لا يبدو تبدل المناصب شيئاً غريباً في الدولة، بل هو طبيعة الحال في مؤسسات الدولة أجمعها، ولكننا اليوم نستلهم العبرة من تولي المسؤولية ومن تبدل مواقع القرار والتأثير الرسمية، وإذ يتزامن تولي رئاسة محكمة التمييز المستشار أحمد العجيل مع تولي صاحب السمو أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح مقاليد الحكم في البلاد، والعهد الجديد دائماً ما يعكس حجم التطلعات العميقة التي يكنها الناس في شعورهم السعيد الممزوج بالأمل نحو التغيير للأفضل وبما يتناسب وطبيعتنا الكويتية... الاستبشار هو أحد تلك المظاهر العامة التي يعبر الناس من خلالها عن ثقتهم بالعهد الجديد لا لسمعة كسبها المتولي ولا لجاه حازه وحسب، بل لأن آمال الناس الكبيرة وتطلعاتهم في تعويض ما فاتهم في عدم الإقرار بالمشاكل في المقام الأول، ناهيك عن توفير الحلول لها.

إن المحاكم هي الجهات التي تتمسك بالمبادئ وتوجه الناس، نحو التمسك بها، وهي رسالة القضاء الأولى بما فيها حماية مبادئ الكويتي القديم، والذي إن وعد أوفى، وإن عقد التزم، وإن خاصم لم يلدد، في مبادئ «الهون أبرك ما يكون»، وفي السماحة والمسامحة والاحتواء، وفي حل المسائل بالشكل الرسمي القضائي المؤسسي، ولكن بالطريقة الكويتية الأصيلة... بالأحكام القضائية الرصينة وفي لغتها الرفيعة، وفي تسبيبها المنطقي السلس، وفي السعي لتحقيق التوازن بين حقوق الدولة وحقوق الأفراد، وبين حريات الناس وبين صون البلاد من الفتن وحماية مصالح الدولة العليا، النهوض بالمؤسسة القضائية بكافة درجاتها، عمل مضن ومجهد وللقاضي- لكل قاض- همومه وتطلعاته، والتي يجب عدم إهمالها والعمل على مراعاتها، فهي مفتاح الحلول، إن اشراك القضاة في المشورة يجعلهم جزءا من الحل، ولا مجال لأي أحد حينها أن يضعهم في دولاب المشكلة... هم الحل الأول وهم بوابة الإنجاز وثمرة الإخلاص والتفاني... إن الضمير الحي لا يحتاج لتدعيم، ولكنه يحتاج لأرض صلبة ليقف عليها صاحبها ليؤدي أمانته وليُخلد ذكره في سجل العادلين الذين أنصفوا أنفسهم بالسعي خلف الحقيقة والحكمة والاحتواء والتروي.

إن مجلس القضاء - والعيون شاخصة عليه - بعد تشكيله الجديد ليتولى مسؤولية جسيمة في ظرف استثنائي، إذ لم يسبق أن تكونت ملفات جسيمة كالتي هي موجودة اليوم من تحقيقات قد تعقبها محاكمات تخص القضاء وسمعته، كما يتولى المسؤولية في ظل انتخابات برلمانية جديدة سيوالي فيها النظر بقضايا متعددة من شطب المرشحين إلى فحص سلامة العملية الانتخابية كاملة، فيما ينظر في القريب العاجل أهم قضايا مزاعم الفساد في تاريخ الكويت الحديث، لهذا فالمسؤولية جسيمة على مجلس القضاء في الإبقاء على أرضه الصلبة سليمة ومخضرة عن طريق الدعم المعنوي للمؤسسة وأفرادها، والذي يعزز استقلالية القضاء عن طريق تعزيز مفهوم «لا سلطان على القاضي».

إن القضاء حصن الناس وغايتهم وداعمهم في العيش بسلام وأمان، فالملفات الجديدة على الصعيد الإداري متشعبة أيضاً، منها انعقاد الجلسات عن بُعد، والإعلان الإلكتروني، تلك الملفات التي تنتظر قراراً حاسماً ببداية التطبيق خاصة وأن الأرضية القانونية قد اكتملت بتعديل قانون المرافعات.

إن تصدي رجال القضاء للهجمات اللاواعية عليه، والتي تمثلت أخيراً بقانون مخاصمة القضاء، كان له الأثر في رد القانون وفي إعادة الميزان، لهذا يجب أن يكون القضاء سباقاً في تبني القوانين الخاصة بكيانه بما يحقق استقلاله المالي والإداري الكامل وهذا ما يجب التركيز عليه في العامين المقبلين من عمر مجلس القضاء الجديد وهذا ما يجب أن يسعى له العهد الجديد.