هناك مقولة رائجة بين محبي السيارات الكلاسيكية والنادرة في الكويت مفادها بأنه «يمكنك قيادة سيارة كلاسيكية، لكن لا يمكنك قيادة محفظة الأسهم»، ولذلك لا تندهش إذا شاهدت السيارة التي خطفت انتباهك وهي تمر بجوارك أثناء تجولك في أحد شوارع الكويت، تسير بعدها بأيام معدودة في شوارع السعودية أو الإمارات أو قطر أو حتى أوروبا أو أميركا، لكن بلوحة معدنية مختلفة.

ففي واحدة من الآثار الجانبية الإيجابية المدهشة للمنصات المتخصصة في بيع السيارات، بات سوق السيارات النادرة أكثر جماهيرية وشمولية، مستفيداً من ربط العالم تكنولوجياً في سوق واحد، ومن هنا تعاظم لدى أعضاء هذا النادي في الكويت المفهوم من مجرد هواية تحقق أرباحاً مستقبلية، إلى استثمار يعظّم الثروة، مستغلين إمكانية مغازلة الزبائن في كل مكان بالعالم.

وعملياً لم تطل أجواء التشاؤم أحد الهوايات المكلفة، وهي هواية اقتناء السيارات الكلاسيكية التي أثبتت أنها تتمتع بمناعة ضد «كوفيد-19»، بل حتى كلمة مناعة قد لا تصف بدقة الظاهرة التي يشهدها عالم المليارديرات والسيارات الكلاسيكية، فهذا العالم لم يصمد فقط في وجه الجائحة بل ازدهر بصورة فاقت كل التوقعات.

ويمكن القول إن الكويت باتت موطناً لآلاف موديلات السيارات الكلاسيكية التاريخية والنادرة ومحدودة الإنتاج، مع تحول الشغف باقتناء تلك النوعيات من المركبات من مجرد هواية اعتادها البعض إرضاءً لرغباتهم منذ الصغر في الحصول على سيارات أحلامهم التي رسخت في مخيلتهم عبر مشاهدتها في أفلام عالمية مشهورة، إلى استثمار يعظم ثرواتهم ويحقق لهم عوائد عالية على المديين القصير والمتوسط الأجل.



وبحسب خبراء في السوق المحلي، فإن أسعار بعض المركبات تبدأ من مئات الدنانير وقد تصل إلى مليون دينار وأكثر، فيما يحقق المستثمرون في هذا السوق عوائد عالية تصل في بعض الأحيان إلى 10 أضعاف سعر السيارة الأصلي الذي اشتروا به السيارة.

وبين الشغف باقتناء مثل هذه النوعية من السيارات كهواية بقصد التمتع بقيادتها وتميزها على الطرقات، والاستفادة منها كاستثمار رابح، تتنوع أسباب تنافس المهتمين بهذا السوق في الكويت للفوز بشراء الإصدارات المحدودة لشركات السيارات العالمية، فيما تزيد تكلفة الموديلات التي يتم تصميمها حسب رغبات العملاء، كلما زادت طلبات واحتياجات الزبون.

ويتوقع موقع «ستاتيستا»، أن يسجل سوق السيارات الكلاسيكية العالمية نمواً بشكل مطرد من نحو 24.5 مليار دولار في 2019 إلى 35.5 مليار في 2023، حيث أشار الموقع إلى أن السيارات الكلاسيكية تحظى بشعبية خصوصاً في أوروبا وأميركا الشمالية، ونظراً إلى أن هذه المركبات تعتبر من المقتنيات، فإن أقساط التأمين عادة ما تكون أقل من السيارات الحديثة، رغم كونها أكثر خطورة في القيادة.

وفي حين تزخر الكويت بتواجد العديد من السيارات الكلاسيكية والتاريخية ومحدودة الإنتاج، التي يتسابق عشاقها في الحصول عليها، ويتنافسون لدفع مبالغ عالية لقاء اقتنائها، إما لشغف امتلاكها أو الاستثمار فيها، فإن سعر السيارة الكلاسيكية أو النادرة تتحكم به عوامل عدة مثل موديل السيارة وسنة صنعها والشركة المصنعة وحالة المركبة وعدد الكيلومترات التي قطعتها، ومدى توافرها في السوق المحلي أو في العالم، ومدى حاجتها لقطع الغيار والقدرة على قيادتها على الطرقات، إضافة إلى شخصية من كان يقتنيها إذا كان لها مالك سابق، إذ يرتفع سعرها بشكل كبير إذا كان المالك الأصلي لها رئيس دولة سابق أو مسؤولاً كبيراً أو شخصية معروفة.

ووفقاً لأشخاص فاعلين في سوق السيارات الكلاسيكية والتاريخية ومحدودة الإنتاج محلياً، فإن خارطة ملاك تلك النوعية من السيارات بالكويت تشمل العديد من الشيوخ ورجال الأعمال، فيما تشهد البلاد إقامة تجمعات بين هواة اقتناء تلك المركبات على مدار فترات للتباحث حول السيارات المتاحة وأسعارها ومدى توافر قطع الغيار الخاصة بها وغيرها من الأمور.

وفيما تعمد بعض شركات السيارات العالمية مثل «ماكلارين» و«رولز رويس» و«فيراري» وغيرها إلى توفير عدد محدود من إصدارات خاصة لا يتجاوز 100 إلى 150 سيارة من أحد طرازاتها لجميع أنحاء العالم، بأسعار تفوق سعر الموديل نفسه المعروض في السوق بما يتراوح بين 50 و 100 في المئة، فإن الحصول على تلك الإصدارات النادرة يكون للمتقدمين لشرائها أولاً، ما يؤدي إلى زيادة أسعارها بشكل كبير، الأمر الذي يحقق لملاكها أرباحاً عالية لو أرادوا بيعها بعد سنوات قليلة من شرائها.

أغلى 10 سيارات كلاسيكية

بحسب موقع «CNBC»، في ما يلي أغلى 10 سيارات كلاسيكية بيعت في أسبوع مونتيري للسيارات الذي أقيم خلال الفترة الأخيرة:

مكلارين إف 1 كوبيه (1995): 20.5 مليون دولار

فيراري 250 جي تي (1959): 10.8 مليون دولار

أستون مارتن زاغاتو كوبيه (1962): 9.5 مليون دولار

فيراري 268 سبايدر (1962): 7.7 مليون دولار

فيراري 275 لونغ نوز ألوي كوبيه (1966): 7.7 مليون دولار

فيراري 250 جي تي كوبيه (1958): 6 ملايين دولار

بوغاتي تايب 35 بي غران بري رودستر (1929): 5.6 مليون دولار

مرسيدس بنز تورر (1928): 5.4 مليون دولار

فيراري 250 جي تي كابريوليه (1958): 4.4 مليون دولار

شيلبي كوبرا 289 رودستر (1963): 4.1 مليون دولار

100 مليار جنيه استرليني زيادة بـ «الثروة المتاحة»

وفقاً لموقع «أوتوكار»، فإن الإجراءات الاحترازية المصاحبة لانتشار «كورونا» وعمليات الإغلاق وتقييد السفر، أدت إلى زيادة هائلة في حجم ما يعرف بـ«الثروة المتاحة» لدى الكثير من مواطني الدول الغنية.

ففي إنكلترا على سبيل المثال زادت هذه الثروة بواقع 100 مليار جنيه استرليني وفق تقديرات البنك المركزي الإنكليزي، الأمر الذي يعني أنه إذا كانت الجائحة قلصت إنفاق المستهلك في مجالات معينة، فإنها أيضاً أطلقت يده للإنفاق في مجالات أخرى، وأحدها اقتناء السيارات الكلاسيكية، الذي يحظى بمكانة خاصة في بريطانيا، حيث سجل خلال الجائحة ارتفاعاً في أعداد السيارات التي تم بيعها، وفي أسعارها أيضاً.

ولطالما أظهرت بريطانيا شهية خاصة للسيارات الكلاسيكية، سواء بغرض الاستثمار أو إشباعاً لهواية الاقتناء من أجل التجميع فقط، لكن المهتمين بهذا المجال لمسوا حماساً متزايداً من البريطانيين لهذه السيارات في الأشهر القليلة الماضية، عازين ذلك إلى تضافر عدد من العوامل مثل الشعور بالتحرر من إجراءات الإغلاق وتكاثر مواقع مزادات هذه السيارات على الإنترنت، والارتفاع في مستوى الدخل المتاح لدى الكثيرين.

العلاقة العاطفية تغذي الطلب

يلحظ موقع «آينيوز» وجود سمة رئيسية لفورة الرواج التي تشهدها السيارات الكلاسيكية هذه الأيام وهي ازدياد الطلب على ما يعرف بالسيارات ذات الحالة «المقبولة» وهي سيارات لا يزال بالإمكان قيادتها على الطرقات ولكنها ليست «نظيفة» بمعنى الكلمة أي أنها مصابة بخدوش وبآثار صدمات وربما خضعت لتعديلات على أجهزتها.

مثل هذه السيارات تكون أثمانها أدنى عادة ولكنها تمنح صاحبها الشعور بالاعتزاز لاقتنائه لها مع إمكان التباهي لاحقاً بإصلاح عيوبها وإعادتها إلى ألقها الأصلي.

ويشير موقع «أوتوكار» إلى سمة أخرى هي حدوث تحول في نوعية الذين يسعون وراء هذه السيارات. فبينما كان الطابع المسيطر في الماضي على هذه الفئة هو الحس الاستثماري والمضاربة بأمل تحقيق أرباح مستقبلية، ظهرت فئة جديدة من الهواة الذين يفتشون عن سيارة معينة تربطهم بها علاقة عاطفية ما وربما تحقيقاً لحلم قديم باقتنائها لم يكن ممكناً عندما كانوا أصغر سناً.

شغف أم «بيزنس»؟

تقول رئيس وحدة الثروات الخاصة في شركة «Axiom Stone Solicitors»، أوليفيا كوبر: «رغم أن السيارات الكلاسيكية تتفوق على إستراتيجيات الاستثمار الأكثر تقليدية على مدى فترة من الزمن، إلا أن هناك من يجادل بأن هذه السيارات يجب شراؤها من أجل الشغف وليس الربح».

وترى أن السيارة الكلاسيكية هي أحد الأصول الملموسة التي ستكبد المستثمر تكاليف تشغيل كبيرة من الشراء إلى البيع، ولكن في الوقت ذاته يمكن أن توافر متعة كبيرة لهواة جمع السيارات الجادين.

دشتي: أسعار موديلات الستينات ترتفع على مر السنين

لفت المستشار في قطاع السيارات زكريا دشتي، إلى أن قصة السيارات مع الكويت تعود إلى سنوات طويلة جداً، إذ بدأت منذ العام 1910، مشيراً إلى أن السيارات التاريخية تحظى بإقبال كبير من العملاء الراغبين في التميز والحصول على السيارات التي كبروا معها وشاهدوا أفلاماً عنها، أو كانوا يرغبون في الحصول عليها في صغرهم.

وأضاف دشتي أنّ أسعار السيارات التاريخية تختلف وفقاً للعديد من العوامل، كالشركة المصنعة وتاريخ الصنع وموديل المركبة وحالتها وعدد الكيلومترات التي قطعتها، وصبغها إن كان أصلياً أو لا، فضلاً عمن كان يقتنيها من رؤساء الدول السابقين مثلاً أو مسؤوليها أو شخصيات مشهورة، وحالة الماكينة ورقم «الشاصي» في حال عدم تغييره من قِبل المالك والحفاظ عليه كما كان لدى خروجه من مصنع الشركة دون تغيير.

وتابع دشتي أن أسعار السيارات التاريخية يمكن أن تبدأ من مئات الدنانير وقد تصل إلى مئات آلاف الدنانير، بل وتصل أحياناً إلى مليون دينار وأكثر مثل سيارات «أستون مارتن» القديمة، موضحاً أن أسعار موديلات الستينات والسبعينات تحظى بارتفاع أسعارها كلما مرّت السنوات عليها.

الشايجي: أملك 100 سيارة والكويتيون يفضلون الموديلات الأوروبية

أشار أحد هواة جمع السيارات في الكويت، رياض الشايجي إلى أنه يملك أكثر من 100 سيارة تاريخية ونادرة، يعود تاريخ تصنيعها إلى عام 1930 وما بعد.

وتابع الشايجي أنه يعمل بعد شراء السيارات في بعض الأحيان على إعادة تجهيزها وصبغها وتزويدها بقطع الغيار اللازمة لنيل ترخيص من الإدارة العامة للمرور من أجل السماح بقيادتها في الكويت مجدّداً.

وأكد أن السوق يشهد إقبالاً كبيراً على الموديلات الأوروبية مثل «بورشه» و«مرسيدس» وغيرهما، لافتاً إلى أنه يملك مركبة وانيت من نوع «هامبر» يتواجد منها 100 وحدة فقط حول العالم، فيما تملك شركة «نفط الكويت» 10 منها لاستخدامها في أعمالها المتنوعة.

وأوضح الشايجي أن بعض الهواة يعملون على شراء السيارات والحفاظ عليها لسنوات عدة قبل إعادة بيعها بسعر أعلى، منوهاً بأنه من بين الأمثلة على ذلك مركبات «بورشه» التي صنعت في الثمانينات والتي ارتفع سعرها حالياً بأكثر من 4 أضعاف بسبب ندرة وجودها حول العالم.

الفرق بين الكلاسيكية والقديمة

هناك الكثير من الالتباس حول ماهية السيارة الكلاسيكية بالضبط، وما الذي يميزها عن السيارات القديمة أو العتيقة.

عادةً، ما ينطبق لقب السيارة الكلاسيكية على المركبات التي يزيد عمرها على 20 عاماً، أما عمر السيارات العتيقة فيكون أكثر من 45 عاماً، في حين يتم وصف السيارات بالقديمة إذا كان تصنيعها بين عامي 1919 و1930. ولكن كما هو الحال مع العديد من الموضوعات في عالم السيارات، لا يمكن للجميع الاتفاق على تعريف واحد.

فعلى سبيل المثال تصنف وكالة المركبات في أميركا وشركات التأمين ونوادي السيارات الكلاسيكية كل مركبة بشكل مختلف، في حين تتداخل بعض التصنيفات بين الكلاسيكيات والمقتنيات الأثرية (الأنتيكات).

وتتمتع ولاية كاليفورنيا بتصنيف واسع جداً لماهية السيارة الكلاسيكية، فهي لا تفرق بين السيارات الكلاسيكية والعتيقة والأثرية. ووفقاً لإدارة المركبات في كاليفورنيا «California DM»، فإنه إذا تم تصنيع السيارة بعد عام 1922، وكان عمرها 25 عاماً على الأقل، فهي مركبة تاريخية.

ومع ذلك، إذا كانت تحتوي على محرك 16 أسطوانة أو أكبر، وتم تصنيعها بين عامي 1922 و1965، فإنها تصنف على أنها عربة خالية من الخيول، ولا تعتبر السيارات والنسخ المتماثلة المعدلة جزءاً من أي من الفئتين.

من جانبها، تضع شركات التأمين إرشاداتها الخاصة في شأن ما تسميه سيارة كلاسيكية. وبحسب «Hagerty» تعتبر السيارات المصنعة خلال الأعوام من 1900 إلى 1979 إما عتيقة أو كلاسيكية، فيما تعتبر السيارة إذا تم تصنيعها في عام 1980 أو بعد ذلك، سيارة تجميع.

أما نادي أميركا للسيارات الكلاسيكية فيعتبر أكثر صرامة في وصفه للكلاسيكيات، إذ يعتبر السيارات المصنعة بين عامي 1915 و 1948 كلاسيكية فقط، كما يشمل فقط المركبات «المتميزة بتصميمها الرائع والمعايير الهندسية العالية والصنعة الفائقة».

طربيه: ظاهرة لإبراز القدرة المالية

قال المسؤول في شركة علي الغانم وأولاده للسيارات، علاء طربيه، إن اقتناء السيارات النادرة في السوق الكويتي يعد ظاهرة تعكس مدى اهتمام العديد من الأشخاص بالتميز وإبراز نجاحاتهم وقدرتهم المالية الكبيرة، مع شغفهم بلفت الأنظار على الطرقات.

وأضاف أن العامل الآخر الذي يتحكّم بهذا الموضوع يكمن في بحث أصحاب هذه السيارات عن الاستثمار قصير المدى الذي يحقّق لهم عوائد عالية في سنوات قليلة.