مما تعلمته من السلفية!

خواطر صعلوك

لقد درست أربع سنوات تقريباً بشكل متقطع علم المصطلح والعقيدة على يد مشايخ أجلاء، كنت وما زلت أكن لهم كل الاحترام، لم أكن طالباً ملتزما بالحضور الكلي للدروس، ولو كان يحيى بن معين موجوداً بيننا وقتها لقال عني: لا يأخذ منه بالجملة، ولكن يُراجع في أسانيده بكشف الحضور والانصراف في الدرس.
وقد تعلمت من بعض الدروس التي حضرتها، أن ضبط المفردة في الحديث، وضبط الحكم على الآخرين قد يكلف أن يضيع حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو قد ينسب له ما لم يقله... والأخير أكبر مصيبة.
‏يعتقد الشيخ الألباني - رحمه الله - أن قول علماء الحديث في الرجل: مختلف فيه... أنهم لا يريدون بذلك التضعيف بل يشيرون إلى أن حديثه حسن.
دقة الألفاظ في علم الجرح والتعديل عند العلماء المسلمين تعادل ضبط المعادلات الكيميائية عند المهندسين والصيادلة.
لا أعرف أمة ضبطت كلام رسولها كما فعلنا، فقط ينقصنا الآن أن نتأمله.
واسمح لي عزيزي القارئ أن أشاركك بعض التأملات.
ربما لو عاش المرء وهو يردد «آمنت بالله» ثم يحاول أن يستقيم، ويُطعم الطعام، ويُقر السلام على من يعرف في الطريق ومن لا يعرف، ويَسلم المسلمون وغيرهم حوله من لسانه ويده، ويعلم أن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وكل الخير في الرجل الذي يكون أحسن خلقا لنسائه، وأن قول لا إله إلا الله هو الأعلى وإماطة الأذى من الطريق أدنى شعب الإيمان، وأن الحياء إحدى شعبه السبعون... ربما لو عاش رجل بهذا القدر لكان فيه كل الخير لنفسه ولأسرته ولمجتمعه ومنظومته التعليمية والدولة.
أو ربما لو عاش المرء وهو يحب لجاره ما يحب لنفسه، ويحب من حوله لله، ويبغض لله، ويعطي لله، ويمنع لله، وإذا علم في نفسه أنه لن يقول خيرا... يصمت، ولا يتدخل في ما لا يعنيه، ويكرم ضيفه، ويصل رحمه، وينصح من حوله بما عافاه الله ورزقه من الحكمة... ربما لو عاش رجل بهذا القدر من الهدى لكان فيه كل الخير لنفسه ولأسرته ولمجتمعه ومنظومته الإعلامية والدولة.
وربما لو عاش المرء وهو يعلم أنه من العار أن يكون من الخَلف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، الذين يعتقدون أن خرق السفينة من الأسفل تحت بند «الحريات والمصلحة الشخصية» لن يغرق كل السفينة ومن عليها، أولئك الذين إذا حدثوا كذبوا، وإذا عاهدوا غدروا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا خاصموا فجروا. الذين لا يساعدون صانعا ولا يصنعون لأخرق، ولا يكفون شرهم عن الناس... لو يعلم المرء أنه من العار أن يشارك هؤلاء مشاريعهم، لكان من الخير الكافي لنفسه ولأسرته ولمجتمعه وللمنظومة الإنتاجية للدولة.
وربما لو عاش المرء وهو لا يخالط المَنَّان والمُنفق سلعتهُ بالحلف الكاذب، المتكبر الذي يبطرُ الحق ويغمط الناس، ويعلم أن جزءاً كبيراً من السعادة في المرأة الصالحة والدار الواسع والمركب الهنيء والجار الكريم، وأنه طالما عنده قوت يومه وبصحة جيدة ويشعر بالأمن له ولمن يحب... فقد حيزت له الدنيا... ربما لو عاش رجل بهذا القدر من الأخلاق لكان أنفع لنفسه ولأسرته ولمجلس أمته واقتصاده والدولة.
عزيزي القارئ... إن المنظومة الأخلاقية التي حملتها السنة النبوية لنا كفيلة بجعلنا أناس سعداء، كفيلة بحل كثير من المشاكل حولنا، نملك في الكتب مئات الآلاف من الأحاديث النبوية، وهي ليست كلها يمكن تطبيقها في الحالة الفردية والشخصية، لقد تنوعت وكثرت لتنوع أحوال الناس ومقاماتهم، وربما - وأقول ربما - لو اكتفى المرء بخمس او ستة أحاديث نبوية أخلاقية وطبقها في حياته وطوال الطريق، لأصبح من الراضين والمرضيين في الدنيا قبل الآخرة.
ولأن الكلمة التي يمكن أن تقال في آخر الكلام، يجب ألا تقال في أوله، فاعلم أن الانتقال من كتب السنة النبوية إلى الموسوعات الفلسفية، والقفز على الهدي النبوة إلى طريق المشاهير والاستهلاكية... كل ذلك لم يَجلب السعادة لأحد... ولم يستفد سوى ذلك الرجل المتخم بالشحم المترهل والمتراكم عبر أموال المستهلكين حد الرقبة، وذوي الاحتياجات الخاصة ليس بسبب الإعاقة ولكن بسبب فقدان التركيز العقلي... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر.

moh1alatwan @

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا