مع ترقب إعلان تشكيلة حكومية جديدة، عقب انتخابات مجلس الأمة الأخيرة وقبل الجلسة الأولى لمجلس الأمة في افتتاح الفصل التشريعي الثامن عشر، ينشغل مجتمع الأعمال والمواطنون الذين زادت عليهم تكاليف المعيشية بسبب غلاء الأسعار والمرشحون للتعيين من الشباب الكويتيين، بإحصاء أعداد الحكومات وإنجازاتها بالسنوات الماضية، وسط تساؤلات هل باتت الكويت دولة الوزراء السابقين؟ وكم تكلفة هذا العدد الكبير من الوزراء السابقين على الميزانية العامة؟ وما مصير الشباب منهم، بعدما دخلوا وخرجوا وهم في ريعان شبابهم؟

وفي هذا الخصوص، يبدو لافتاً أن مجلس الوزراء المقبل سيُمثل الحكومة الـ11 المعينة منذ 17 ديسمبر 2019، ما يعني أن هناك 10 حكومات تولاها 3 رؤساء وزراء تشكلت في نحو 51 شهراً، ما يعني أن متوسط عمر الحكومة الواحدة بالسنوات الأربع الماضية يناهز 5 أشهر، علمأ أن عمر إحدى الحكومات بلغ نحو 11 يوماً!.

وبعيداً عن الأثر السياسي السلبي لتفتت الحكومات سريعاً، الناجم عن مناكفات سياسية متواترة مع مجلس الأمة، يتبادر إلى الذهن سؤال محوري، مفاده «كيف يؤثر عدم الاستقرار السياسي على المحركات الأساسية للاقتصاد والتوظيف والتنمية في البلاد، وكل ما له علاقة بعالم المال والأعمال من قوانين وتشريعات مستحقة؟ ولعل ما يزيد وجاهة هذا السؤال تصادف اقتران السنوات الأربع الماضية بأزمات حيّة، تتمثل بداية بجائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية على غزة، والتي بدأت في التحوّل التدريجي إلى حرب إقليمية، وانتهاء بمعايشة طويلة وممتدة لتضخم تاريخي يلف العالم ويصبغه بتضاعف فاتورة السلع الاستهلاكية والرئيسية، فيما غابت الكويت عن مؤشر «كيرني لثقة الاستثمار الأجنبي المباشر 2024»، وفقاً لاستطلاع صدر أخيراً يصنف البلدان الأكثر احتمالاً لاستقطاب الأموال على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

تكاليف عدم الاستقرار

من حيث المبدأ، يفترض الاعتقاد العام بأن الأزمات السياسية تؤثر سلباً على مختلف المؤشرات الاقتصادية، إذ تعطّل جهود الإصلاح المالي والاقتصادي والتنمية المستهدفة، كما تقوّض النمو الإجمالي وتخفّض معدل نمو الإنتاجية، لا سيما وسط تقلّبات أسعار النفط الذي تعتمد عليه البلاد في تمويل ميزانيتها بنحو 90 في المئة فيما تزداد التكاليف بقدر طول فترة عدم الاستقرار.

كما تؤدي الأزمات السياسية المتلاحقة، إلى تدنّي معدّلات نمو حصة الفرد من الناتج المحلي، وتقود لرفع نسب البطالة المباشرة والمقنّعة، ناهيك عن تراكم فوائض الأموال غير المستغلة لدى الشركات والأفراد لندرة فرص استغلالها.

ويعدّ الاقتصاديون عدم الاستقرار السياسي آفة خطيرة تؤذي الأداء الاقتصادي، باعتباره يضيّق آفاق صنّاع السياسات ويصرف انتباههم عن صناعة وتنفيذ رؤى تنموية طويلة الأجل مثل رؤية الكويت 2035 بسبب تشتت جهودهم في مواجهات سياسية خانقة، ما يضعف جهود تنويع مصادر دخل الميزانية العامة.

متلازمة عجز الموازنة

وكنتيجة حتمية لضيق الوقت، يتبع صنّاع السياسات في مثل هذه الحالات منهجيات «الماكرو اقتصادية» أو المشاريع الجزئية قصيرة المدى، حيث يضطرون إلى تبديل مستهدفات اقتصادية مستحقة بأخرى مطلوبة تحت الضغط سياسياً، فتتعطّل التنمية ويتذبذب معدل الإنجاز، ناهيك عن زيادة تعقيدات وتحديات متلازمة حريق عجز الموازنة العامة الناشئ والمتصاعد منذ السنة المالية 2014/2015 في وقت يرجّح بلوغ العجز التقديري للعام المالي الماضي فقط 6.8 مليار دينار.

محرقة التوزير

ويبرز أيضاً اعتبار إضافي، لا يقل أهمية عن سابقيه، وهو أن هناك نحو 100 ألف مواطن قادم إلى سوق العمل خلال 4 سنوات، بواقع 24 ألف خريج كل عام. ومع تزايد وتيرة تغيير الحكومات المزمن يُلحظ أنه لا برنامج واضحاً يتطرق إلى تقدير الحاجة للخريجين الجُدد واجتراح السُبل الكفيلة لاستيعابهم، سوى إشارات ضبابية تبدو وتخبو عن دور القطاع الخاص ومساهمته في استقطابهم للتوظيف.

نقطة إضافية أخرى، تتعلق بـ«محرقة الكفاءات» الناجمة عن التكيّف مع التغيير السريع للحكومات، فالتقليد المتّبع محلياً منذ سنوات، يوحي بأن معظم الوزراء الذين خرجوا من الحكومة لن يعودوا إليها، ما يعني أن هناك نحو 150 قيادياً تم استبعادهم من التوزير، وبعضهم لم يستوفِ سن التقاعد وذلك بافتراض تضمن كل حكومة من الحكومات الـ10 الماضية كافة وزرائها الـ15 وهو ما لم يتحقق في بعضها لاعتبارات تتعلق بجمع بعض الوزراء أكثر من وزارة بالتكليف.

تكاليف باهظة

ومن وحي الإشكالية السابقة، تتدافع أخرى تتعلق برفع تكلفة التوزير على الميزانية العامة، فبمجرد تسمية الوزير يسكن مالياً ببنود إضافية، ومع خروجه المبكر ترتفع تكلفة معاشه التقاعدي سريعاً، وهنا يكون الأثر السلبي مزدوجاً، حيث زيادة «استهلاك» الكفاءات، وتصاعد كلفة تمويل معاشات وزراء خرجوا بلمح البصر.

إضافة إلى ذلك، يتسبّب عدم الاستقرار السياسي في التهميش الاقتصادي وسط ومن ثم تنامي التخلي عن فرص التنمية المستحقة، فالمستثمرون يبحثون دائماً عن الاستقرار الإيجابي الذي يمكنهم من بناء خطط عمل طويلة الأجل، وليس تمنية النفس بإمكانية تعديل المسار.

حتى مصرفياً، هناك ضرر محاسبي مكتوم في دفاتر البنوك والشركات التي باتت عرضة، أكثر من أي وقت مضى، لمخاطر انخفاض ربحيتها، بسبب استمرار تباطؤ وتيرة التنمية، في وقت ترتفع فيه تكلفة الأعمال، ويكفي الإشارة إلى أن بنوك الكويت سجلت العام الماضي أقلّ معدل نمو ائتماني خليجياً بواقع 4 في المئة على أساس سنوي.

وإذا نجحت البنوك والشركات المحلية في معالجة أوضاعها العام الماضي، فإن ذلك لا يعني قدرتها أو أقله بعضها على تكرار سيناريو تحمل تنامي فوائض السيولة المركونة لديها والتي تحوّلت أخيراً إلى عامل ضغط، وبالتبعية ستقل قدرتها على المساعدة في استيعاب الخريجين الجُدد من المواطنين.

وسجلت سوق المشروعات بالكويت خلال الربع الأول من 2023 أكبر انخفاض خليجياً، بتراجع 3.6 في المئة، أو 6.4 مليار، لتحتل المرتبة الخامسة خليجياً من حيث الحجم.

شغور المناصب القيادية

وبالطبع، لا يُمكن إغفال تداعيات عدم استقرار الحكومات على تسكين الشواغر القيادية في الوزارات والهيئات الحكومية التابعة، لاسيما التي يعوّل عليها كثيراً في تعديل المسار المالي والاقتصادي للدولة، علماً بأن هناك نحو 250 منصباً قيادياً شاغراً حتى الآن.

وعلى رأس قائمة الشغور القيادي، تأتي الهيئة العامة للاستثمار التي تدير صندوق الأجيال القادمة بأصول تُقارب 920 مليار دولار، إلى جانب المؤسسة العامة للتأمينات التي تدير أصولاً بنحو 45 مليار دينار في وقت لايزال مديرها العام بالوكالة ومجلس إدارتها ينتظر التشكيل منذ نحو عام ولجنتها الاستثمارية لم تنعقد منذ نحو 20 شهراً، ما ترتب عليه تجميد أي قرار استثماري جديد، بحكم القانون الذي يحكمها بشرط اعتماد مجلس الإدارة لإستراتيجيتها الاستثمارية.

وبجوار «التأمينات»، تطلّ هيئة أسواق المال برأس مشابهة حيث يسيّر أعمالها مجلس مفوّضين بالتكليف منذ نحو 20 شهراً، وسط تصاعد استحقاقات تعزيز تنافسية بورصة الكويت إجرائياً وتشريعياً. وتتسع القائمة لتشمل مؤسسة البترول التي تواجه تحديات رأسمالية كبيرة في تنفيذ مشاريعها لزيادة الإنتاج التي تحتاج حسب التصريحات الرسمية لاستثمار 300 مليار دولار بقطاع الطاقة حتى 2040 في وقت تفتقر فيه للقدرة المالية المكافئة لذلك، علاوة على تحدي الحقول الهرمة، وتزايد الهجمة الشرشة عالمياً على النفط ضمن مساعي التحوّل عنه.

إضافة إلى ذلك، هناك مؤسسة الموانئ التي تُدار بالوكالة، رغم أهمية دورها المرتقب في تنويع الإيرادات العامة للدولة، وهناك الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة الذي تأسس بهدف دعم الشباب ومحاربة البطالة وتمكين القطاع الخاص لتحقيق النمو الاقتصادي محلياً، ورغم مرور نحو 11 عاماً على تأسيسه يُدار بالوكالة منذ سنوات، على مستوى جميع إداراته التنفيذية، ونتيجة لذلك لا يمتلك إستراتيجية عمل واضحة، وقروضه متدنية وتلامس 10 في المئة من رأسماله.

والشغور الإداري يطول مجلس إدارة الجهاز المركزي للمناقصات العامة منذ بداية العام ليتراكم بفضل ذلك 1200 طلب طرح وترسية وتمديد عقود وأوامر تغيرية، إلى جانب وحدة التحريات المالية وجامعة الكويت التي تحتاج إلى مدير، وغيرها توجد جهات إستراتيجية عدة تنتظر التسكين والانطلاقة الحقيقية.

التاثير على التصنيف

وبالطبع التصنيف السيادي ليس بمنأى عن انعكاسات المناخ السياسي والذي يضعه بين عوامل الدفع إذا تحسن ومخاطر التراجع إذا تلبد أكثر. ففيما ثبتت وكالة «فيتش» في أحدث تقاريرها، تصنيفها للكويت عند «-AA» مع نظرة مستقبلية مستقرة، ترى أن تصنيفها مُقيد بالاعتماد الكبير على النفط وضخامة حجم القطاع العام الذي يصعب استدامته على المدى الطويل، فيما لم تتجاوز معوقات المعالجة الفاعلة للجمود المالي والاقتصادي والتشريعي المستمر. وإلى جانب ذلك، حذرت الوكالة من خفض التصنيف السيادي في حال زاد الضغط على سيولة صندوق الاحتياطي العام، وتكرر تعثر الحكومة في اعتماد إستراتيجية تمويلية مستدامة وتنويع مصادر دخلها وتجدد الصدام المعطل بين الحكومة والنواب وجميعها تحديات قائمة.

وزراء السياسات الطويلة... قصار

لعل أكبر المخاطر الناجمة عن تفتت الحكومات سريعاً، متصلة بالتأثيرالسلبي لقصر أعمار وزراء الوزارات المعنية برسم سياسات الدولة طويلة الأجل، وفي مقدمتها وزارة المالية المنوطة بإعداد السياسات التي تدعم الاستقرار المالي والاقتصادي المستدام، بما ينسجم مع رؤية الدولة وأهدافها الإستراتيجية للتنمية.

لكن المفارقة أنه رغم ذلك شهدت «المالية» خلال 24 شهراً وتحديداً بين 2022 وبداية 2024 تغيير 5 وزراء، رغم الحاجة الملحة إلى الاستقرار لاستكمال خططها لإعادة هيكلة النظام المالي وترسيخ الأولويات، وتنويع الإيرادات العامة وتنميتها وضبط الإنفاق الحكومي والتركيز على الإنفاق الإستثمارى الذي يمثل قاطرة للنمو الاقتصادي ومحفزاً لتوسيع دور القطاع الخاص في التنمية، ومستقطباً للمستثمر الأجنبي الذي يراقب المشهد السياسي الكويتي بحذر، ليقرر موعد ضخ تدفقاته الاستثمارية وتحديد حجمها، إضافة إلى الحاجة لتطوير التشريعات والنُظم الضريبية الداعمة لضبط النشاط الاقتصادي وتوجيهه.

الأمر لا يختلف كثيراً بالنسبة لوزارة التربية والتعليم، المناط بها إحداث نفضة ترتقي بمستوى التعليم وتمحو عنه آثار التدني الملازم له عالمياً، وأي حديث عن الإصلاح دون ثورة تنقذ التعليم وتُحسّن مخرجاته كأولوية قصوى، لن يكون إلا سراباً، وسط ما يعكسه واقع عدم الربط الحقيقي بين تخصصات معظم الخريجين وحاجة سوق العمل، التي تغيّرت بشكل جذري، بفضل ارتباط محدداته بالتحوّل التكنولوجي.

أما «أمّ التحديات»، فتتعلّق بأزمة المؤسسة العامة للرعاية الإسكانية التي يتراكم على بابها نحو 100 ألف طلب، تحتاج تغطيتها نحو 65 مليار دينار، إضافة لأكثر من 35 ملياراً قيمة الأرض في وقت يواجه فيه بنك الائتمان ضعفاً ملموساً في قدرته الرأسمالية بينما يرحل مشروع الرهن العقاري من حكومة لأخرى دون توقف.

وبالطريق نفسه تبرز وزارة «الأشغال» التي يشكو «طوب الأرض» من تهالك شبكة الطرق، علاوة على وزارة التجارة والصناعة، التي يُنظر إليها على أنها المساهم الرئيس في تحسين ترتيب الكويت على مؤشر التنافسية العالمية، ناهيك عن دورها المتصل مع«المالية» والجهات المعنية الأخرى، في تحقيق الأمن الغذائي ما يستدعي أن يكون وزيرهاً مستقراً وليس متغيراً كل فترة وجيزة كما حدث في العامين الماضيين حيث تولى 4 وزراء حقيبة «النفط»، ومثلهم حقيبة «التجارة» رغم استحقاق تحسين تنافسية بيئة الأعمال محلياً ومتطلبات تنويع مصادر الدخل.

6 استحقاقات مزمنة

• تطوير منظومة التشريعات

الداعمة لضبط الاقتصاد وتوجيهه

• تحسين بيئة الأعمال

واستقطاب المستثمر الأجنبي

• ترشيق الإنفاق الحكومي

ضمن رؤية الدولة للصرف الحكيم

• التركيز على الإنفاق الاستثماري

كقاطرة للنمو ومُحفّز للقطاع الخاص

• إقرار «الدين العام» لتفادي مخاطر

إطفاء العجز بتسييل الأصول السيادية

• تمرير «الرهن العقاري»

وتعزيز محركات الأمن الغذائي.