د. عيسى محمد العميري

الكويت واستباق الأزمات في زمن الحرب والسلم
منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب الجارية حالياً في منطقة الخليج العربي، أظهرت دولة الكويت نموذجاً متقدماً في سرعة الاستجابة وحُسن إدارة الأزمات، عبر تحركات مدروسة استندت إلى رؤية استباقية وإدراك عميق لتعقيدات المرحلة. فلم تنتظر الحكومة تفاقم التداعيات، بل بادرت إلى تفعيل خطط شاملة عزّزت من خلالها منظومة الأمن الغذائي، وضمنت استمرارية الإمدادات، في خطوة عكست جاهزية مؤسسات الدولة وقدرتها على التعامل مع مختلف السيناريوهات.وقد ارتكزت هذه الجهود على تحقيق توازن دقيق بين تلبية الاحتياجات العاجلة للمواطنين والمقيمين، وبين ترسيخ حالة من الاستقرار المعيشي في ظل ظروف استثنائية. فالأزمات الكبرى لا تُقاس فقط بحدة تأثيرها، بل بمدى قدرة الدول على احتوائها وتقليل انعكاساتها على حياة الناس اليومية، وهو ما نجحت فيه الكويت بامتياز.وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة حزمة من الإجراءات الاقتصادية والرقابية التي هدفت إلى حماية السوق المحلي وضبط إيقاعه. ومن أبرز هذه الإجراءات دعم تكاليف الاستيراد في الحالات الاستثنائية، وهو ما ساهم في تخفيف الأعباء عن الشركات المستوردة، مقابل التزامها بعدم رفع الأسعار أو إعادة تصدير السلع دون الحصول على موافقة رسمية. هذا التوازن بين الدعم والمسؤولية عزّز من استقرار السوق، ومنع حدوث أي استغلال للأزمة. كما تم اتخاذ قرار حاسم بتثبيت أسعار السلع الغذائية الأساسية، بالتوازي مع منع تصديرها، لضمان بقاء المخزون داخل البلاد وتوفيره للمستهلك المحلي.ولم تكتفِ الجهات المعنية بذلك، بل كثفت من حملاتها التفتيشية على الأسواق والمخازن، للتأكد من وفرة السلع واستقرار الأسعار، ومواجهة أي محاولات للاحتكار أو التلاعب. هذه الإجراءات مجتمعة لم تكن مجرد رد فعل موقت، بل هي تعبير عن نهج مؤسسي قائم على التخطيط المسبق والاستعداد الدائم للطوارئ. فقد أثبتت الكويت، من خلال هذه التجربة، أنها تمتلك منظومة متكاملة لإدارة الأزمات، قادرة على التكيف مع المتغيرات، وتقديم حلول عملية تضمن حماية المجتمع واقتصاده. وفي هذا الصدد ولا يمكن إغفال الدور الكبير الذي لعبته مختلف الجهات الحكومية في تنفيذ هذه الخطة بكفاءة عالية، حيث تكاملت الأدوار بين الوزارات والمؤسسات المعنية، في مشهد يعكس روح العمل الجماعي والمسؤولية الوطنية. كما كان للقطاع الخاص دور مهم في الالتزام بالضوابط والتعاون مع التوجهات الحكومية، ما ساهم في تحقيق الأهداف المرجوة. كما إن ما قامت به الحكومة الكويتية في هذه المرحلة يستحق التقدير والإشادة، ليس فقط لنجاحها في احتواء تداعيات الأزمة، بل لأنها قدمت نموذجاً راقياً في الإدارة الرشيدة، قائماً على الشفافية، والسرعة في اتخاذ القرار، والحرص على مصلحة المجتمع.لقد أثبتت أنها على قدر عالٍ من المسؤولية والثقة التي أُنيطت بها، وأنها قادرة على قيادة البلاد بثبات في أوقات السلم كما في أوقات الأزمات. وفي ظل عالم تتزايد فيه التحديات، تبقى مثل هذه التجارب دليلاً على أن الاستثمار في التخطيط والاستعداد هو الضمان الحقيقي لعبور الأزمات بأقل الخسائر، وهو ما جسّدته الكويت بوضوح في هذه المرحلة الدقيقة[email protected]

محمد ناصر العطوان

لماذا ستُصبح حماقاتنا أغلى ما نملك في عام 2026!
تخيّل معي يا صديقي أننا نجلس الآن في مقهى، أرتشف قهوتي وتنظر أنت في شاشة هاتفك، ثم تقرأ لي قصيدة مذهلة عن لوعة الفراق، قصيدة تهز الوجدان وتجعل الدمع يترقرق في المآقي... أصفق بحرارة، فتخبرني ببرود أن مَنْ كتب هذه القصيدة ليس متنبياً جديداً، ولا شاعراً يكتوي بنار العشق، بل هو «روبوت» بارد، كتبها في ثلاث ثوانٍ بعد أن أعطيته بضع كلمات مفتاحية!أهلاً بك في عام 2026، العام الذي دخلنا فيه رسمياً عصر انهيار الحقيقة.لقد اعتدنا في العقود الماضية أن نبحث عن الكمال؛ صورة خالية من العيوب، نص لغوي متين، صوت نقي لا تشوبه شائبة... ولكن، ماذا يحدث عندما يصبح «الكمال» متاحاً للجميع ومجانياً؟ وماذا سيحدث عندما تتمكن الخوارزميات من توليد مقطع فيديو حقيقي تماماً لزعيم سياسي يعلن فيه حرباً لم تقع، أو صورة مفبركة ببراعة تامة تدمر حياة إنسان بريء؟عندما يغرق السوق بالذهب المزيف الذي لا يمكن تفريقه عن الذهب الحقيقي، تنهار قيمة الذهب نفسه... وفي عالمنا اليوم، غرقنا في طوفان المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، فأصبح «المزيف» هو القاعدة، وبات «الكمال» هو السلعة الأرخص والأكثر وفرة في سوق النخاسة الرقمي.هنا، وفي هذه اللحظة التاريخية الفارقة، تنقلب الموازين رأساً على عقب. ففي عالم يستطيع فيه أي حاسوب أن يكتب مقالاً عبقرياً، أو يرسم لوحة مبهرة، أو يؤلف سيمفونية معقدة، أو حتى يصنع فيلماً قصيراً مميزاً... ما الذي سيتبقى لنا نحن البشر لنتميز به؟الإجابة بسيطة وموجعة في آن واحد:.. سيتبقى لنا نقصنا!نعم يا سادة، ستصبح «اللحظة الإنسانية الحقيقية» هي العملة الأندر والأغلى في العالم. ذلك الخطأ العفوي في النطق أثناء إلقاء خطبة، تلك الدمعة الحقيقية التي تفر من عين متحدث وتفسد مساحيق التجميل، تلك التأتأة النابعة من ارتباك صادق، ذلك الرأي الشجاع في مقال صحافي والمخالف للمألوف الذي ترفض الآلة «المبرمجة على الحياد والسلامة» أن تتبناه... كل هذه النواقص ستصبح هي «العلامة المائية» الوحيدة التي تثبت أن مَنْ يقف أمامنا هو كائن من لحم ودم، وليس سلسلة من الأكواد البرمجية.لقد دخلنا عصر ما يمكن تسميته بـ «اليقين الفاخر»... قديماً، كان اليقين متاحاً للجميع؛ ترى بعينيك فتصدق. أما اليوم، فاليقين أصبح ترفاً لا يملكه إلا القلة. أن تتأكد بنسبة مئة بالمئة أن ما تقرأه أو تراه أو تسمعه هو حقيقة مطلقة، سيصبح خدمة مدفوعة الأجر، ورفاهية باهظة الثمن... سنبحث عن «الصدق» كما يبحث التائه في الصحراء عن قطرة ماء، ولن نثق إلا في الأشياء التي تحمل بصمة الضعف البشري، لأن الآلات صُممت لتكون بلا ضعف وبلا نواقص.الخلاصة يا عزيزي القارئ، أننا قضينا آلاف السنين نحاول التخلص من عيوبنا، ونخفي حماقاتنا، ونطمح للوصول إلى كمال مستحيل. واليوم، يأتي الذكاء الاصطناعي ليحقق هذا الكمال البارد، فيجبرنا على العودة إلى ذواتنا.لا تخجلوا من عثراتكم، ولا تداروا ندوبكم، ولا تحذفوا زلات لسانكم العفوية... ولا تسعوا للكمال... احتضنوا هذه النواقص وعضوا عليها بالنواجذ، فهي الشيء الوحيد المتبقي الذي يثبت أننا مازلنا على قيد الإنسانية... قبل أن تبتلعنا الخوارزميات. وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله...أبتر وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل!

د. أريج السنان

الحرب بين الصمت والفتنة
نعيش اليوم في عالم تسيطر عليه مشاعر الخوف والاضطراب، وأصبحت أخبار الحروب والظلم جزءاً من حياتنا اليومية. كثير من الناس يعانون من عدم الأمان، ويشاهدون صور المعاناة والقلق بشكل متكرر، مما يجعل الحديث عن الرحمة والعدل ضرورة ملحّة في هذا الوقت.أما غزة، فتعيش ظروفاً صعبة ومؤلمة يصعب وصفها، حيث يواجه أهلها معاناة كبيرة في حياتهم اليومية، بين خوف مستمر ونقص في الاحتياجات الأساسية بل حرمان تام، آلاف يموتون جوعاً، وآلاف تحت أنقاض بيوتهم التي دمّرتها القنابل، مع صبر عظيم لافت رغم شدة البلاء، والكلام عن غزة لا ينتهي...وفي الخليج وبعض الدول المجاورة، تسود حالة من القلق بسبب التوترات المتصاعدة، خاصة مع الحديث عن الصواريخ والمسيّرات واحتمال اتساع الصراعات. ورغم اختلاف الأوضاع من مكان لآخر، فإن شعور الترقب أصبح حاضراً لدى كثيرين.ومع هذه الأحداث، تبرز ردود فعل الناس بشكل واضح؛ فبعضهم أصبح لا يبالي ولا يهتم، نتيجة كثرة ما يشاهده من مآسٍ، والتكرار المستمر لأخبار العنف قد يضعف الإحساس بها، وهو من أخطر ما تتركه الأزمات في النفوس.وتظهر عند البعض سلوكيات سلبية مثل الاستهزاء بمعاناة الآخرين أو التقليل منها، وهو ما يضعف روح التعاطف ويقسي القلوب.وأخطر الردود؛ يتمثل في استغلال المعاناة لتحقيق أهداف سياسية أو طائفية، فإنها أزمة تكشف أصواتاً تدعو للفرقة وتثير الفتنة، فتجعل المصيبة باباً للانقسام والخصام بدل أن تكون سبباً للتراحم والوحدة، فيزداد الجرح عمقاً والألم انتشاراً.ورغم ذلك، يظل الجانب الإنساني حاضراً؛ إذ تظهر مواقف تضامن صادقة، من تقديم المساعدات والتبرعات، والمواساة بالكلمة الطيبة، والدعاء بكشف الضر، ولعل في ذلك تخفيفاً عنهم، وهذه المواقف تؤكد أن الخير لايزال موجوداً.الأزمات تبين مواقف البشر: بين صمتٍ مثقل، وفتنةٍ مفرّقة، وتضامنٍ صادق. ويبقى الاختيار بيد الإنسان في أن يكون شاهداً سلبياً على الألم، أو فاعلاً في نشر الرحمة.ويظل الوعي الإنساني ضرورة لا غنى عنها في مثل هذه اللحظات؛ وعيٌ يُعيد ترتيب نظرتنا للأحداث، ويمنحنا القدرة على فهم معاناة الآخرين، والتمييز بين الاختلاف المشروع وبين الفتنة التي تمزّق المجتمعات.aaalsenan @

سلطان ابراهيم الخلف

بين الهويّة الدينية والهوية القوميّة
عاش العرب زمناً طويلاً متفرقين، ثم جَمعهم الإسلام ووحّدهم في محيطهم العربي، ثم انطلقوا ينشرون الإسلام شرقاً وغرباً.كان طارق بن زياد، من بربر شمال أفريقيا، ولم يكن عربياً، لكنه فتح بلاد القوط براية إسلامية، لينتشر الإسلام فيها، ولتشتهر في ما بعد ببلاد الأندلس التي كانت شعلة حضارية إسلامية في أوروبا المظلمة.وتحت راية الصليب، توحّدت ممالك أوروبا ذات القوميات المختلفة والمتصارعة، ووجهت حملاتها الصليبية لتحرير فلسطين مسقط رأس المسيح، عليه السلام.وتحت راية الإسلام، قاد صلاح الدين الأيوبي، وهو من أصول كردية، جيوش المسلمين، وانتصر على الصليبيين في معركة حطين 1187م، وكان نصراً عظيماً، استعاد فيه منهم بيت المقدس، والمسجد الأقصى، بعد احتلال صليبي دام قرابة قرن من الزمان.بعد ذلك، صدّت الجيوش الإسلامية بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز الخوارزمي، وكان ملكاً على مصر، هجوم التتار وهزمهم في عين جالوت 1260 م، وطردهم من بلاد الشام، وأنقذ بلاد المسلمين من همجيتهم وفسادهم.هكذا لعبت الهوية الدينية دوراً كبيراً في جمع الكلمة وتوحيد الصفوف لمواجهة الأخطار أو تحقيق النفوذ.فقد وحّدت الهوية النصرانية الإنكليز والفرنسيس والألمان والإيطاليين، في حملاتهم الصليبية، كما وحّدت الهوية الإسلامية المسلمين وهم من أصول شتى عرب، وأتراك وفرس، وأمازيق وأكراد وشركس واستطاعوا دحر أعدائهم من مغول وصليبيين وبويهيين وصفويّين.ولا تزال الهوية الدينية تلعب دوراً كبيراً في تماسك وحدة دول الاتحاد الأوروبي، رغم تعدّد قومياتهم واختلاف لغاتهم، وصراعاتهم الدموية القديمة، وليس أدل على ذلك من تصريح المستشار الألماني السابق هلموت كول، عندما قال «الاتحاد الأوروبي هو اتحاد مسيحي».وبعد هزيمة ألمانيا والدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، نجح الإنكليز والفرنسيون في عزل تركيا عن محيطها الإسلامي وسلخها من هويتها الإسلامية التي كانت مصدر قوة وحافزاً معنوياً ساعد في صد وعرقلة محاولات الأوروبيين النصارى، من احتلال الممالك الإسلامية قروناً عدّة. وساعد الإنكليز والفرنسيون على قيام دولة تركيّة علمانية قومية تعادي الهوية الإسلامية، كما باركوا قيام جامعة الدول العربية، لأنها ذات طبيعة قومية، ولا تتمتّع بهوية إسلامية.ومع ذلك لا تزال الهوية الإسلامية تشكل مناعة قوية ضد محاولات تغريب وتهميش المجتمعات العربية والإسلامية. فبعد عقود من التغريب القومي العلماني، استعادت تركيا هويتها الإسلامية المسلوبة، والأمر لا يختلف عن سوريا، فبفضل هويتها الإسلامية، تخلّصت من الحكم الأقلوي، ولم تسعفه شعاراته القومية العروبية التي كان يتستّر بها.

عبدالعزيز الفضلي

الهمّ والحَزَن... وقهر الرجال!
دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوماً المسجد فوجد فيه رَجُلاً من الأنصار مهموماً بسبب ديونٍ عليه، فعلّمه دعاءً يقوله إذا أصبح وإذا أمسى يتضمن الاستعاذة بالله من الهم والحزن والعجز والكسل وغلبة الدّين وقهر الرجال.فقاله الرجُل فأذهبَ الله همّه وقضى عنه دَينه.الفرق بين الهم والحزن، أن الهمّ يرتبط في الأمور المستقبلية كالخوف والقلق على الحياة والرزق وغيرها.بينما الحَزن يكون على ما حصل في الماضي من فقدان عزيز أو وقوع مصيبة.كلا الأمرين يستطيع أن يجتازهما المسلم بأمان، فأما الحزن على ما وقع في الماضي من مصيبة فيتجاوزه المسلم بالصبر والرضا واحتساب الأجر، فما يصيب المسلم من أذى وجراح وتعب ونصب إلا كفّر الله بها من خطاياه، ناهيك عما ينتظره من الأجر العظيم في الآخرة، قال تعالى: «إنّما يُوفّى الصّابرون أجرَهم بغير حساب».وأما الهم على الأمور المقبلة فإنما يجتازه المسلم بالإيمان بأنه لن يحدث في المستقبل إلا ما قدّره الله، قال تعالى: «قُل لن يُصيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللهُ لنا» واليقين بأن رزقه وأجله قد تكفّل الله عز وجل بهما، فلن تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقها وأجلها.قهر الرجال من أكثر الأمور الصعبة التي قد تمر في حياة الرجل، عندما يتعرّض للظلم والغبن دون التمكن من الدفاع عن نفسه أو أهله أو ماله أو القدرة على استرجاع حقه.ومما يهون هذا الأمر على الإنسان هو يقينه بأن الله تعالى سينتقم ممن ظلمه ولو بعد حين، وأن حقه وإن ضاع في الدنيا، فإنه لن يضيع عند محكمة العدل الإلهية في الآخرة.ويؤكد هذه المعاني ما رأيناه في الأيام الماضية من تمكن الدولة السورية من القبض على المجرم الهارب أمجد يوسف، والمعروف بمسؤوليته عن مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013م، حيث قُتل في تلك المجزرة أكثر من 200 إنسان ما بين رجال ونساء وأطفال وبطريقة همجية، ثم هو اليوم خلف القضبان لينال جزاءه.إنّها العدالة الإلهية التي تُمهل الظالم لكنهالا تهمله، وتستجيب لدعوة المظلوم ولو بعد حين.لا تَظلِمنّ إذا ما كنت مقتدرافالظلمُ ترجع عقباه إلى الندمِتنامُ عيناك والمظلوم منتبهٌيدعو عليك وعينُ اللهِ لم تَنَمِX: @abdulaziz2002

م. أحمد عبدالهادي السدحان

طائرة بلا مطار!
بعد استئناف حركة الطيران في مطار الكويت الدولي وفي ظل ما حدث من التوترات الإقليمية والعدوان الإيراني واحتمالات التصعيد العسكري المتأرجح في منطقة الخليج العربي، فإن التفكير في إنشاء مطار مدني جديد آخر في الكويت أصبح مسألة ذات بُعد إستراتيجي يتجاوز الاعتبارات الاقتصادية التقليدية. وبالمناسبة فإن المطار له وضع خاص معي حيث عملت في الطيران المدني أكثر من 16 سنة، وصلت فيها لمسمى مدير إدارة الكهرباء، وكذلك رئيس قسم التحكم عن بعد أو (سكادا) وتعني الكلمة باختصار (التحكم الإشرافي الآلي لشبكة القوى الكهربائية في مطار الكويت الدولي).وعودة إلى وضع الاعتماد على المطار الحالي كمرفق وحيد فإن ذلك يشكل نقطة ضعف إلى حد ما في حال تعرضه لهجوم أو تعطّل عملياته، وهو درس، تاريخي بعد استهدافه مراراً. لذا، فإن إنشاء مطار ثانٍ بعيد جغرافياً عن الموقع الحالي سيحقق مبدأ «توزيع المخاطر» ويضمن استمرارية العمليات الجوية سواء لنقل المدنيين أو استقبال الإمدادات أو دعم الجهود العسكرية، كما أنه يخفف الضغط التشغيلي ويمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة الأزمات.ورغم أن مشروع التوسعة الحالية (T2) يوفر زيادة كبيرة في الطاقة الاستيعابية، إلا أنه لا يعالج بالكامل مشكلة الاعتماد على موقع واحد، لذلك فإن بناء مطار جديد -ولو على مراحل- يُعد استثماراً طويل الأمد في الأمن الوطني والجاهزية، خاصة في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية، وعدم الاستقرار حيث لا يقتصر دور المطار على كونه منشأة خدمية بل يتحول في أوقات الأزمات إلى عنصر حاسم في الصمود واستمرارية الدعم، فالموضوع بالطبع يجب أن يُبنى على أسس فنية معتمدة في تخطيط المطارات وفق معايير إيكاو وأياتا، إذ تشير هذه المعايير إلى أن «استمرارية التشغيل تتطلب وجود بنية احتياطية قادرة على العمل عند تعطل المطار الرئيسي، وهو ما تفتقر إليه الكويت حالياً لاعتمادها الأساسي على المطار الحالي، ولذلك فإن إنشاء مطار آخر يجب أن يراعي متطلبات فنية أساسية عدة، أولها اختيار الموقع بحيث يكون على مسافة لا تقل عن 40–60 كم مثلاً لتقليل خطر الاستهداف المتزامن مع دراسة اتجاهات الرياح لضمان تشغيل آمن، وثانيها تصميم المدارج لاستيعاب الطائرات الكبيرة، وثالثها البنية التحتية المقاومة للأزمات مثل إنشاء أبراج مراقبة احتياطية، وأنظمة ملاحة مزدوجة لضمان التشغيل في الظروف الجوية السيئة، إضافة إلى الأهم وهو تحصين مرافق الوقود ومراكز التحكم جزئياً ضد الهجمات، وهو توجه مطبق في مطارات حساسة عالمياً.كما يجب تصميم المطار وفق مفهوم بحيث يدعم الاستخدامين المدني والعسكري، مع ساحات طائرات مرنة قادرة على استقبال طائرات الشحن الثقيلة والعسكرية، وكما ينبغي ربط المطار الجديد بشبكة طرق سريعة وخط سكة حديد مستقبلي إن أمكن لضمان سرعة الإخلاء والإمداد، وهو عنصر حاسم في إدارة الكوارث.لذا، فإن إنشاء مطار جديد في الكويت ليس مجرد مشروع تنموي، بل هو مشروع سيادي إستراتيجي يساعد في المرونة التشغيلية ويضمن بقاء الدولة قادرة على العمل حتى في أسوأ السيناريوهات، ولا يلزم أن تهبط أي طائرة بلا مطار واحد فقط بل يمكن في هذا المطار أو ذاك، وهو توجه تدعمه أدبيات تخطيط المطارات الحديثة وتقارير الإيكاو، حول إدارة المخاطر واستمرارية الخدمات الحيوية، لذلك فإن اتخاذ القرار مهم ويكون مصحوباً فيه بعد النظر. والله عزوجل المعين في كل الأحوال.x@alsadhankw

د. تركي العازمي

مصيرك ليس... «خياراً»!
إلحاقاً بالمقال السابق المعنون بـ«الوقوف من جديد»! الذي حاولت فيه أن أضع التصور حول ما يجب أن نكون عليه، واليوم أود من قلب المحب أن أترك القارئ/القارئة أمام حقيقة واقعنا في الحياة الزائلة.البعض يقول ويردد أنا لازم أخطط لتأمين مستقبلي ومستقبل أولادي، والبعض الآخر غارق في التحليل و«النفاق»، في حين السواد الأعظم وَكَلَ أمره إلى الله؛ كون ما يحصل وسيحصل فيه خير و«ما فرقت معاه»، فكُلٌّ وما كتب الله له.فقط أمعن النظر وأحسن تدبر الآيتين اللتين قال فيهما عز من قائل «ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا» (الطلاق: 2 و3 )، فالتوكل على الله مهم للغاية ومهما حصل فوض أمرك إلى الله وتوكل عليه مع الأخذ بالأسباب.الشاهــد، أن البعــض يقرأ القرآن لكنه لا يتدبر معاني ســـوره الكريمة التـــي غطت كل نواحي الحياة... فلِمَ تخشى على مستقــبلك خاصة في المحن والحروب والإبتلاءات؟بالنسبة للحرب فقد بينت سورة الإسراء التفاصيل وأتمنى أن نعيد قراءتها للخروج بالموعظة الكافية.إن مصيرك ليس... «خياراً» بل هو مقدر من رب عزيز كريم رحيم غفور قوي شديد الانتقام وسيرزقك من حيث لا تحتسب... فقط توكل عليه مع العمل بأوامره والابتعاد عن نواهيه.قال تعالى «إن الحسنات يذهبن السيئات» (هود:114) وهذا فيه توجيه رباني للمؤمن بأن يسارع بالأعمال الصالحة ليمحو بها سيئات قد ارتكبها من غير أن يدرك، والإنسان بطبيعته خطاء.فعلام البحث عن مخارج ونسمح لأهل الغيبة والنميمة في مجالسنا؟ هذا السؤال أطرحه للجميع وأتمنى أن تكون الكلمات والجمل التي شكلت مقالات كتبناها وغيرنا قد عادت بالفائدة على الجميع.مصيرك... نعم مصيرك ليس خياراً تحدده وتخطط له، فهناك قضاء وقدر و(لا يرد القدر إلا الدعاء)، والله عز شأنه قد وضع الأوامر لتطبق والنواهي لنبتعد عنها كي ننجو من عقاب الآخرة.الزبدة:قابل السيئة بالحسنة، واحذر من أهل الغيبة والنميمة وطبق ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية وتوكل على الله.أسأل الله لنا ولكم توبة نصوحاً، وأن يرزقنا حسن التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب... الله المستعان[email protected]: @TerkiALazmi

سلطان حمود المتروك

هاني علي العباد... في أمن الكريم وأمانه
ديرة طيبة، يسعى أهلها للمساهمة في بنائها وتعميرها حتى تتألق بين دول الدنيا، لهم استعدادات واثقة، وميول خلاقة، ومواهب رصينة، وهم يجدون الخطى في خدمة أمهم الكويت.من هؤلاء الرجال الأخ/ هاني علي العباد.أخ كريم.. صاحبته منذ الصغر، كنا في مدرسة الصديق نذهب ونرجع إلى منازلنا معاً.ذكريات كثيرة ومتعددة ومتنوعة مع الأخ هاني.رأيته يوماً وفي حوزته دراجة جميلة، فقلت له: هيا معي ليرى والدي هذه الدراجة كي يشتري لي مثلها.قال لي إن والده لا يسمح له بأن يسوق هذه الدراجة إلا قريباً من منزلهم.طلبت منه أن ألتقي بوالده، حضر ذلك الوالد الكريم، استأذنت منه بأن يرى والدي هذه الدراجة حتى اقتني مثلها.سمح له بأن يذهب معي إلى منزلنا كي يرى والدي، رحمه الله، هذه الدراجة، وعندما رآها وعرف من أين اشتراها، ذهبنا جميعاً إلى مكان بيع هذه الدراجات واشترى لي والدي مثلها.كنا نتحاطط طوال شهر رمضان المبارك، يضع هاني روبية وأنا روبية طوال الشهر الكريم، حتى إذا جاء يوم العيد نتقاسم المبلغ فيكون نصيب كل واحد منا ثلاثين روبية، نصرفها في أيام عيد الفطر المبارك.كم هو رائع الأخ هاني! هو مثل القنديل، الذي يقترب منه يستشعر مزيداً من سمات الطيب والقلب الصافي والإشارة الواثقة نحو دروب الخير.ينطبق عليه قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (المؤمنون في الدنيا هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة).ما أروعك يا هاني! جمعت بين إخوانك وزملائك وأحبائك بالكلمة الطيبة والإشارة المحمودة، حتى تألقت بفكر رصين وخلق طيب.اللهم إنا نسألك بنور وجهك الكريم وبكلماتك التامات، أن تبارك لأخي هاني في حلول دار البلاء وطول المقامة بين أطباق الثرى، واجعل القبر بعد فراق الدنيا خير منزل له، واخلف على أهله وذويه وأحبائه وأصدقائه بالصبر والسلوان، إنك ولي ذلك والقادر عليه.أخيأرى الأيام تبسم ليبقربك حين تبتسمُوتعذب عندي البلوىويحلو المر والسقمُيهون الخطب والإملاقفي لقياك والعدموتصدح بالرؤى دنيايضاحكة وتنتظمُوكيف أخاف جائحةوأنت الحصن والحرمُفي أمان الله وحفظه يا أبا هيثم.

مقالات

حمد الحمد

في عالم... مقاريد!
هذه سالفة واحد من المقاريد، وسأشرح معنى سالفة القرادة آخر المقال، السالفة حقيقية سمعتها، حيث يقال أربعة مسافرين أقبلوا على مركز حدودي، وكان معهم واحد مقرود، بمعنى دائماً يقول كلاماً لا يثمنه، أو يخلط الجد بالهزل، عندما أقبلوا على المركز طلبوا من زميلهم هذا ألا يتكلم أمام موظفي المركز وأن يلتزم الصمت، ووعدهم بذلك، المهم موظف الجوازات العسكري بعد أن مرر جوازاتهم سألهم (أنتم أربعة؟)، بمعنى (هل أنتم فقط أربعة أشخاص؟)، هنا رد المقرود، وقال (انت شنهو تشوف؟) بمعنى (انت ما عندك عيون تشوفنا أربعة؟)، هنا استاء العسكري، وقال: (الحين أوقفوا السيارة للتفتيش وتركهم وعطلهم ساعة كاملة أو أكثر بسبب ذلك المقرود!ما أعنيه أن في منطقتنا العربية والشرق الأوسط، مقاريد، أولهم صدام حسين، راح يتحدى شعباً خارجاً من ثورة، وشن حرباً على إيران دامت ثماني سنوات، وبعدها غزا الكويت، وآخر الأمر جلب كل القوات الأجنبية لعالمنا العربي، وأثناء حكمه قطع العلاقات مع مصر، وتحدى العاقل الوحيد أنور السادات، الذي عرف أنه لا يستطيع مناطحة اليهود ولا الأميركان، وعقد معهم معاهدة سلام، واسترد ثلث أرض مصر، سيناء، بدون حرب وضرب.الأمر الآخر إيران، حكم اجتمع فيه التشدد الديني مع حكم العسكر، وسيطر على كامل إيران وراح يهدد أميركا واليهود بشعار (الموت لأميركا وإسرائيل) لمدة أربعين سنة، وعندما جاء من يهددهم لقتاله وقع في مأزق ودمار شامل لكل شبر فيه، والآن محاصر عسكرياً من قبل من يهددهم، ما نعنيه.. المقاريد الذين يهددون ولا يعون، لا أقوالهم ولا أفعالهم، حتماً سيدخلون في حروب، ولكن لو أن العقلاء نصحوا هؤلاء المقاريد بالتوقف عن التحدي لسلمنا، وآخر الأمر عربنا الذين يفترض أن نشد فيهم الظهر يلوموننا، لأننا أقمنا قواعد عسكرية أجنبية!ونذكر حكاية الرجال الذين على مركب، وفكر أحدهم أن يفتح ثغرة في المركب، فلو تركوه لغرق المركب وماتوا جميعاً، ولو نصحوه ومنعوه لنجو جميعاً، وهذا هو حالنا!نعود لسالفة معنى القرادة، القرادة كما أعرف هي كائن صغير جداً بحجم النملة شكله غير مؤذٍ، لكن إذا لصق هذا الكائن في رقبة الناقة أو الجمل تمص الدم وتسبب له الأمراض، لهذا القول الشعبي يقال (يا مال القرادة)، والله يبعد عنا المقاريد! وننتهي من هكذا حرب سببها بعض المقاريد ويعود السلام.

د. وليد التنيب

عندما يُعيد التاريخ أحداثه...
التاريخ في بعض الأحيان يبدو أنه يُعيد المشاهد، ولكن مع اختلاف الشخصيات، و مع إعادة التاريخ للأحداث فإن الإنسان الذي لديه القليل من بُعد النظر والحكمة يجب أن يتعظ ويتعلم الدروس والعبر.عندنا، خان العراق الجيرة وغزا الكويت بكل نذالة وخسّة، كانت بالطبع القضية الفلسطينية وتحرير الأقصى حاضرة كسبب رئيسي لغزو الكويت...! فطريق القدس للخونة لا بد من أن يمر عبر الكويت وقتل أهل الكويت وتدمير ممتلكات الكويت بطريقة أظهرت للجميع مقدار الحقد و الغل...تسارعت بعدها الأحداث ليتدخل العالم بقيادة الولايات المتحدة مطالبة بانسحاب فوري غير مشروط من الأراضي الكويتية المحتلة...حاولت القيادة العراقية التفاوض وغالبيتنا يذكر وزير خارجية العراق طارق عزيز، و كيف بدأ بزياراته للدول العربية وغير العربية محاولاً جمع التأييد لاحتلال العراق للكويت، لا نريد أن نخوض بتفاصيل من أيد و ساند العراق من الدول العربية فالتاريخ مخزٍ لبعض الدول...بعدها بدأت الاجتماعات التفاوضية تتوالى، حتى جاء اجتماع جنيف بين وزير خارجية الولايات المتحدة جيمس بيكر ووزير خارجية العراق، كانت المطالب الأميركية واضحة جداً وتتلخص القبول بالشروط وأهمها تطبيق قرارات الأمم المتحدة، حاول وزير خارجية العراق التفاوض بربط مسألة القبول بالشروط بالقضية الفلسطينية وبالوجود العسكري الأجنبي بالخليج وربطه أيضاً بقضايا إقليمية أوسع، والأهم هو المماطلة واللعب على عامل الوقت، بينما كان المطلب الأميركي واضحاً وهو القبول بالشروط المطلوبة لتجنب تدمير العراق والإبقاء على مقدراته، وكان هدف الاجتماع واضحاً جداً « لا نريد تدمير العراق كشعب وممتلكات وأن القيادة العراقية تتحمل مسؤولية النتائج وأن الوقت ينفد»، والتاريخ يذكر رفض وزير خارجية العراق استلام رسالة من جورج بوش الأب لأنّه اعتبر محتوى الرسالة به إهانة للعراق، وكان الرئيس جورج بوش مؤدب جداً و لم يصرح للصحافة بالمطالب كبعض الرؤساء...!كان هذا الاجتماع هو أشهر فرصة يذكرها التاريخ للعراق لتتجنب القيادة العراقية الحرب والتدمير...ها هو التاريخ يعيد نفسه، فهل يمتلك من يقرأ التاريخ الحكمة ليُجنب شعبه و أرضه الدمار، فالجيوش لم تأتِ للتنزه إنما أتت لمهمة واضحة.

خيرالله خيرالله

صورة لبنانيّة تختزل الوقاحة الإيرانيّة
هناك مجرّد صورة تعطي في بعض الأحيان بعداً سياسياً للحدث السياسي الذي يشهده بلد معيّن مثل لبنان. فعلى خلفية ما يزيد على مليون نازح وركام ما يزيد على 55 قرية وبلدة لبنانية في الجنوب، أحيت «الجمهوريّة الإسلاميّة» في بيروت، عاصمة لبنان، أربعين «المرشد» الإيراني علي خامنئي، الذي اغتالته أميركا وإسرائيل في 28 فبراير الماضي.ينمّ مشهد إحياء ذكرى خامنئي، عن وقاحة ليس بعدها وقاحة، خصوصاً أنه جلس في مقدم الحضور السفير الإيراني محمد رضا شيباني، الذي اعتبرته الحكومة اللبنانية «شخصاً غير مرغوب به». ليس بقاء السفير في بيروت، على الرغم من أنّه لم يقدّم أوراق اعتماده يوماً، سوى دليل على مدى الاستخفاف الإيراني بلبنان واللبنانيين، وهو في الأصل استخفاف فارسي يستند إلى الاستعلاء على كلّ ما هو عربي في المنطقة.تختزل صورة الجالسين في الصفّ الأوّل، بينهم وزير الصحّة، أحد ممثلي «حزب الله» في الحكومة الوقاحة الإيرانيّة في لبنان. عملياً، تختزل الصورة رهان «الجمهوريّة الإسلاميّة» المستمرّ على الإمساك بلبنان وتحويله ورقة من أوراقها. تريد إيران تأكيد أنّها لم تخرج من لبنان وأنّّها مستعدة في كلّ وقت لتحدي الدولة اللبنانيّة وإظهار مدى نفوذها في البلد.لاتزال «الجمهوريّة الإسلاميّة» تراهن على الورقة اللبنانية منذ دخول طلائع «الحرس الثوري» مدينة بعلبك في ذلك اليوم المشؤوم من صيف العام 1982. ليس صدفة اختيار «الحرس الثوري»، الذي دخل إلى سهل البقاع من الأراضي السوريّة بحجة المشاركة في مواجهة إسرائيل، التمركز في ثكنة للجيش اللبناني اسمها ثكنة الشيخ عبدالله. كان المسّ بالجيش اللبناني هدفاً أوّل لـ«الجمهوريّة الإسلاميّة» ممثلة بـ«الحرس الثوري».تبدو صورة إحياء ذكرى أربعين خامنئي، أكثر من معبّرة. إنّّها تكشف أوّلاً رفض «الجمهوريّة الإسلاميّة» الاقتناع بأن لبنان فصل مساره عن مسارها. لا تستطيع «الجمهوريّة الإسلاميّة» تصديق ذلك وتصديق أن لبنان، الذي وظفت فيه مليارات الدولارات، يسعى إلى أن يكون بلداً خارج السيطرة الإيرانيّة المباشرة. يعود ذلك إلى عجز عن التعاطي مع الواقعين الإقليمي والدولي اللذين أديا إلى انتقال الحرب إلى الداخل الإيراني بعد سنوات طويلة من نجاح منقطع النظير في استخدام الأدوات الإيرانية، خصوصاً «حزب الله» اللبناني في ابتزاز العالم والعرب. يظلّ نشاط الحزب في دول الخليج العربي، حيث اكتشفت شبكات تخريبيّة الدليل الأبرز على ذلك.لابدّ من العودة قليلاً إلى خلف لفهم كيف تطور النفوذ الإيراني في لبنان. ما بدأ بدخول «الحرس الثوري» إلى بعلبك في سهل البقاع وتمركزه في ثكنة للجيش اللبناني، في تحدّ لكل القوانين والأعراف الدوليّة، استمر بحملة إيرانيّة استهدفت الجامعة الأمريكيّة في بيروت. خطف الإيرانيون، صيف 1982، بواسطة أدواتهم اللبنانيّة رئيس الجامعة ديفيد دودج، من بيروت ونقلوه إلى طهران. ما لبثت السلطات الإيرانية أن اطلقت دودج، بعد جهود بذلها رفعت الأسد، الذي كان يسعى إلى التقرب من الأميركيين وإظهار أنّ في استطاعته أن يكون يوماً ما خليفة لشقيقه حافظ.في هذا الإطار، استطاعت إيران طرد الولايات المتحدة من لبنان. انتصرت بالفعل على الوجود الأميركي في البلد، خصوصاً بعد نسف السفارة الأميركيّة في بيروت في أبريل 1983 ومقرّ «المارينز» قرب مطار بيروت في الشهر العاشر من تلك السنة. لحقت بأميركا، لدى نسف مقر المارينز الخسائر البشرية الأكبر منذ حرب فيتنام. قتل وقتذاك 245 عسكرياً أميركيّاً.لم تتوقف الحملة الإيرانيّة على الوجود الأميركي في لبنان يوماً. لا حاجة إلى استعادة عمليات خطف الأميركيين في بيروت ولا اغتيال ملكوم كير، رئيس الجامعة الأمريكية في 1984... وصولاً إلى يوم اغتيل فيه رفيق الحريري، في 14 فبراير 2005 وما تلاه من فرض كامل للوصاية الإيرانية على البلد نتيجة الانسحاب العسكري والأمني السوري منه. بمجرد اغتيال رفيق الحريري، خرج السوري وحل مكانه الإيراني في كلّ انحاء لبنان.يوجد، في الوقت الحاضر، عجز إيراني عن تصديق أن لبنان تغيّر وأن المنطقة تغيّرت. تؤكّد صورة إحياء ذكرى أربعين «المرشد» هذا العجز الذي تحوّل إلى وقاحة. لا تستطيع بقايا القيادة الإيرانية تخيّل «الجمهورية الإسلاميّة» من دون لبنان كبلد تابع لها. هناك رفض لواقع يتمثّل في أن لبنان يستطيع استعادة وضعه كدولة مستقلّة ذات سيادة والتخلّص في الوقت ذاته من وضع اليد الإيرانية التي أخذته إلى الكارثة الحالية. إنّّا كارثة لحقت بالشيعة قبل غيرهم وبأرض الجنوب وقراه وبلداته وأهله...لن تستطيع «الجمهوريّة الإسلاميّة» الهروب من الواقع الدولي والإقليمي إلى ما لا نهاية. يبدو جليّاً أن الوقاحة التي لجأت إليها في لبنان جزء من هذا الهروب الإيراني بابعاده المختلفة. من بين هذه الأبعاد الردّ على أميركا وإسرائيل باعتداءات على دول الخليج العربي.لا يمكن الاستمرار لأي بلد في العالم متابعة الهروب من الواقع إلى ما لا نهاية. الواقع يقول إن «الجمهوريّة الإسلاميّة» خسرت كل الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزّة، أكان ذلك في لبنان أو في سوريا أو في غزّة نفسها التي أبادتها إسرائيل من الوجود مثلما أبادت في الوقت ذاته قيادة «حزب الله». تظلّ خسارة سوريا الخسارة الأهمّ لإيران كونها الجسر إلى لبنان. لم يعد من وجود لـ«الهلال» الذي كان يبدأ في طهران وينتهي في بيروت ويتمدد في اتجاه جنوب لبنان.باختصار شديد لا يمكن للوقاحة تغطية العجز. لا يغطي العجز غير الاعتراف بأن لبنان لم يعد محميّة إيرانية كما كانت سوريا في أيام حافظ الأسد وبشار الأسد، ايام كان فيها «الهلال» حيّاً يرزق.

د. عبدالرحمن الجيران

فن الإقناع الآلي
على الرغم من طول المدة من الغزو العراقي للكويت إلى اليوم، لم يتمكن العراق من بناء أسس الثقة مع دول الجوار... ولما جاء الاعتداء الإيراني الغاشم زاد الطين بلّة، بانطلاق المسيرات من أراضيه، ومع هذا الفعل هدم كل أساس للعلاقات مع دول العالم بشكل عام ومع دول الخليج بشكل خاص... بحيث يحتاج إلى نصف قرن من الزمان لإعادة هذه العلاقة مع دول الجوار من جديد!استغربت جداً في مواقف البعض في التزام الصمت (صمت القبور) عن إدانة العدوان الإيراني الغاشم على دولتنا الحبيبة الكويت. ولما استنكر الناس صمتهم أخذوا يتكلمون عن أمور أخرى ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بشجب وإدانة العدوان رغم شدة وضوح الأمور! ولعل لهذا ما يبرره مما يسمى بـ(فن الإقناع الآلي) أو فن الاضطرار إلى الاختيار... على الرغم من استخدامهم لفنون الخطابة والدعاية وفن تصوير الأفكار والآراء والتوجهات على الصورة التي تسوق الجماهير في الكويت إلى القيام بعمل مرغوب فيه وإغضاء الطرف عن الأهم؟ وهو إدانة العدوان!وهذا الفن الجديد ليس وليد اليوم والليلة، ويمكن أن يصل إلى تبديل آراء الإنسان من النقيض إلى النقيض بعملية تبديل نمط الشخصية في تكوينها العقلي، فلا يدري صاحب الشخصية كيف حدث هذا التحول في تفكيره ومسلكه، لأن تأثيره كتأثير علاج البتر للأعضاء وأنماط العلاج بالعقاقير! ويمكن تلخيص هذه العملية بثلاثة أقسام أولها التلقين والإيحاء وتليها عملية غسيل الدماغ وثالثاً السيطرة والرقابة على الأفكار...وتبدأ عملية التلقين منذ الصغر بالإكثار من الأسئلة بحيث يتمكن المُلقّن من معرفة مكنون هذه الشخصية، وبالتالي تصنيفها إلى ثلاثة أقسام أولها عسير لا يمكن تحويله. والثاني، عسير يخضع للعلاج، والثالث، سهل مطيع خاضع للإقناع الآلي... أما وسيلة غسل الدماغ وهنا يستلزم سحق الشخصية حتى تعجز عن المقاومة فيتقبل الإنسان كل ما يُلقى إليه ثم يصدقه ويؤمن به ويتعصب له... حتى يخرج من العلاج مخلوقاً آخر غير المخلوق الذي بدأت معه المحاولة. فيصبح لا أثر للوطنية عنده ولا قيمة للجنسية الكويتية التي يحملها، فقد تبدلت عنده القيم وتغيرت الموازين...أما المقصد الثالث من هذا الفن الجديد فهو تخريج المُريدين على درجات إلى التشويق بالأسرار وخلع الألقاب والمصالح، وتنظيم الندوات والمؤتمرات (المؤامرات) وعرض المناقشات، واستغلال الخفايا والرموز، وتالياً التحكم في تيسير وصول بعض أفكار الجماعة أو الحزب، وتعسير وصول بعضها أو الاحتيال على وصوله بعد إثارة الشكوك حوله وإحاطته بالتهم والشبهات! وهذه آفة استغلال الدين من أجل السياسة!تاريخياً.. امتلأت مكتبة الدراسات النفسية بمئات الملايين من المؤلفات بجميع اللغات التي كتبها علماء التربية وعلماء النفس والأطباء الجراحون تخصص (مخ وأعصاب) والأمراض العصبية... في موضوع التلقين وغسيل الأدمغة، فثبت من هذه المعلومات أن كثيراً من التجارب التي أجريت بعد الحرب العالمية الثانية تحديداً كان لها أثر فعّال في انتزاع الأوهام التي غرستها مخاوف الحرب العالمية في أذهان المقاتلين والمدنيين، وأنها قد يُساء استخدامها في محاولات غير مشروعة لتخدير الإرادة وإملاء الخواطر التي يرفضها المصاب كل الرفض لو رجع الأمر إلى صحيح اختياره، وقد يعالج بمثلها للخلاص مما أُقحم على ذهنه من الدوافع والخواطر ليملك حريته في العودة إلى ما كان عليه قبل إخضاعه لذلك (الإقناع بالإكراه).فهل تتمكن إيران بعد كل هذا الدمار من إعادة أسس العلاقة الصحيحة مع محيطها الخليجي والعربي والإسلامي؟ والجواب يرجع إلى طبيعة النظام الإيراني الجديد ومدى استيعابه الدرس!

جزا بندر الهاجري

هل بدأ التشقّق داخل بيت المرشد؟
في الأنظمة المغلقة، لا تُقاس الهزّات بما يُعلن... بل بما يُلمّح إليه. ليست العواصف دائماً في الشوارع، بل كثيراً ما تبدأ همساً داخل الغرف الثقيلة، حيث تُكتب القرارات وتُدار المصائر. ومن هناك تحديداً، خرجت جملة قصيرة -مرتبكة في ظاهرها، خطيرة في معناها- تسأل: من يتحدث باسم المرشد؟ذلك السؤال، الذي طُرح من محيط محسوب على تيار سعيد جليلي، لا يمكن قراءته كزلة لسان أو انفلات حساب على منصة. في سياق دولة تُحكم عبر تراتبية صارمة، حيث الكلمة تُوزن بميزان الأمن قبل السياسة، يصبح التشكيك في مصدر القرار ليس مجرد اعتراض... بل اختراقاً لجوهر النظام ذاته. لأن الشرعية في «الجمهورية الإسلامية» لا تقوم فقط على النص الدستوري، بل على ما يمكن تسميته بـ«احتكار الصوت» — صوت مجتبى خامنئي، بوصفه المرجع الأعلى، والمُفسّر الأخير لكل توجيه.حين يُطرح السؤال بهذه الصيغة - «إن كانت الأوامر من المرشد، فليتحدث بنفسه»- فإنه لا يستفهم، بل يُلمّح. لا يطلب توضيحاً، بل يضع احتمالاً خطيراً: أن الصوت قد اختُطف، أو على الأقل... أُعيد تفسيره من داخل الدائرة الضيقة.وهنا، يدخل النظام مرحلة حساسة من تاريخه: مرحلة الشك داخل اليقين.ليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها شقوق داخل البنية الإيرانية، لكنها من المرات القليلة التي يُطرح فيها السؤال من داخل التيار الأكثر تشدداً، لا من خصومه. وهذا فارق جوهري. لأن الخلاف بين الإصلاحيين والمحافظين كان دائماً جزءاً من توازن محسوب، لعبة داخل النظام لا تهدد قواعده. أما حين يبدأ التشدد نفسه بالتشكيك... فالمعادلة تتغير.في علم السياسة، تُعرف هذه اللحظة بـأزمة المصدر (Crisis of Authority Source)—حين لا يعود الخلاف على القرار، بل على من يملك حق إصداره. وهي أخطر بكثير من أي معارضة تقليدية، لأنها تضرب “مركز الثقل” بدل الأطراف.قد لا يكون هناك انقلاب. بل من شبه المؤكد أنه لا يوجد انقلاب بالمعنى الكلاسيكي. لا دبابات في الشوارع، ولا بيانات تُتلى عبر الإذاعات. لكن التاريخ لا يُكتب دائماً بهذه الصورة. أحياناً، يبدأ الانقلاب الحقيقي بفكرة... بفجوة صغيرة بين القائل والمنسوب إليه القول.داخل الحرس الثوري، الذي يُنظر إليه غالباً كجسم صلب، تتقاطع المصالح أكثر مما تتوحد. هو ليس كتلة واحدة، بل شبكة معقّدة من النفوذ العسكري والاقتصادي والأمني. وفي مثل هذه الشبكات، لا تظهر الانقسامات كصدام مباشر، بل كتباين في التفسير، واختلاف في قراءة اللحظة. ومن هنا، يصبح التساؤل عن «من يكتب البيانات» ليس تفصيلاً، بل مفتاحاً لفهم صراع أعمق: صراع على من يملك حق تفسير إرادة المرشد.المفارقة أن الأنظمة التي تبني قوتها على المركزية الشديدة، تصبح أكثر هشاشة حين يُصاب المركز بالضبابية. لأن كل الأطراف تتحرك حينها بحثاً عن يقين بديل. وفي غياب الصوت المباشر، تتكاثر «النسخ» من الصوت... وتبدأ الفوضى الصامتة.يقول هنري كيسنجر إن «السلطة الحقيقية هي القدرة على تحديد ما يُعدّ واقعاً»، وفي هذه اللحظة تحديداً، يبدو أن الصراع في طهران لم يعد على القرار... بل على تعريف الواقع نفسه.السؤال الحقيقي إذاً ليس: هل وقع انقلاب؟بل: هل فقد الصوت الواحد نقاءه؟لأن اللحظة التي يُشكك فيها الأهل في البيت في صوت بيتهم... هي اللحظة التي يبدأ فيها التاريخ بكتابة فصل جديد، دون أن يُعلن ذلك لأحد.X:Jzabandr

ناصر الغيث

السرعة
«وقل رب زدني علما»أخي العزيز...السرعة، وما أدراك ما السرعة... وقد جاءت في القرآن الكريم بلفظين هما العَجَلة والسرعة كقوله تعالى «وكان الإنسانُ عَجُولاً»، وقوله تعالى: «كلّا بل تُحبون العاجلة، وتذرون الآخرة».كذلك ورد التعجيل بالمسارعة في قوله تعالى: «وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم...»، وانظر إلى كلامه سبحانه أنه ينطبق على أكثرنا.وقد خُلقت السرعة والعجلة مع الإنسان مع خلق أبينا آدم عليه السلام، كما ورد في الأثر أن أبانا آدم، لما أراد الله سبحانه وتعالى خلقه كان جسمه من طين، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل منه إنساناً فنفخ فيه الروح من رأسه فأخذت تسري في جسده داخلةً من رأسه فلما وصلت إلى منتصفه فتح عينيه وشاهد ذلك ووضع يديه على الأرض يريد أن يقوم فلاحظ أن نصفه الأسفل كان مازال طينياً لم تدب فيه الروح بعد، يا أبانا إن نصفك الأسفل مازال طينياً فكيف ستقوم؟! فقال الله سبحانه وتعالى: «خُلق الإنسانُ من عَجَل».العجلةُ قد ورثناها من أبينا آدم عليه السلام فلا تتعجب إذا لاحظت أنك تحب السرعة في معظم الأحوال، لكن الإنسان العاقل لا يدع السرعة تتحكم فيه.مثال على ذلك وأنت تقود سيارتك تجد بعض الشباب يمر عليك كالصاروخ، لماذا العجلة يا أخي وقد يكون من الشياب أيضاً عند السؤال يقول لك لكي أوفر الوقت.يا أخي كم ستوفر من الوقت خمس دقائق، ولو فرضنا عشر دقائق، هل هذه الدقائق المعدودات مهمة جداً بحيث لا قدّر الله أن يقع لك حادث قد تفقد فيه حياتك وحياة الآخرين معك..إنه استهتار وحُمق لا تدري بعد أي حادث لا قدر الله قد تموت أو تبقى معاقاً طيلة حياتك فاحفظ نفسك واتعظ بغيرك.الأيام تمر سريعاً، اليوم يمضي كالبرق كذلك الشهر والسنة إيقاع سريع، بل إيقاع سريع جداً فلا تدع اليوم يمر عليك بلا فائدة، تقول كيف؟ أقول لك اعمل من الطاعات ما تقدر عليه وتجنّب المعاصي وتحلّ بالصبر في كل الأمور تفلح واجعل الدنيا مطيّة للآخرة، ولا تجعلها كل همّك فتبوء بالخسران المبين، اعمل واعمل، ولا أقول قل وقل... فثمرة الأعمال خير وأرجى عند الله من ثمرة الأقوال واجعل من أعمالك سفينة تجري بك في هذا البحر الهائج من الشهوات والشبهات حتى تصل إلى مبتغاك... عافانا الله وإياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.

كمال كبشة

الحرب... بلا زر إيقاف
في هذا الزمن لم تعد الحروب تبدأ بصرخة ولا تنتهي ببطولة، بل تُدار من خلف شاشات باردة بضغطة زر وبأوامر تُكتب فتُنفّذ. لم يعد من يشعل الحرب يرى وجوه ضحاياه ولا يسمع أصوات المدن وهي تنهار، كل ما يراه شاشة وأوامر ونتائج، وهنا تبدأ الحكاية حين تتحول الحروب إلى نظام ويتحول الإنسان إلى رقم داخل عملية تنفيذ.ابدأ التنفيذ... فبدأت الحرب بقرار بارد لم يسمع صرخات أحد.وسّع النطاق... فاتّسعت الجبهات وامتدّ اللهيب إلى مدن لم تعرف يوماً معنى المعركة.ارفع الجاهزية... فارتفعت الصواريخ وانخفض الأمان في قلوب الناس.حدّد الأهداف... فضاعت الحدود ولم يعد هناك فرق بين موقع عسكري وبيت بسيط ومطار مدني ينتظر مسافراً لا يعرف أن رحلته لن تقلع أبداً.نفّذ الضربة... فتم التنفيذ بدقة وسقطت النوافذ قبل أن تسقط الأهداف وسقط الخوف في عيون الأطفال قبل أن يسقط أي موقع.اقصف المطار... فتتوقف الرحلات، ليس فقط رحلات الطائرات بل رحلات الأمان والعودة واللقاء.تابع العمليات... فاستمر القصف واستمر معه سؤال بسيط لا يجيب عنه أحد: ما ذنب هؤلاء؟ ما ذنب أم كانت تنتظر عودة ابنها؟ ما ذنب طفل كان يحلم بإجازة فإذا به يحفظ صوت الانفجار بدلاً من أسماء الألعاب؟احسب النتائج... وستكتشف أن الأرقام لا تبكي لكن أصحابها يفعلون، فلا تُحسب الخسائر أرقاماً فقط بل وجوهاً وأرواحاً، ولا تُقاس النتائج بما سقط من جدران، بل بما سقط من حياة.وعندها فقط ندرك أن ما يسير كأنه نظام دقيق هو في الحقيقة نظام بلا قلب، ينفّذ الأوامر التي تُشعل النار بسرعة، ويتجاهل الأوامر التي تُنقذ البشر.أوقفوا النار...احموا المدنيين...تراجعوا قبل أن ينهار كل شيء...وهكذا تستمر الحرب، ليس لأن القوة هي الحل، بل لأن العقل غاب، والإنسان تأخر، والقرار صار مجرد أمر بلا ضمير. الحرب لم تعد كارثة، الكارثة أن من يديرها لم يعد يرى أنها كارثة.