بدا لبنان عيْناً على العاصفة الأشد فاعلية وعنفاً التي تضربه هذا الشتاء والتي افترش معها «الأبيض» مرتفعات تحت الألف متر، وعيْناً أخرى على «عاصفة نار» تتراكم غيومُها السود في سمائه كما فوق المنطقة التي تستعدّ لكل الاحتمالاتِ وأكثرها تَفَجُّراً.

ونجحتْ العاصفةُ الهوجاءُ في حَجْزِ مقعدٍ لها في مقدّمة المشهد اللبناني جنباً إلى جنب مع التطوراتٍ المتسارعة في الإقليم وامتداده الدولي، حيث نافستْ «عواجل» الطقس وتحذيراته «الهواتف الحمر» في عواصم القرار التي لم تهدأ مواكَبةً لأحداث المنطقة ومحاكاةً لمختلف سيناريواتها.

وهكذا «وزّعت» بيروت راداراتها بين رَصْدِ أضرار الرياح العاتية التي ناهزتْ سرعتُها 90 كيلومتراً في الساعة وضربتْ غالبية المناطق بما فيها بيروت والتي زادتْ من تأثيراتها الهوجاء مشهديةُ السيول في عددٍ من البلدات ولا سيما الشمال (بفعل فيضانِ أنهر) وتَطايُر اللوحات الإعلانية والألواح الشمسية، وبين تَشَكُّل طلائع «إعصارٍ كبير» يُخشى أن يهبّ على المنطقةِ التي شُدّت أنظارُها نحو اجتماعاتٍ وتصريحاتٍ في البيت الأبيض كما في تل ابيب أَوْحَتْ بأنّ كل الخيارات برسْم التفعيلِ في أيّ لحظة.

وفيما «أدار» لبنان الطقسَ العاصف على قاعدة التقليل من الأضرار والتفاؤل بـ «بساطِ الثلج» الذي كسا أعالي الجبال نزولاً إلى المتوسطة منها وبحجم الهطولات التي يشي مجموعُها حتى الآن بكسْر مجموع ما سُجّل في شتاء 2024 - 2025، لم يُخْفِ تَشاؤمه بإزاء ما يمكن أن يتّجه إليه الإقليم، وسط خشية من أن يكون «ما كُتب قد كُتب» على صعيد تصعيدٍ «غير تقليدي» فيها ترتبط معه «بلاد الأرز» حُكْماً بفعل انكشافها الكامل على «منطقة الأعاصير» التي لم تسترح منذ طوفان الأقصى.

الحركة الدبلوماسية

من هنا تكتسب الحركةُ الدبلوماسيةُ في اتجاه بيروت أهميةً مضاعَفة لجهة استكشافِ آفاقِ الواقع الاقليمي واتجاهاته المحتمَلة، وسبل إقامةِ لبنان «عازِل» عنه وهل ما زال ذلك مُمْكِناً، خصوصاً في ضوء «مطرقة النار» التي رفعتْها اسرائيل في الأيام الأخيرة وبدتْ في إطارِ إما «تحميةٍ» لوضع جبهتها الشمالية على الخط نفسه لِما يُرسم للمنطقة وإما «بطاقة صفراء» بهدف ضمان تحييدِ «حزب الله» عما يُحاك والتحذير من تبعاتٍ مدمرة لأي معاودة تفعيلٍ لهجماته.

ويزور الموفد الرئاسي الفرنسي جان - إيف لودريان العاصمة اللبنانية الأربعاء للقاء كبار المسؤولين، في الوقت الذي تتحدّث تقارير عن محطة محتمَلة للموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، وسط معطياتٍ عن أن هذا الحِراك يتّصل بالدرجة الأولى بمتابعة قضية حَصْرِ السلاح بيد الدولة في ضوء إعلان حكومة الرئيس نواف سلام انتهاء مرحلته الأولى جنوب الليطاني، والتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش اللبناني المفترض عقده الشهر المقبل.

وفي هذا السياق، تَعتبر أوساط سياسية أن ثمة غموضاً يلفّ هذا المؤتمر في ضوء عدم وضوح مساره الذي يتأرجح بين احتمالين:

- أن تحدد دول الرعاية العربية - الدولية للواقع اللبناني الإطار الناظم لمؤتمر دعم الجيش وتنتظر لتحديد موعده ومكان انعقاده، ما سيصدر عن الجلسة الحكومية في أوائل فبراير والتي سيقدّم فيها الجيشُ خطّته لسحب السلاح شمال الليطاني، وتحديداً مرحلة ما بين النهرين (الليطاني والأولي)، وهي الخطة التي يحبّذ الخارج أن تربط بمهلة زمنيةٍ واضحةٍ وفق ما جاهر السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى.

- أن تستبق هذه الدول جلسة فبراير الحكومية وتمنح لبنان «جزرة» انعقاد المؤتمر، موعداً ومكاناً، الشهر الطالع بحيث يكون ذلك بمثابة «تحفيز» لبيروت على المضيّ بخطة حصر السلاح شمال الليطاني مع مواقيت واضحة، وفي الوقت نفسه ملاقاة لسرديتها عن أن الإسراع في هذا المسار يتطلب توفير الإمكانات للجيش اللبناني.

وإذ برز ما نقلته صحيفة «النهار» عن أن الرئيس ايمانويل ماكرون «يبذل جهوداً كبيرة لجمْع الدول على تمويل مساعدة الجيش اللبناني (...) لكن باريس تنتظر منه أن يقدم استراتيجيته للمرحلة الثانية من حصر السلاح وأن يفصل احتياجاته من أجل مؤتمر الدعم»، استوقف الأوساط السياسية التحرك «المتوازي» الذي بات قائماً في لبنان بين خماسيتيْن:

- الأولى التي تضم سفراء الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، مصر وقطر، والتي شكلت الرافعة التي أتاحت معاودة تشكيل السلطة في لبنان وإطلاق النظام التشغيلي للحُكم بعد الشغور الرئاسي (خريف 2022 والذي استمر حتى 9 يناير 2025)، وسط تَبَلْوُرِ أن تفعيل دورها مجدداً يتصل بمواكبة الشقّ السياسي من الأزمة اللبنانية المتعددة الجانب، من الإصلاح المالي والانتخابات النيابية المقبلة، إلى الهيكل الناظم لحصر السلاح، بوصف ذلك «مساراً متوازياً» يجمع بين السياسي والسيادي.

- والثانية الخماسية العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وتضم أيضاً جنرالات من لبنان وفرنسا والأمم المتحدة واسرائيل، والتي صار لها منذ مطلع ديسمبر «قبعة» ديبلو - مدنية عبر ممثلين لكل من بيروت وتل ابيب وواشنطن، وهي اللجنة المولَجة متابعة تنفيذ اتفاق وقف النار (27 نوفمبر 2024) وإرساء أطر لحلّ مستدامٍ وربما على قاعدة اتفاق "هدنة +".

هل تدخل الولايات المتحدة

قطاع الطاقة في لبنان؟

قام السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى بزيارة بارزة لـ «مؤسسة كهرباء لبنان» في غمرة سعي بيروت لمعالجة جذرية ومتعددة المصدر لأزمة الكهرباء «المعمّرة».

وكان الأبرز تَعَمُّد السفارة الأميركية الإضاءة على هذه الزيارة عبر منشور على صفحتها على منصة «إكس» جاء فيه: «تُعدّ الكهرباء المنتظمة عنصراَ أساسياً للنمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية. وفي لقائه مع رئيس مجلس الإدارة المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك، شدّد السفير عيسى على التزام الولايات المتحدة بدعم جهود لبنان لتحديث قطاع الكهرباء، مشيرًا إلى أن الشركات الأميركية في موقع مؤهل لتقديم الخبرات والتكنولوجيا. وبصفتها شريكاً، تساهم الولايات المتحدة في تعزيز أمن الطاقة في لبنان وتحسين الكفاءة التشغيلية».

المطارنة الموارنة: للإفادة من الفرصة

الإقليمية والدولية لإنقاذ لبنان

حذّر المطارنة الموارنة «من الأنباء المتواترة عن محاولات نقل النزاعات المُزمِنة في سورية إلى لبنان، سواء عبر الأُصوليات أو المطامع السلطاوية السالفة»، معربين عن أملهم «بصدق التعاون بين بيروت ودمشق لوأد تلك الفتن التي تُهدِّد البلدَين، وللعمل معاً من أجل غدٍ أفضل لهما».

وجاء موقف المطارنة الموارنة بعد اجتماعهم الشهري برئاسة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، حيث صدر بيان أكدوا فيه التعويلَ «على صدق النيات وثبات العزيمة لدى أهل الحُكْمِ والسياسيين والمراجع المُؤثِّرة في لبنان، من أجل تضافر جهودهم وتوحيد إرادتهم وأهدافهم للإفادة من الفرصة الإقليمية والدولية بما يُساهِم في إنقاذ البلاد من مخاطر الخلاف والتشتُّت والضياع، والدفع بها إلى التوافق والوحدة والبناء الوطني معاً».

وأضاف البيان: «تابع الآباء باهتمامٍ بدايةَ التفاوض بين لبنان وإسرائيل بإشرافٍ دولي من خلال لجنة «الميكانيزم» وعلى قاعدة اتفاق الهدنة. ويرَون في إضفاء الطابع المدني الرئاسي على وفدَي الدولتَين مؤشراً إلى جديةٍ في تناول المسائل العالقة بينهما، شرط توافر الواقعية والشفافية واحترام السيادة والحقوق والالتزام بالعهود، بعيداً من العنف الميداني الذي لا يزال مسيطراً على أكثر من جبهةٍ في لبنان».

بجرائم الاختلاس والتزوير والإثراء غير المشروع

مذكرة قبْض بحق سلامة

وإحالته على محكمة الجنايات

اتّهم القضاء اللبناني الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة والموظفيْن في «المركزي» المحاميين ميشال تويني ومروان عيسى الخوري بجرائم «الاستيلاء على أموال عائدة لــ«حساب الاستشارات» المودعة لدى مصرف لبنان واختلاسها، والتزوير والاثراء غير المشروع».

ولم تكتفِ الهيئة الاتهامية في بيروت بهذا، بل أصدرت مذكرات إلقاء قبض بحق سلامة وتويني والخوري، وطلبت من النيابة العامة المالية إجراء التحقيقات حول كيفية إدخال الأموال إلى المصارف ومن ثم إخراجها دون قيام مديرية المصارف بإطلاع هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان على ذلك.

وأحيل الثلاثة على محكمة الجنايات في بيروت، لمحاكمتهم وفق مواد تراوح عقوبتها بين الاشغال الشاقة 3 و10 سنوات.

وكان سلامة خرج في سبتمبر الماضي من السجن حيث أوقف لنحو عام بتهمة اختلاس 44 مليون دولار من أموال المركزي و«الإثراء غير المشروع» وذلك بموجب قرار اتهامي صدر عن القضاء اللبناني في أبريل الماضي.

وتمت تخلية الحاكم السابق للمركزي (مع منْعِ سفرٍ لسنة) بكفالةِ 14 مليون دولار بعد خفْضها من 20 مليون دولار و5 مليارات ليرة لبنانية، واعتُبرت الأعلى بتاريخ القضاء اللبناني.