في خطوة تعكس تحوّلاً إستراتيجياً في المشهد المالي الكويتي، نقلت وسائل إعلام عالمية نية شركات مالية أميركية عملاقة عدة افتتاح مكاتب محلية في الكويت، ما يمثّل دفعة قوية لجهود الدولة لتعزيز مكانتها كمركز أعمال إقليمي.
هذا التطور، الذي يأتي بعد سنوات من التراجع النسبي أمام دبي وأبوظبي والرياض، يُتوقع أن يحقق نمواً اقتصادياً ملموساً، مدعوماً بتدفقات استثمارية وخلق فرص عمل جديدة.
وبعد إعلان «بلاك روك»، أكبر مدير أصول في العالم افتتاح مكتبها في الكويت في سبتمبر الماضي، كشفت وكالة بلومبيرغ أن «غولدمان ساكس» يعتزم إلى جانب «كارلايل غروب»، و«فرانكلين تمبلتون»، و«ستيت ستريت»، افتتاح مكاتب محلية بالكويت، في خطوة تُعد دفعة للجهود الجديدة للدولة لترسيخ مكانتها كمركز أعمال إقليمي.
وتُعد الكويت بالفعل من بين عملاء هذه الشركات التي سيتيح لها وجودها الفعلي تعزيز علاقاتها مع الحكومة وصندوق الثروة السيادي للبلاد البالغ حجمه نحو تريليون دولار، وقد ظهرت بعض هذه العلاقات بشكل واضح الأسبوع الجاري، عندما ساعد «غولدمان ساكس» في إدارة أول إصدار سندات دولي للكويت منذ 8 سنوات.
ويُنظر إلى توجه الشركات العالمية على أنه فرصة ذهبية للكويت لاستعادة مكانتها المالية ورفع مساهمة القطاع المالي في الناتج المحلي بحلول 2030، كما يؤكد المراقبون، أن الكويت تقف على أعتاب عصر مالي جديد، لكن سرعة الإصلاحات تبقى المفتاح الحقيقي للنجاح.
توقعات إيجابية
ومن المرجح أن يسهم فتح المكاتب العالمية في تعزيز المشهد الاقتصادي في الكويت، إذ قد يدعم هذا التوسع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبلاد ليصل 2.6 % عام 2025، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 1.9 %.
ووفقاً لتقارير صندوق النقد الدولي، قد تساعد هذه التطورات الأخيرة في رفع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وحسب تقرير الاستثمار العالمي 2025 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، فإن الكويت استقطبت تدفقات أجنبية مباشرة بقيمة 614 مليون دولار في 2024، بالمقابل، بلغت قيمة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادرة من الكويت 10.3 مليار عن الفترة ذاتها.
وحسب البيانات، تراجع حجم التدفقات الأجنبية المباشرة للكويت من 2.1 مليار دولار في 2023 إلى 614 مليوناً، ما ينطبق على التدفقات الصادرة أيضاً، إذ تراجعت من 11.2 مليار في 2023 إلى 10.3 مليار بـ 2024.
القطاع المالي
وشهد القطاع المصرفي الكويتي نمواً بنسبة 10.39 % بإجمالي الأصول خلال النصف الأول 2025، لتبلغ قيمتها 120.48 مليار دينار، مقارنة بـ109.14 مليار النصف الأول 2024، مع ارتفاع الأرباح الصافية 3.63 % لتبلغ 825.1 مليون في الفترة ذاتها. وفتح هذه المكاتب سيضيف خدمات متقدمة مثل إدارة الأصول والاستثمارات الخاصة، ما يعزّز نمو القطاع.
كما سيؤدي هذا التوسع إلى رفع مستوى التنافسية والكفاءات في القطاع المالي، ويحفز البنوك المحلية على تطوير منتجاتها وخدماتها وفق معايير عالمية، وسيسهم في تنويع أدوات الاستثمار وإدارة الأصول، ويدعم تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ويزيد ثقة وكالات التصنيف الائتماني بالسوق الكويتي، التي تمنح الكويت تصنيفاً ائتمانياً عالياً، وهو (-AA) من وكالة فيتش، و(+A) من (ستاندرد آند بورز) و(1 A) من «موديز» مع نظرة مستقبلية مستقرة، ما ينعكس إيجاباً على تكلفة التمويل وفرص النمو المستدام للقطاع المصرفي والكفاءات الوطنية، وجذب المزيد من الاستثمارات.
سمعة مالية
ويعزز افتتاح مكاتب لشركات مالية عالمية مثل «بلاك روك» و«غولدمان ساكس» في الكويت، سمعتها المالية والاقتصادية بشكل ملحوظ، حيث يشير إلى زيادة الثقة الدولية في استقرارها المالي وجاذبيتها كوجهة استثمارية، وقد يؤدي هذا التوسع إلى تحوّل قريب في مركز الكويت المالي، خصوصاً مع ربطه برؤية الكويت 2035 للتنويع الاقتصادي، محولاً إياها من دولة نفطية تقليدية إلى مركز إقليمي تنافسي، كما يعكس حرصاً حكومياً على الإصلاحات الهيكلية.
وتدل هذه الخطوات على إستراتيجية لتعزيز الشراكات الأميركية-الكويتية، وجذب الكفاءات العالمية، وتطوير الأسواق المالية، ما يشكل انتقالاً نحو اقتصاد أكثر استدامة وتنافسية في المنطقة.
فرص العمل
من جهة أخرى، يمكن أن يُشكّل فتح مكاتب لشركات مالية عالمية رائدة إضافة نوعية لسوق العمل المحلي، ليس فقط من حيث العدد، وإنما من حيث نوعية الوظائف المتاحة. فعادةً ما تؤدي هذه المكاتب إلى خلق وظائف تشمل مجالات حيوية مثل الإدارة، التحليل المالي، الامتثال، وإدارة المخاطر، إضافة إلى وظائف في التكنولوجيا المالية والدعم التشغيلي.
وتتميّز هذه الفرص بأنها ترفع من مستوى الكفاءات المطلوبة في السوق، إذ تعتمد على معايير عالمية وتدريب متقدم، ما يسهم في تطوير مهارات الشباب الكويتي، ويدعم خطط الدولة لتنويع الاقتصاد، وتعزيز مكانتها كمركز مالي إقليمي.
تحديات بارزة لاتزال قائمة
رغم المؤشرات الإيجابية، مازال الاقتصاد الكويتي يواجه تحديات بارزة تتمثل في التوترات الجيوسياسية وتقلب أسعار النفط، إذ تستند الميزانية العامة إلى افتراض سعر نفط أقل من 80 دولاراً للبرميل، حيث حُدد متوسط السعر في ميزانية 2025-2026 عند نحو 68 دولاراً.
وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يبلغ معدل التضخم ما بين 2.2 و2.5 % خلال 2025، مع عجز مالي مرجح يصل نحو 7-8 % من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025-2026.
10 فوائد استثنائية متوقعة محلياً 1 - تعزيز دور القطاع المالي في الاقتصاد2 - ترسيخ مكانة الدولة كمركز أعمال إقليمي3 - جذب مزيد من الاستثمارات ونمو اقتصادي مستدام4 - استعادة الزخم الإقليمي وتحرّك جاد للمنافسة إقليمياً5 - زيادة ثقة وكالات التصنيف الائتماني بالسوق الكويتي6 - الانتقال من دولة نفطية تقليدية إلى مركز إقليمي تنافسي 7 - دعم التحوّل الإستراتيجي في توجهات وأولويات الحكومة 8 - إضافة خدمات متقدمة للبنوك مثل إدارة الأصول والاستثمارات الخاصة9 - فرصة ذهبية لرفع مساهمة القطاع المالي في الناتج المحلي بحلول 203010 - تطوير الكفاءات الوطنية وخلق فرص عمل نوعية مالياً وتكنولوجياً