أربعة أيام من الجنة!

خواطر صعلوك

اليوم، سأحلق لحيتي وأهذب شعري وأرتدي ملابس تليق بالمناسبة، ثم أودع أبنائي قائلا لهم:
- سأعود شخصا آخر...
هذا ما خطر على بالي يوم الثلاثاء.
انطلقت إلى المطار الجديد بحقيبة قديمة، وابتسمت ابتسامة مريحة لموظفة جوازات عابسة!
أسافر بلا تخطيط، ولا أريد أن تفتشني الحواجز في المطار، ويأخذوا مني زجاجة عطر كنت قد فكرت أن أهديها لنفسي، وأفضل أن آكل وجبتي السريعة ببطء من دون أن يحدّق في الآخرون، وأن أنتبذ مكاناً قصياً في قاعة الانتظار أضمن في ثناياه ألّا يعكّر صفو مزاجي أحد قائلاً لي: (كم الساعة لو سمحت؟) فاكتب قصة قصيرة، ثم أعلقها فوق لوحة مواقيت الوصول والمغادرة، فيتلقفها القراء مختلفين فيها، هل هي موعظة دينية أم دعوة للعلمانية أم رسالة مبطنة أم هراء مسطّر... فأضحك وأسند ظهري على جدار المطعم الأحمر وأدعو جميع من في صالة المغادرين قبل أن يقلعوا، لكي يكتبوا ويشاركوا في مسابقة للكتابة الجميع فيها فائز، فما أسهل الكتابة طالما أن فيها شريكين، أحدهما يكتب والآخر يحيي النص بالتأويل.
وصلت إلى المكان الذي أقصده هناك... وأصبحت هنا. وكل ما هو مطلوب للسعادة متوافر هنا، كتب وشرفة تطل على أفق، وقلب قنوع وبسيط رغم كل ما مر به من عواصف جعلت قلبه مثل شراع قارب، فيه عدد من الثقوب التي لا تحصى وعدد آخر من الرقع التي لا تعد، إلا أنه ما زال يسير في أضخم المحيطات وأكبرها.
هنا عليك أن تنزل شراعك فلا ريح  لتهب، ستكتفي بالموج وإنسيابية محطة لم تكن في انتظارك، ولكنها تظللك كلما ارتحلت، وأهل ليسوا من أهلك ولكنهم أهلك، وأم كشجرة تحيطك وترعاك وترقيك وترمم وتخيط باليقين كل الثقوب التي في شراعك.
وستسمع أخباراً من بلدك تقول لك إن هناك اختلاسا ما حدث، وأن الوطن يتسربل بالدروع والخوذ ويسن السيوف استعداداً للدخول في نفق، تسأل الله اللطف وتتذكر زجاجة العطر التي أخذوها منك في المطار ثم تنام.
وفي الصباح نحتفل جميعاً أن الطمي الذي فينا زاد واحداً، نشرب الشاي وكأننا امتلكنا الدنيا وما فيها، ونضحك حتى البكاء على تواجدنا معا.
للتو وصلت إلى الوطن... يبعد البيت عن المطار عشر دقائق.
الحمد لله رب العالمين، الرحلة كانت سهلة لدرجة أني نمت بمجرد ركوب الطائرة واستيقظت عند هبوطها... وما بين ذلك لا أذكر شيئاً إطلاقاً سوى أن الرجل الذي كان بجانبي بدا عليه أنه مسالم ومتسامح جداً وغارق في الذكرى، ومن منا ليس غارقاً في الذكرى؟
تذكرت أني اشتريت هدايا لأبنائي، ونسيتها في قاعة الانتظار، قلت لنفسي هي لأبناء من يجدها، ونسيت كتاباً في الطائرة، وقلت لنفسي: هو نصيب من يقرأه، وعندما وصلت المنزل، تذكرت أني نسيت حلمي...هناك.
في النهاية لكل رجل فينا سعادة على مقاسه، ليست أكبر منه أو أقل، بل ما تجعله سعيداً حقاً.

قصة قصيرة:
عندما كان في المرحلة الابتدائية رسم حديقة حيوانات، فعلقوا لوحته على حائط المدرسة، وفي الثانوية رسم لحظة عناق عابرة فعلقوه من قدميه، فأصبح فناناً وشارك في معرضه الأول بلوحات كلها لبشر برؤوس نعامة.

@moh1alatwan

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا