في وقت تتسابق الأسواق لتحقيق الربح السريع دون أي اعتبار لصحة المستهلك، خرجت وزارة الصحة بقرار لتنظيم تداول مشروبات الطاقة، ليعيد تذكيرنا بأن الصحة العامة ليست سلعة.

القرار الذي وارب باب بيع مشروبات الطاقة الذي كان مفتوحاً على مصراعيه وفرض قيوداً صارمة على أماكن البيع وسقف الاستهلاك اليومي وحتى الإعلان، لا يمكن قراءته خارج سياقه الصحي والعلمي. فهذه المشروبات، التي يتم تسويقها بوصفها منشطات باتت تشكل مصدر قلق حقيقي لدى المؤسسات الصحية والأسر، بسبب الخلطة المركبة التي تجمع بين كافيين مرتفع، وسكر، ومحفزات عصبية أخرى.

الخطورة الحقيقية لمشروبات الطاقة لا تكمن في عبوة يتم تناولها مرة واحدة، بل في تحولها إلى عادة يومية، خصوصاً بين فئة الشباب والمراهقين، وقد شاهدنا العديد من حالات الوفاة التي تسببت بها هذه العادة.

أحد أهم بنود القرار هو حظر الإعلانات والرعايات التجارية لمشروبات الطاقة، وهذا الأمر يدلل على أن القرار مدروس وممسك بجميع خيوط المشكلة التي لم تكن يوماً في المنتج فقط، بل في الطريقة التي يقدم ويسوّق بها، رياضي خارق، طالب لا ينام، شاب لا يتعب، وهذه الصورة ذهنية جذابة، غير حقيقية، هي التي جعلت من تناول هذه المنتجات عادة وخلقت حالة استهلاك حتى الموت، وهنا ندرك أننا نعيش حالة تصحيح لمسار مختل، كما حدث سابقاً مع التبغ ومنتجاته.

قد يتساءل البعض عن سبب السماح بالبيع في الجمعيات التعاونية والأسواق الموازية فقط، والجواب بسيط، القرار لا يمنع، بل ينظم، حيث يوفر المنتج في بيئة يمكن مراقبتها، ويربط البيع فيها بالسن والكمية، بعيداً عن العشوائية التي كانت تسمح بتداوله في المدارس والأندية ومنصات التوصيل ومحلات العصير.

وزارة الصحة لم تحرم، ولم تصادر، ولم تجرم المستهلك. بل وضعت ضوابط واضحة، تركت فيها الخيار للبالغ الواعي، ورفعت مستوى الحماية على فئات محدده كالطلاب، والمراهقين، والرياضيين الواقعين تحت الضغط التسويقي والمفاهيم المغلوطة.

وأخيراً نؤكد أن هذا القرار لا يعادي مشروبات الطاقة بقدر ما يعادي الاستهلاك الأعمى، ولا يقف ضد المستثمر بقدر ما يقف مع حق الإنسان في معرفة ما يستهلكه، وما يضره، فحين تتقدم الصحة على السوق... فهذا ليس تراجعاً اقتصادياً، بل هو تقدم حضاري.