لكي يقول لك الناس... شكراً

خواطر صعلوك

إن كل نفس ذائقة الموت... إلا أن الحياة لا تتذوقها كل الأنفس.
هذا ما قاله جلال الدين الرومي وهو يرمي حجراً
على بركة ماء كانت تناديه:
تعال إليّ... فأنا من جعلت من نرسيس أسطورة!
رمى حجراً ليفتت صفو ماء يفتنه... لكي لا يعبد صورته المنعكسة.
كل الديانات في مختلف بقاع الأرض وفي مختلف الأعراق تنادي بالسير ببطء، وإتقان وإحسان في عالم متسارع جداً لا يعير الجمال اهتماماً،عالم متسارع يدعوك إلى العجلة واللهاث واللحاق بكل ما هو جديد في نفخ صورتك، للدرجة التي قد تحرمك من السير خلف جنازة رجل غريب لا تعرفه، أو مشاركة فرحة طفل اكتشف للتو كيف يوصل الأحرف ليكون أول كلمة له.
فمن نهر الغانج في الهند وما يمارس فيه من طقوس، ومعابد كمبوديا وإندونيسيا واليابان، وشعائر قبائل البرازيل والصين، وأورشليم والقدس وكنيسة القيامة وحائط المبكى والكعبة والحركات الصوفية والدراويش... الجميع يناجي التحرر من سجون الأمس، وقيود الحاضر، وظنون المستقبل، الجميع يطالب بأن يهرب من العيش في مجتمع ميت، ولكنه لم يدفن بعد، مجتمع يقدس الصورة والجسد على حساب الممارسة والروح.
ومن أجل أن يقول لك الناس... شكرا، فعليك أن تخبز خبزك بحب وتتقاسمه مع جيرانك ومن حولك.
وأن تكون مستمعاً أكثر مما تتكلم، بشوش الوجه، صريحاً في التعبير عن أفكارك من دون أن تشعر بالغل والحقد وتسامح وتنسى الإساءة، وأن تكون غايتك أن تأخذ الآخرين إلى عتبة بابهم وتحقيق ذواتهم وليس إلى عتبة بابك على حساب سعادتهم ومعنى حياتهم، صادقاً متناغماً مع نفسك مستقلاً وتلقائياً، لا تسعى للتفاخر بمكانتك أو علاقاتك، تجلس على الأرض وتأكل من الأرض ولا تحط من قدر نفسك لإثارة شفقة أحد، تقدر الجمال في كل شيء حولك، ولا تقيس ثمن الكلمة بناء على ثروة قالها بل بناء على وعيه، والجلوس في الصفوف الأولى هو ذاته في الصفوف الأخيرة بالنسبة لك.
وما تريده من المرأة هو حميمية العلاقة الإنسانية، تحترم ممتلكات غيرك وتسدد ديونك، وحسك في الدعابة غير مألوف وعلاقاتك قليلة ولكنها عميقة، أخلاقك أخلاق الأقوياء كالشجاعة والإقدام والجرأة وعزة النفس، وأن تكون متجاوزاً لذاتك ملتزماً بقيم الجماعة معززاً لتماسك المجتمع، محتفياً بعلمك القديم وساعياً دائماً لعلم جديد، باحثاً عن الحكمة في داخلك وليس ساعياً خلف الأشياء كأشياء، تصورك عن نفسك أكبر من «بالون» يتغذى على ضخ غاز الهيليوم من الآخرين واهتمامهم، فهذا يجعلك فريسة سهلة لأصغر ثقوب الإهمال... وأكبر من برميل بترول يغذي فيك طاقة الغطرسة والقبول الاجتماعي من خلال السلع.
منفتحاً تحركك المسؤولية لا المصلحة، ولا تعرض نفسك للخطر من دون داع، يصفو عقلك ككون واقف على قدمين، مدركاً لعيوب نفسك ومزاياها وقادراً على ضبطها والسيطرة عليها ومقاومتها، ويقاس مقدار حبك لله بمقدار حبك لباقي الخلق والإحسان لهم والرحمة بهم مهما كانوا مختلفين عنك... وربما أهم شيء في كل ذلك هو إدراكك أنك لست الإنسان الكامل... وأنك دائما ناقص.
في النهاية لا يمكن للمعنى أن يكون مكثفاً إلا إذا ختمناه برؤية إمام المتيقن الذي أوتي جوامع الكلم والذي قال:
«وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك».

قصة قصيرة:
- اصنع لي جناحاً يا أبي.
- لعلك تريد الشمس يا بني؟
- نعم يا أبي... انظر ما أجملها.
- أخاف عليك الوحدة هناك!
- وأنا أخاف عليك... اليأس هنا!

@moh1alatwan

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا