سافر إلى ذاتك

كلام الناس... مرآة أخلاقهم

تصغير
تكبير

كلام الناس ليس مجرد تبادل عابر للأحاديث بل هو سلوك اجتماعي عميق الجذور يكشف البنية النفسية والقيمية لمن يمارسه أكثر مما يكشف حقيقة من يُتحدث عنه، فعلم النفس الاجتماعي يوضح أن الإنسان حين يتكلم عن غيره فإنه في الواقع يمارس عملية إسقاط نفسي projection حيث ينسب للآخرين ما لا يستطيع الاعتراف به داخل نفسه، ولهذا نجد أن الشخص الذي يكرر اتهام الآخرين بالأنانية يكون في الغالب شديد التمركز حول ذاته، والذي يصف غيره بالفشل يكون خائفاً من فشله الشخصي. وقد أثبتت دراسات في جامعة ميشيغان أن الأفراد حين يُطلب منهم تقييم صفات أخلاقية في الآخرين فإن أوصافهم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسماتهم الشخصية هم، بمعنى أن الطريقة التي نصف بها الناس انعكاس مباشر لكيف نرى العالم وكيف نرى أنفسنا، كما أظهرت أبحاث منشورة في Journal of Personality and Social Psychology أن كثرة الانخراط في النميمة ترتبط بانخفاض مستوى الرضا عن الحياة وارتفاع مشاعر القلق والمقارنة الاجتماعية، لأن النميمة ليست فقط حديثاً عن الآخرين بل هي آلية دفاعية لتخفيف الشعور بالدونية عبر خفض قيمة الغائب.

ومن منظور علم الأعصاب فإن الحديث السلبي المتكرر يعزّز مسارات عصبية مرتبطة بالمكافأة اللحظية الناتجة عن الإحساس بالتفوق الموقت ما يجعل هذا السلوك إدمانياً عند بعض الأشخاص، ولذلك نرى أن المجالس التي يكثر فيها الحديث عن الناس تتحول إلى دوائر مغلقة من الطاقة السلبية حيث يتغذى كل فرد على قصص الآخرين ليشعر بارتفاع عابر في تقديره لذاته. وعلى الجانب الآخر، تشير دراسات حول ما يسمى prosocial gossip إلى أن الحديث الإيجابي أو التحذيري عن سلوكيات ضارة يمكن أن يخدم وظيفة تنظيم اجتماعي أخلاقي إذا كان الهدف حماية القيم لا تشويه الأشخاص، وهنا يظهر الفارق بين من يتكلم بدافع الإصلاح ومن يتكلم بدافع الإيذاء، فالأول يركز على السلوك ويبتعد عن التشهير ويختار التوقيت والنية، بينما الثاني يضخم التفاصيل ويستمتع بإعادة سردها ويبحث عن جمهور، ومن الأمثلة الواقعية أن بيئات العمل التي تنتشر فيها الإشاعات تعاني من انخفاض الثقة وزيادة الاحتراق الوظيفي كما بينت أبحاث في Harvard Business Review لأن انعدام الأمان النفسي يجعل الأفراد في حال دفاع دائم، وفي المقابل فإن المؤسسات التي تعزز ثقافة المواجهة المباشرة والشفافية تقل فيها النميمة ويزداد الانتماء، كذلك في العلاقات الأسرية حين ينشأ الطفل في بيئة يسمع فيها والديه يتحدثان بسوء عن الأقارب فإنه يتعلم ضمنياً أن الغياب مساحة مباحة للطعن، فيكبر وهو يفتقر لمفهوم الأمان العاطفي، بينما الطفل الذي يرى والديه يدافعان عن الغائب يتشكل لديه ضمير اجتماعي يحترم الخصوصية.

إنّ كلام الناس إذاً ليس ظاهرة سطحية بل مؤشر على مستوى النضج الانفعالي لأن الشخص الناضج يدرك أن كل كلمة تصنع سمعة له قبل أن تصنع صورة لغيره، ومن منظور القيم الدينية والأخلاقية فإن صيانة اللسان اعتُبرت عبر التاريخ معياراً للرقي لأن المجتمعات لا تنهار بسبب الأخطاء الفردية بقدر ما تنهار بسبب تداولها بلا رحمة، ولهذا فإن التعامل الواعي مع كلام الناس لا يكون بمحاولة السيطرة على ألسنتهم بل بفهم الدوافع النفسية خلفها، فكل إنسان يتحدث من مستوى وعيه ومن حجم ألمه ومن مقدار سلامه الداخلي، والقاعدة العميقة التي تكشفها الدراسات والخبرة الإنسانية أن من امتلأ داخله بالطمأنينة قلّ انشغاله بالآخرين، ومن تصالح مع نفسه لم يحتج إلى تشويه صورة غيره ليشعر بالقيمة، ولذلك حين تسمع كلاماً عنك تذكر أن ما يخرج من أفواههم يعبر عن عالمهم الداخلي لا عن حقيقتك، فسمعتك الحقيقية تُبنى بسلوكك المتكرر لا برواياتهم العابرة، وكلام الناس في النهاية اختبار مزدوج يكشف أخلاق المتكلم ويختبر ثبات المتلقي، فمن فهم هذه المعادلة عاش بحرية أكبر ولم يعد أسيراً لضجيج لا يملك عليه سلطاناً.

تحياتي.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي