هل نملك فكرنا؟

بوح صريح

يقول الجواهري:
ويا غُصْنَ هاشِمَ لم ينفَتِحْ
بأزهر منكَ ولم يُفْرِع
تظن أن أفكارك ملكك. بالطبع لا.
إنها ثمار جهود تجميعية من هنا وهناك. ما قرأته وسمعته وشاهدته وحلمت به وما خيل إليك وظننت. هناك أفكار جمعية وأخرى فردية. وأفكار شتوية وأخرى صيفية... لكن أياً منها ليست لك. ليست ملكك. ليست من ابتكارك واجتهادك التام. في زمن الاقتباس والتقليد والقص وإعادة اللزق والتفكيك والتركيب والتصنيع والبتر والتأثير... هل نملك حقاً أفكارنا!
أليست الأفكار التي لدينا هي نتاج جمعي لجهود الآخرين. أليست هي تكرار ونسخ واقتباس وتدوير وتحوير. ألسنا عبيد ما سبق من أفكار وفلسفات ونظريات وأطروحات؟!
ثم إن لم نعرف مصدر أفكارنا. كيف يمكننا ادعاء ملكيتنا لها. لكن أليس ذلك تناقضاً في حد ذاته. إذا لم تكن أفكارنا نابعة من داخلنا. من ملكات موهبة أو ولادة لحظة إشراق. إذاً نحن مصدرها. فكيف يكون لها مصدر آخر. كيف ندعي ملكية أفكارنا.
يقول سيلين: إنّ الأساس في الأدب ليس الحكاية أو القصة، فالحكايات ملقاة على قارعة الطريق لمن يشاء، بل طريقة قصها ونسجها وروايتها.
مما يعني أن كل ما حولي متاح لي كوسيلة إلهام. مجانية. نعم. لكن عادية. طريقة تناولي لها وصياغتي وأسلوبي الحكائي والتعبيري هو الذي يجعل منها فكرة مميزة وربما عظيمة. أو جديرة بالطرح والنقاش والتداول. وربما البقاء والخلود.
إذاً هل يمكننا القول إن الذات هي نسبية بقدر ما هي مفكرة وخلافة لأفكار جديدة مبتكرة. وأنني أنا ذاتي لست تماماً أنا، إلا بشكل عقلي مبدع قادر على تشكيل فكرة. ويتبعه، فمقولة كانط: (أنا أفكر إذاً أنا موجود). يجب أن تكون: (أنا موجود. إذاً أنا أفكر). فبوجودي يتحقق إنتاج أفكاري. الفكرة لا تصنعني. أنا من يصنعها. أنا من يقوم بفعل الابتكار والخلق لها. من دون وجودي هي مجرد احتمال وإمكان. ولن تكن إلا من خلال عقلي وإلا كانت في عقل آخر. ولن توجد الفكرة إلا لو كنت موجوداً. ولم تكن قبلاً. ولو نسبياً أو جزئياً. ثم بعد ابتكار الفكرة. يتحقق وجودي، بشكله الأكبر، الأفضل، والأكثر إبداعاً وجدوى.
لذا لابد من توضيح أن هناك نوعين من الأفكار: أولي أصلي، وثانوي مكرر ومنسوخ.
وبالضرورة يتبع، أن من هو موجود لكن لا ينتج أفكاراً أولية مبتكرة وخلاقة. هو ذو وجود عادي. موجود جزئي مبدئي وغير متحقق كلياً. أما من ينتج أفكاراً أولية خاصة به ومن ابتكاره الخالص. أفكاراً أصلية غير مكررة. فهو إنسان قادر على إدراك نفسه كعقل، إنسان فاعل في المجتمع.‏
قال رئيس وزراء بريطانيا تشرشل عن شكسبير حول مكانته العظيمة: «إن بريطانيا مستعدة للتخلي عن مستعمراتها جميعاً، ولكنها غير مستعدة للتنازل عن أدب شكسبير».
لماذا؟ لأنه فعل إبداع مبتكر. خاص به وحده. غير مكرر أو مستهلك أو تابع. لكن كم شكسبير ظهر بعده.
هذا هو السؤال!

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا