في كل مرة تسمع فيها «الكاشير» يسألك عما إذا كان لديك تطبيق المتجر لتحصل ربما على خصم على مشترياتك، أنت تقف أمام صفقة ضخمة لا تتعلق بتوفير بضعة دنانير. إذا أجبت بـ «لا»، تضيع عليك الخصومات، وإذا أجبت بـ«نعم»، تفتح للشركة كنوزاً من المعلومات الإستراتيجية.
وحسب دراسة لشركة الأبحاث «موردور إنتلجنس»، بعنوان «دور تطبيقات الهواتف المحمولة في تحويل إستراتيجيات التسويق بقطاع التجزئة» للمؤلفين ويليام براون، وأوليفر جونسون، وجورج ويلسون، أن أحد أهم أسباب طلب المتاجر أن تحمل تطبيقهم جمع بيانات دقيقة عن سلوك العميل الشرائي، ولذلك هذه السياسة ليست خدمة للعملاء، بل إستراتيجية عمل قوية ومدروسة. المتاجر لا تُقدم لك الخصم مجاناً، بل تدفع به مقابل سلعة ثمينة جداً هي بيانات سلوكك الشرائي. فكيف تحوّل تطبيقات الهاتف عملاء التجزئة إلى مورد إستراتيجي بقيمة سوقية تُقدر بمليارات الدولارات سنوياً؟
فورية أم لاحقة؟
ولفتت الدراسة إلى أن الخصومات المرتبطة بالتطبيق غالباً ما تكون فورية، تُحتسب عند الشراء مباشرة. وفي حالات أخرى، تكون عبر نظام نقاط أو كوبونات مستقبلية تُجمع داخل التطبيق وتُستخدم لاحقاً. في الواقع، وتغيّر التطبيقات العلاقة بين سعر المستهلك العادي وسعر مستخدم التطبيق بحيث يُحفَّز الأخير على العودة للمتجر أو الشراء المتكرر.
والسؤال الأبرز، لماذا تُصر الشركات على تطبيقاتها؟
1 - بيانات المستهلك مورد إستراتيجي:
توضح «موردور إنتلجنس»، أن أحد أهم أسباب طلب المتاجر تحميل تطبيقهم جمع أجوبة محددة على أسئلة محددة أبرزها ماذا تشتري، متى، كم مرة، وما تفضيلاتك؟ فهذه البيانات تسلط الضوء على أنماط الطلب وتساعد في تحسين إدارة المخزون، التسعير، وترتيب العروض.
وعبر تحليل هذه البيانات الضخمة، تستطيع الشركة فهم رغبات المستهلكين وتوقع طلباتهم المستقبلية.
وحسب تقرير «موردور إنتلجنس»، يقدر حجم تحليلات البيانات الضخمة في سوق البيع بالتجزئة بـ 6.38 مليار دولار في 2024، ويتوقع أن يصل 16.68 مليار بحلول 2029، بمعدل نمو سنوي مركب 21.2 % خلال الفترة المتوقعة (2024-2029).
وأشار التقرير إلى أن صناعة البيع بالتجزئة تشهد تحولاً كبيراً من خلال التحليلات المتقدمة وتقنيات البيانات الضخمة مع نمو التجارة الإلكترونية، والتسوق عبر الإنترنت، والمنافسة العالية على ولاء العملاء يستخدم تجار التجزئة تحليلات البيانات الضخمة للحفاظ على قدرتهم التنافسية في السوق، وتعتبر التحليلات التنبؤية نهجاً استباقياً يمكن من خلاله لتجار التجزئة استخدام البيانات من الماضي، للتنبؤ بنمو المبيعات المتوقع بسبب التغيرات في سلوكيات المستهلك واتجاهات السوق. ويمكن أن يساعد تجار التجزئة على البقاء في الطليعة، والتنافس بفعالية، والحصول على حصة كبيرة في السوق.
2 - تعزيز الولاء وتحفيز الشراء المتكرر:
استخدام التطبيق يمنح عميل المتجر «هوية»، ملفاً قابلاً للتتبع والمكافأة. من خلال برامج الولاء، ويمكن تقديم عروض مخصصة عبر نقاط أو خصومات خاصة. هذه الإستراتيجية أثبتت أنها تعزز علاقة العميل مع المتجر وتزيد احتمال عودته. وتشير دراسة نشرها موقع «ساينس دايركت» إلى أن التجربة العاطفية والمعرفية مع التطبيق تؤثر بشكل إيجابي على ولاء العميل للمتجر.
3 - قناة تسويقية مباشرة وفعّالة:
التطبيق يوفر للشركة وسيلة تواصل فورية مع الزبائن من خلال الإشعارات التي تصل لهاتف العميل عن آخر العروض، والخصومات، أو التخفيضات. هذا أسرع وأكثر فعالية من الإعلانات التقليدية أو البريد الإلكتروني.
4 - إدارة عمليات المتجر بفعالية أكبر:
من خلال تحليل بيانات التطبيق وسجلات الشراء، يمكن للمتجر ضبط مخزونه، معرفة المنتجات الأكثر طلباً، تنظيم الفروع، وحتى تحديد توقيت تخفيض الأسعار حسب الطلب، ما يقلل الهدر ويزيد الربحية.
5 - ميزة تنافسية في سوق مزدحم:
في سوق تجزئة يشهد منافسة عالية، وجود تطبيق جيد يمكن أن يكون عامل تمايز. المتجر الذي يمنح خصومات ومزايا عبر تطبيق يُغري المستهلكين أكثر، خصوصاً إذا كانوا يتسوقون بانتظام.
من المستفيد فعلياً؟
من منظور المستهلك، الخصومات والعروض تبدو مكافأة ولاء، لكن من منظور الشركة، استثمار يُحول إلى أداة لتحسين الربحية والإدارة من خلال بيانات المستخدم، طريقة علاقته، تاريخ شراءه، وتفضيلاته.
دليل على ذلك التطور التقني في تتبع الحركة داخل المتجر. نشر موقع «arXiv» عن مشروع حديث يُدعى «RetailOpt» يستخدم بيانات من الهاتف (مثل الحركة، والموقع داخل المتجر) + خريطة المتجر + سجل الشراء، لتحديد الأماكن التي زارها الزبون داخل المتجر (أي الرفوف التي مر عليها). ويتيح هذا للمتجر تحليل «مسار الزبون» داخل الفروع، أي أين توقف، ماذا شاهد، وما اشترى، من دون أي أجهزة إضافية، فقط عبر التطبيق.
وبهذا الشكل، الخصومات والعروض ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لجمع بيانات عالية الدقة، وهي قيمة سوقية للشركة بقدر ما هي ميزة للمستهلك.
لكن كيف يستفيد المستهلك؟ وإلى متى؟ من المنطقي أن يستفيد المستهلك من التخفيضات، والمكافآت، والعروض الحصرية، لكن يجب أن يعرف أنه بالمقابل الصفقة قائمة على التبادل، وهي بياناته وسلوكه تحت المجهر.
إذا أراد المستهلك أن يخضع لهذه الديناميكية بوعي، من المفيد أن يكون مدركاً لما يحصل خلف الكواليس والذي يمكن حصره في التالي:
* التطبيقات تمنحك أسعاراً أقل، لكنها تمنح الشركة رؤى عميقة في تفضيلاتك وسلوكك.
1 - الولاء للتطبيق قد يفرض عليك الاعتماد عليه إن أردت أفضل العروض، ما يقلل الحافز للتسوق من مكانات أخرى.
2 - ليس كل زبون يستفيد بنفس القدر. فمن يشتري كثيراً قد لا يحصل على خصومات كبيرة، بل ربما مدفوعات أكثر لاحقاً. دراسات وتحقيقات حديثة (في سياق «برامج الولاء») أظهرت أن بعض العملاء الدائمين يتلقون عروضاً أقل لأن النظام يستنتج أنهم مستعدون لدفع أكثر، كما تقول صحيفة ذي واشنطن بوست.