نادي صناعة الذكاء

بوح صريح

هل يمكن تطبيق مناهج العلوم الطبيعية مثل الكيمياء، الفيزياء والرياضيات على دراسة الظواهر الاجتماعية في الزمن المعاصر بتحدياته وتناقضاته؛ لنتمكن من هندسة وتنظيم المجتمع أخلاقياً: نظرياً وعملياً، كفكرة قيمية وسلوك معاش، وأيضاً هل يمكننا تطبيق المنهج نفسه على الثقافة الدينية لكل حقبة تاريخية كما فعل كانط، روسو وهيغل.
لو تأملنا مراحل إصلاح المجتمع في أوروبا وانتقاله من عصر الظلمات للتنوير فسنجد المراحل التالية:
الإنسانية humanism
الإصلاح reformation
العقلانية rationalism
التنوير enlightenment
الحداثة modernism
العلمانية secularism
الليبرالية الديموقراطية liberal democracy
الفردية individualism
إن الدراسة المبكرة للفلسفة خصوصاً فلسفة الاخلاق، تؤدي إلى تغيير جذري في ذوق وعي وإنسانية الفرد. وجعله خلوقاً، راقياً، مهذباً حكيماً أكثر رحابة، وعمقاً وسعة أفق، متمكناً من تقدير الجمال في أصغر التفاصيل من حوله. والأهم تقربه من فهم نفسه وامتلاك أدوات التواصل الصحيحة مع الآخر وتقبل اختلافه وفهمه.
اليوم لا نحتاج إصلاحاً سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً وتربوياً. بل نحتاج إصلاحاً أخلاقياً. ثم يتبعه بقية نزاع الإصلاح تباعاً وتلقائياً. فحين تصلح أخلاق الأمة، يتبع نهوضها وتقدمها والعكس صحيح.
فالأمة التي تكثر فيها الأسئلة لا الأجوبة، هي أمة تحتضر وقرب موتها واندثارها.
شاهدت منذ أيام لافتة تقول: (نادي صناعة الذكاء.) وفكرت أننا لا نجد مثل هذا التوجه في نهج التعليم والتربية ومؤسسات الثقافة والإعلام. وأقصد بناء الذكاء وتنمية مهارات الابتكار والإبداع لدى الفرد. وهو ما تتضمنه العلوم الأخلاقية التي تدعم التواصل مع النفس، واكتشاف مواهبها وكنوزها بما يفيد الإنسان والمجتمع والأمم.
كما لا يمكن أن ننسى استمرار فكرة تمجيد الأصنام وأن فكرة المستعمر ظلت معششة في عقول السذج والضعفاء الاتكاليين من جهة، والذين يحتاجون شماعة لتعليق خيباتهم وفشلهم عليها. حتى لا يضطروا إلى تطوير أنفسهم وحياتهم للأفضل والمساهمة في تنمية ونهضة مجتمعاتهم.
متناسين أن الولاء حتى يصبح ولاء وانتماء فعلي يجب أن يكون لوطن لا لفرد. لأرض لا اسم وقبيلة ورصيد بنك او سيارة وعمران.
إن العلوم الأخلاقية اليوم أهم من العلوم المادية والفنية. فالأمة بحاجة إلى فهم وتعلم سبل وطرق الحضارة قبل شرائها واستعارتها. العلوم الأخلاقية هي بمثابة التربة الخصبة التي تهيئ الإنسان لفهم وتقبل صور الحضارة وكيفية استخدامها لبناء مجتمع صالح معاصر. الأمر ليس شراء هاتف ذكي بل قراءة التعليمات لتعلم كيفية استخدامه.
أما أن تسبق العلوم المادية تعلم الأخلاق فكارثة وخطورة تهدد استقرار وتطور المجتمع. الأخلاق هي الركيزة التي يتبعها كل علم آخر. والاستعجال في الانفتاح على العلوم والتقنيات الأخرى من دون استعداد وتهيئة الفرد لها سيؤدي لكارثة سوء استخدامها، وتنامي الأطماع والغرور والاستغلال لدى نفوس ضعيفة ساذجة لم تتلقَ العلم الأخلاقي اللازم لـ«فلترة» وغربلة العلوم الأخرى.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا