يتزامن مع مرحلة التصحيح التي يشهدها القطاع السكني في مناطق عدة الفترة الأخيرة، وعكست تراجعاً في الأسعار يتراوح بين 25 و36 في المئة حسب تقديرات بعض المتخصصين، وجود زيادة في التداولات والسيولة المتدفقة إلى مناطق أخرى، ما يفيد أن التصحيح السعري الحاصل انتقائي ومتفاوت جغرافياً من منطقة لأخرى، ما يطرح السؤال حول أسباب ذلك ومحركات أسعار العقار الخاص محلياً؟
وحسب البيانات الرسمية، انخفض معدل قيمة الصفقة الواحدة بالسكن الخاص في 2025 ليصل نحو 414 ألف دينار، من مستوى 437 ألفاً مسجل في 2024.
عملياً لا يعد تباين حركة أسعار العقار الخاص بين المناطق وليد متغيرات طرأت أخيراً، بل يشكل امتداداً لظاهرة تاريخية عكست خريطة غير متكافئة لمسار الأسعار بين المناطق الداخلية والمحيطة، ولذلك لا توجد مسطرة واحدة يمكن من خلالها البناء عليها في تحديد اتجاه سوق السكن الخاص، فما يمكن تسجيله من تراجع في بعض المناطق يقابله ارتفاع في أخرى.
ومن باب الاستدلال يمكن تتبع هذه الظاهرة، ويمكن الإشارة إلى حركة أسعار السكن الخاص في مناطق مثل ضاحية عبدالله السالم والشويخ والنزهة، والتي سجلت الفترة الأخيرة صفقات وُصفت بأنها فلكية حسب تصريحات متخصصين في القطاع، مقابل حالة ثبات أو تراجع في مناطق مثل القادسية، العديلية، المنصورية، الفيحاء وقرطبة، فيما تعرضت مناطق واقعة بعد الدائري السادس لأكبر موجة تراجع سعري، تراوحت بين 30 و35 في المئة حسب تصريحات متخصصين لـ«الراي»، لتكون الأكثر تأثراً، بعد أن شهدت في فترات سابقة ارتفاعات حادة.
ولعل السبب الرئيس في هذا التباين، أن هناك مناطق تتمتع تاريخياً بأسعار مرتفعة مدفوعة بالطلب العال غير المنقطع، لاسيما ذات الموقع الإستراتيجي القريب من العاصمة والمعروف عنها ندرة معروضها مقابل قوة الطلب المسجل فيها سواء من الداخل أو الخارج، ما يعطيها قدرة خاصة على امتصاص الصدمات السعرية التي يتعرض له السوق عموماً بين الفينة والأخرى.
ومن مظاهر هذ التباين، أنه في الوقت الذي تعلن فيه صفقات عقارية في بعض المناطق بأسعار منخفضة جداً، وتشير إلى تراجع ملموس قياساً بمعدلاتها الفترة السابقة، تبرز في مناطق أخرى صفقات بأسعار قياسية لم يشهدها القطاع السكني.
وفي هذا الخصوص أكد عقاريان لـ«الراي» أن سوق العقار السكني يشهد مرحلة إعادة هيكلة، يعيد معها تحديد الأسعار بما يتوافق مع الموقع، وحجم الطلب الحقيقي، ومعدل المعروض، منوهين إلى أن تأثير الأسباب المؤدية إلى انخفاض الأسعار ومنها قانون المطور العقاري والتمويل العقاري المرتقب، ليس ثابتاً بين المناطق الداخلية والخارجية.
طلب مستمر
من ناحيته قال رجل الأعمال والخبير العقاري قيس الغانم، لـ«الراي» إن التراجع الذي شهده القطاع السكني الفترة الأخيرة غير متساوٍ بين المناطق، مشيراً إلى أن الانخفاضات الأكبر تركزت في المناطق الخارجية، والمعروفة بالطلب المنخفض، بينما حافظت القريبة من العاصمة على قدر أكبر من التماسك السعري، بسبب الطلب التاريخي والمستمر عليها.
وأشار إلى أن المشاريع الإسكانية الجديدة تسهم في زيادة الضغط السعري، إذ يؤدي كل إعلان أو توقيع عقد جديد إلى توقع زيادة المعروض مستقبلاً، ما ينعكس تراجعاً في الأسعار، موضحاً أنه يمكن تقسيم حركة الأسعار جغرافياً على النحو التالي، فمن الدائري الأول إلى الثالث، يلحظ تراجع خفيف ومحدود للأسعار، مع استمرار تنفيذ صفقات مرتفعة في مناطق، مثل عبدالله السالم، الشويخ، والنزهة التي سُجلت صفقات بأسعار فاقت مستوياتها بالفترات السابقة، نتيجة استمرار الطلب عليها ومحدودية المعروض.
وبيّن الغانم أنه من الدائري الثالث إلى السادس، تشهد المناطق تراجعاً متوسطاً يوصف بالطبيعي، ويعتمد بدرجة كبيرة على العرض والطلب، الذي يوصف بالمتوسط، مشيراً إلى أن مناطق مثل القادسية والعديلية سجلت تراجعاً محدوداً، يوُصف على أنه طبيعي وغير مقلق.
ولفت إلى أن بعد الدائري السادس، يوجد تراجع كبير يعد الأعلى على مستوى السوق السكني يتراوح بين 30 و35 في المئة، مؤكداً أن أحد أبرز أسباب التراجع الحاد في المناطق الخارجية اختفاء المضارب العقاري، خاصة بعد الدائري السادس، مشيراً إلى أن شراء السكن الخاص يتم حالياً بدافع الحاجة الفعلية وليس للمضاربة.
السيولة العقارية
من جانبه، أكد العقاري سليمان الدليجان لـ«الراي»، أن السوق دخل مرحلة إعادة تسعير تعكس القيمة الفعلية لكل منطقة، ما يؤدي إلى تراجع غير متساو، لافتاً إلى أن ارتفاع التداولات الأخيرة يعود إلى زيادة معروض الأراضي الفضاء، وليس لتحسن الطلب الحقيقي.
وأوضح أن المخاوف من تطبيق قانون رسوم الأرض الفضاء، دفعت الملاك في المناطق ذات الأسعار المتضخمة تاريخياً إلى البيع، ما سرّع وتيرة التراجع فيها مقارنة بالمناطق التي تتمتع بطلب سكني حقيقي ومستقر.
وحدد الدليجان أن أبرز العوامل المؤثرة في سوق السكن حالياً، انسحاب المضاربين واتجاههم إلى قطاعات أخرى، مبيناً أن 80 في المئة من المضاربين الذين كانوا ينشطون في السكن الخاص السنوات الماضية خرجوا من السوق، مؤكداً أن المضاربة باتت انتقائية وفي مناطق بعينها.
خريطة حركة
أسعار المناطق
يمكن تحديد التغيرات السعرية للسكن الخاص جغرافياً على النحو التالي:
1 - من الدائري الأول إلى الثالث: ثبات مع تراجع خفيف، وصفقات بأسعار مرتفعة.
2 - من الدائري الثالث للسادس: انخفض متوسط يوصف بالطبيعي، ويتأثر بالعرض والطلب.
3 - بعد الدائري السادس: أعلى تراجع بالسوق يتراوح بين 30 و35 في المئة مع اختفاء المضاربة.