدفوعين بعدم اليقين المستمر في السياسة العالمية، مشيرين إلى أن هذه الحالة أدت إلى نشر عدوى زيادة التمسك بالادخار والاستثمار بالذهب محلياً، ما أدى إلى رفع وتيرة الإقبال على المعادن الثمينة.

صعود تاريخي

وصعد سعر الذهب أمس إلى مستوى قياسي جديد متجاوزاً 5100 دولار للأونصة، مواصلاً بذلك صعوداً تاريخياً مع إقبال المستثمرين على هذا الأصل كملاذ آمن وسط تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي؛ وهو صعود تاريخي يبني على 2025 الذي حطم الأرقام القياسية، عندما ارتفعت الأسعار 65 في المئة، لتشكل أكبر زيادة سنوية منذ 1979.

ومقابل استمرار الصعود المتتالي لسعر الذهب، بقفزات ملموسة تولدت حالة خوف من ضياع الفرصة لدى المستثمرين الأفراد، ما دفع غير المنضمين إلى السباق منذ بدايته إلى ضخ بعض من أمواله في هذه السوق، ومن ثم يتزايد أعضاء دائرة المستثمرين بهذا القطاع يوماً تلو الآخر.

توجه شرائي

من ناحيته قال محلل السوق ناصر العطار لـ «الراي» إن الارتفاع السعري للذهب لم يهدئ التوجه الشرائي نحو سوق المشغولات الذهبية بل زاد محفزات انضمام مستثمرين جدد من الأفراد، موضحا أن الرقابة الحكومية التي تمارسها الجهات المختصة أسهمت في الحفاظ على انسيابية العملية الشرائية واستقرار السوق، رغم الارتفاعات المتتالية.

ولفت العطار إلى «وجود إقبال واضح من شرائح مختلفة من المجتمع على شراء الذهب وأن ذلك يشمل المستثمرين ذوي الملاءة والمتوسطة، وحتى المنخفضة دخلت على خط الاستثمار بالذهب حسب إمكاناتها، مبينة أن هذه الحالة الجماعية محلياً تأتي مدفوعة بقوة الطلب العالمي على الذهب كأداة تحو واستثمار».

واكد أن طلب مشغولات الذهب لم يتأثر سلبا بارتفاع الأسعار، حيث يُلاحظ الفترة الأخيرة أن البعض جمع بين التحوط بالذهب واقتنائه للزينة.

انخفاضات حادة

وعن توقعات مسار سوق الذهب 2026، يرى العطار أن الانخفاضات الحادة في أسعار الذهب ستكون نادرة العام الجاري، مشدداً على أن أي حركة تصحيحية سلبية ينبغي التعامل معها كـفرصة للشراء وليس كمؤشر على انعكاس الاتجاه العام، داعيا إلى ضرورة التفرقة بين التحاليل الخاصة بسوق الذهب القائمة على السوق الإلكتروني والحقيقي.

وأشار إلى أن السوق سيرى خلال شهرين وصول أسعار الذهب لمستوى 5212 دولار وأن العودة لمستوى أقل من 4900 غير متوقع.

في السياق نفسه قال الخبير الاقتصادي محمد العريان إن أسعار الذهب تجاوزت رسمياً مستوى 5000 دولار للأونصة أمس الاثنين مؤكداً أن هذا المستوى كان يتوقع الوصول إليه نهاية 2025، إلا أن السوق سبقه بفارق زمني طفيف.

وأضاف العريان، عبر حسابه على منصة و«إكس»، أن المحطة التالية للذهب قد تكون عند مستوى 6000 دولار خلال 2026، محذراً في الوقت نفسه من أن الصعود القادم سيكون أكثر حدة وتقلباً، في ظل العوامل الاقتصادية والمالية التي أشار إليها في تحليلاته السابقة.

سلوك المستهلك

من جهته، أكد المتداول في الذهب علمدار الموسوي لـ«الراي» أن استمرار ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة تراجع السوق، بل يعكس مرحلة نضج في سلوك المستهلك والمستثمر، حيث لم يعد الذهب يُقاس بسعره الآني فقط، وإنما بقيمته كأداة ادخار وحفظ للثروة على المدى المتوسط والطويل.

وأوضح الموسوي أن الطلب الاستثماري بات المحرك الأبرز للسوق، مدفوعا بعوامل عالمية تشمل التوترات الجيوسياسية، وسياسات الفائدة، وتقلبات الأسواق المالية، ما عزّز توجه الأفراد والمؤسسات نحو الذهب والفضة كأدوات تحوّط.

وأضاف علمدار أن الإقبال على المشغولات الذهبية لا يزال قائما، لا سيما في المناسبات الاجتماعية، ولم يفقد زخمه رغم ارتفاع الأسعار، مشيراً إلى أن التراجعات السعرية المحدودة تمثل فرصاً مناسبة لإعادة بناء المراكز الاستثمارية، فيما دعا إلى التدرج في الشراء وعدم التعويل على سيناريوهات هبوط حاد، متوقعا بقاء الذهب والفضة ضمن سلة الادخار الأساسية المرحلة المقبلة.

وذكر أن معطيات السوق تبين استمرار ارتفاع أسعار الذهب وأنها لم تؤد إلى ركود في السوق المحلي، بل ساهم في إعادة توجيه السلوك الشرائي من الاستهلاك السريع إلى الادخار والاستثمار والتحوط.

ضبابية ترامب المحرك الرئيس لزخم الاستثمار المدفوع بالخوف

مع لجوء بنوك ‍مركزية ومستثمرين إلى أصول الملاذ الآمن واصلت أسعار الذهب ارتفاعاتها ​القياسية حيث ارتفع الذهب في المعاملات الفورية أمس 2.2 في المئة إلى 5093.96 دولار للأونصة، وارتفعت الأسعار بالفعل 18في المئة تقريبا منذ بداية العام الجاري.

وقال رئيس قسم إستراتيجيات السلع في ساكسو بنك أولي هانسن لرويترز، إن حالة الضبابية التي يحدثها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مستويات عدة مازالت المحرك الرئيس لارتفاع الأسعار وزخم الاستثمار المدفوع بالخوف من فوات الفرصة.

وقال المتعامل في المعادن النفيسة لدى هيريوس ميتالز في ألمانيا ألكسندر زومبفه، إنه لا يستبعد مزيداً من الصعود في سيناريوهات الضغوط، لاسيما إذا تراجعت الثقة في العملات أو الأصول المالية بقدر أكبر، مضيفاً أن مثل هذه التحركات ربما تترافق مع تصحيحات حادة على فترات.