حسين الراوي

لقاء في غرفة سوداء
«إذا مات شاعرٌ في مكان ما من هذا الوجود ماتت في مكان آخر شجرة، وتساقطت أوراقها قبل الفجر. إذا مات شاعرٌ انطفأت نجمةٌ، وتخاصم حبيبان، وضاع خاتمٌ، وأصبحت الدنيا أقل».في حياة غازي القصيبي، محطات كثيرة، بين الوزارة والدبلوماسية والأدب، لكن بعض اللحظات لا تُقاس بالمناصب، بل بعمقها الإنساني.ومن بين هذه اللحظات، تبرز زيارةٌ عابرة في ظاهرها، لكنها خالدة في معناها وهي لقاؤه بالشاعر حمد الحجي، داخل مستشفى الصحة النفسية بالطائف (شهار).لم تكن زيارة بروتوكولية، بل مواجهة صامتة بين إنسانين: أحدهما يملك السلطة... والآخر فقد كل شيء.وُلد حمد الحجي عام 1938، وظهر مبكراً كصوت شعري مختلف، يحمل حساً مرهفاً ونبرةً حزينة تنبئ بموهبة كبيرة. لكن هذا الصوت لم يكتمل. في مطلع شبابه، أُصيب باضطراب ذهاني مزمن (فصام)، كما توثّقه الدراسات الحديثة، ومنها كتاب قصة حمد الحجي: قراءة طبية جديدة.هذا المرض لم يسرق وعيه بالكامل، بل جعله يعيش حالة أكثر قسوة: وعيٌ حاضر... بلا قدرة على التعبير، إحساسٌ عميق... بلا كتابة، شاعرٌ داخلي... بلا صوت. ولهذا، حين سُئل لاحقاً عن الشعر، لم يقل إنه نسيه، بل قال: «جفّ المداد»، وهي عبارة تختصر مأساة كاملة: ليس فقدان الإحساس، بل فقدان القدرة على إخراجه.تنقّل الحجي، بين محاولات علاج متعددة، قبل أن يستقر في مستشفى شهار، حيث قضى سنوات طويلة من حياته. لم يكن دائماً غائباً عن الواقع، لكنه لم يعد قادراً على العودة إليه. كان يعيش بين خوف داخلي دائم، انسحاب من الناس، ومضات وعي قصيرة، يعقبها انطفاء. تحوّل من شاعرٍ واعد إلى نزيلٍ طويل الأمد، يعيش على هامش الحياة... لا خارجها تماماً، ولا داخلها.في عام 1403هـ، زار القصيبي، المستشفى بصفته وزيراً للصحة. دخل على الحجي، فوجده في غرفة مظلمة، مطلية بالسواد، باردة... كأنها خارج الزمن. لم يكن السواد لون الجدران فقط، بل انعكاساً لحالة إنسان. اقترب منه، وسأله: «ماذا عن الشعر؟» فارتدت نظرة شاردة، أومضت لحظة... ثم خمدت. وجاء الجواب: «جفّ المداد».ثم سأله القصيبي: «ماذا تريد؟» فأجاب الحجي: «واحدة!» سيجارة.في هذه الكلمة، انهار كل شيء، لا طلب للشفاء، لا رغبة في العودة، لا حلم، فقط حاجة بسيطة يمكن الإمساك بها.وتشير القراءة الطبية إلى أن هذا الطلب ليس عابراً، بل هو تعبير عن آخر ما تبقى من إحساس بالسيطرة في عالم فقد فيه الإنسان السيطرة على ذاته.خرج القصيبي، من اللقاء محمّلاً بمالا يُقال، فكتب:عندما زرتهفي المكان الذيصبغت كل ألوانه بالسوادكان في غرفة باردةوأساريرهجمرة خامدةقلت (ماذا عن الشعر؟!)فارتدت النظرة الشاردةأومضت لمحةثم عاد الرمادقال: (جفّ المداد)قال: (أشكوا لوني والسهادهل لديك الدواء؟)قلت: (لا! يا حمد!)ليت عندي الشفاءكلنا من ضحايا العناءكلنا نشتكيدمع أيامنا الجاحدةقلت (ماذا تريد؟)قال... (واحدة!!)قمت من عندهحاملاً في دميكل حزن المكان الذيصبغت كل ألوانه بالسوادفي هذه القصيدة، لا يظهر القصيبي كوزير، بل كإنسان: «ليت عندي الشفاء»، جملة تختصر كل شيء، وزير الصحة لا يملك العلاج، والنظام يقف عاجزاً أمام فرد، القوة تتكسر أمام الألم. ثم يقول: «كلنا من ضحايا العناء»، وهنا يحدث التحوّل الأعمق، لم يعد هناك وزير ومريض، بل إنسانان، يتقاسمان الهشاشة نفسها.هذه القصة ليست عن شاعرٍ فقط، ولا عن وزير، بل عن لحظة نادرة: لحظة يرى فيها المسؤول حدود سلطته، ويرى فيها الشاعر حدود إنسانيته.حمد الحجي، لم يكن مجرد مريض، بل تجربة إنسانية مكتملة في الألم، وغازي القصيبي، لم يكن مجرد شاهد، بل من نقل هذه التجربة إلى الذاكرة.في غرفةٍ سوداء داخل مستشفى، لم يُكتب تقرير رسمي، بل وُلدت قصيدة، ولم تُحلّ مشكلة... لكن كُشف شيء أعمق: أن الإنسان، مهما علا، يبقى عاجزاً أمام الألم، إلّا من كلمة، وأحياناً... سيجارة!

سارة النومس

أب يهلوس
في يومٍ ما، رأيتُ القلق واضحاً على زميلي. كانت عيناه تنظران إلى مكانٍ لا أحد يعرف ما هو وأين، لكن من المؤكد أن ذلك المكان لم يكن آمناً. قال، ولا تزال عيناه معلّقتين في الهواء: ماذا سيحدث لأبنائي عندما أموت؟ سيضيعون بالتأكيد فأجبته: الله موجود يا (سوبرمان)، وربما سيصبحون أكثر استقراراً بعد أن يرثوك. رد: أنا لا أثق بالزمان الذي نعيشه ولا بالناس الموجودين. فقلتُ، بسخرية لم أستطع كبحها: كنتُ سأتأثر لو كان الأب الذي يتحدث يقضي يومه كاملاً بين أبنائه ويرعاهم، لكن حياتك معلّقة بالسفر والترحال.فكرة أن ترسل لهم كل يوم عشرة دنانير لا تعني أنك أصبحت أباً مثالياً، وانقطاع هذه العشرة بعد وفاتك لن يرميهم في الشارع.ربما كنتُ قاسية، لكن بعض الناس يحتاجون صراحةً مؤلمة كي يفيقوا من وهمهم؛ كأن الشمس ستشرق من الغرب، أو أن العالم سينهار فجأة، وتندلع الحروب في كل القارات، وتمطر السماء ناراً، ويعمّ الفقر الأرض. بينما واقعه يقول ببساطة: أنا غير موجود فعلياً في حياة أبنائي ولسانه يصرّ على: لن يستطيع أبنائي العيش من دوني هناك انفصال واضح بين الصورتين. كما أن بعض الآباء لا يعون أن التربية ليست «تقديم المصروف»، بل هي شيء أعمق بكثير من هذه الصورة السطحية الهشة.يعيش هذا الرجل شخصيتين في جسدٍ واحد: شخصية داخلية تقول: أنا رب الأسرة وعمود البيت، وشخصية أخرى تقضي وقتها خارج المنزل، ولا تعود إليه إلّا للنوم. هذا التناقض هو ما ولّد التوتر الداخلي، والقلق المستمر من فكرة أن حياة الأبناء ستتدمر بعد وفاته. وربما، في أعماقه، يختبئ شعورٌ بالذنب بسبب إهماله لهم، لكن المشكلة أن المال ليس علاجاً لتأنيب الضمير. لا أستطيع التشكيك بعاطفته، فهو يحب أبناءه لكنه يربيهم بظنونه، لا بحضوره. وأعتقد أن خوفه الحقيقي، الذي لا يجرؤ على الاعتراف به، ليس ضياعهم بعد موته، بل أن يعيشوا بشكلٍ طبيعي من دونه. وهذا هو الطبيعي أصلاً. فالطفل اليتيم يعيش والأبناء الذين فقدوا والديهم في الحروب يكبرون، والحياة مهما فقدت، تستمر.نعم، وجود الأب والأم مهم جداً، لكن غيابهما لا يعني انتهاء الحياة. فالله هو الحافظ والرزاق وهو الذي يتكفّل بكل إنسانٍ وحيوانٍ ونبات.قد يصبح أحد أبناء هذا الرجل أغنى منه ويعيش أفضل من الحياة التي كان يرسمها له والده.فلِمَ كل هذا الخوف المُبالغ فيه؟لقد ماتت شخصيات عظيمة خلّدها التاريخ، واستمرت الحياة. بلايين من البشر رحلوا، ونسيهم العالم، وسنُنسى نحن أيضاً.فلِمَ القلق على من سيعيش بعدنا؟

خيرالله خيرالله

أهمّية لبنان بالنسبة إلى إيران!
أكثر من أي وقت تكشفّت مدى أهمّية لبنان بالنسبة إلى النظام الإيراني الذي لايزال يرفض الاعتراف بأن المنطقة تغيرت. كان إطلاق إيران صواريخ في اتجاه إسرائيل، ردّاً على قصف الضاحية، بمثابة محاولة إيرانيّة أخرى لتأكيد الوقوف مع «حزب الله». لا يتعلّق الأمر بأكثر من ذرّ للرماد في العيون في حين تستمر المأساة اللبنانية، مأساة أهل الجنوب الذين دمرت قراهم وجرفت وصاروا نازحين في مختلف الأراضي اللبنانيّة.مرّة أخرى تعيش «الجمهوريّة الإسلاميّة» في عالم خاص، علما أنّّه يفترض بها التصالح مع الواقع الإقليمي الجديد. يكفي أخذ العلم بخروج «الحرس الثوري» من سوريا لإعطاء فكرة عن حجم التغيير في المنطق. لم تعد سوريا امتداداً لـ«الهلال» الفارسي الذي يبدأ في طهران ويمر في بغداد ودمشق... وصولاً إلى بيروت حيث صار السفير الإيراني محمد رضا شيباني، «شخصاً غير مرغوب به»، من وجهة نظر السلطة اللبنانيّة.تعتبر إيران أنّ وجودها في لبنان، يؤمّن لها السيطرة على قراره الوطني، بل إنّّه جزء لا يتجزّأ من قدرتها على امتلاك أوراق في المفاوضات مع الولايات المتحدة، يبدو واضحاً أن الاعتداءات التي تشنها على دول الخليج العربي تندرج في سياق هذه الإستراتيجية، إستراتيجية تجميع الأوراق. وهي إستراتيجيّة تحدّث عنها صراحة الرئيس جوزف عون، في حديثه الأخير إلى «سي. إن.أن». كان رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة في غاية الوضوح عندما اعتبر أنّه ليس مقبولاً أن يكون لبنان «ورقة مساومة» بين إيران والولايات المتحدة.من لبنان، إلى دول مجلس التعاون الخليجي الست، تبدو الإستراتيجية الإيرانيّة واضحة كلّ الوضوح. لكنّ ذلك لا يحول دون التساؤل أي مستقبل للعلاقة بين إيران وجيرانها العرب مستقبلاً، هذا إذا وضعنا جانباً العراق. ما مستقبل العلاقة الإيرانيّة - الخليجيّة في اليوم التالي لانتهاء الحرب الدائرة حالياً؟الأكيد أن إيران، بغض النظر عن ظروف علاقتها بلبنان، فقدت ثقة دول الخليج العربية الست المنضوية في مجلس التعاون. تبيّن أن كلّ الكلام الصادر، في الماضي عن طهران، والذي يتعلّق بالتعاون من أجل صدّ التدخلات الخارجية وبناء سياسة مستقلّة لدول المنطقة بعيدة عن المحاور، لا علاقة له بالواقع والحقيقة لا من قريب أو بعيد. كان كلاماً إيرانيّاً مضحكاً مبكياً لا ترجمة له على أرض الواقع في أي بلد من دول المنطقة. كذلك، تبيّن أن كل ما تسعى إليه إيران هو الهيمنة على المنطقة وجعل مركز القرار الإقليمي في طهران. لا يدلّ ذلك سوى على جهل بطبيعة دول مجلس التعاون الخليجي. من بين الأخطاء الأساسية التي يرتكبها النظام الإيراني عدم ادراك ما حققته دول الخليج العربي من تقدم وتطور على صعد مختلفة. لماذا لا تحاول «الجمهوريّة الإسلاميّة» تقليد التجارب الخليجية بدل العمل على ابتزاز دول مجلس التعاون؟ إلى أين يمكن أن يأخذها هذا الابتزاز؟تبيّن، فوق ذلك كلّه، أنّ «الجمهوريّة الإسلاميّة» لم تتخل منذ لحظة قيامها في العام 1979، عن شعار «تصدير الثورة»، أي تصدير الثورة إلى دول الجوار. فشلت في ذلك في البداية. كان ذلك بفضل العراق في عهد صدّام حسين، الذي شكّل، على الرغم من كلّ ارتكاباته وغبائه السياسي، حاجزاً حال دون التمدد الإيراني في العراق نفسه وفي دول المنطقة. لا يمكن تجاهل أن العراق خاض حرباً استمرّت ثماني سنوات مع إيران. انتهت هذه الحرب في 1988، بأن اضطر آية الله الخميني إلى القول إنّه مضطر لتناول «كأس السم».لكنّ الولايات المتحدة، ما لبثت أن قدّمت العراق على صحن من فضّة إلى «الجمهوريّة الإسلاميّة». قلبت أميركا المعادلة الإقليميّة رأساً على عقب. عملياً، أعطت إدارة جورج بوش الابن، الضوء الأخضر لإيران كي تتغلغل في العراق. في النهاية، عادت الميليشيات العراقيّة التي قاتلت الجيش العراقي طوال ثماني سنوات إلى بغداد من طهران. عادت إلى العاصمة العراقيّة... على دبّابة أميركيّة.درس تسليم العراق إلى إيرانهل تعلّمت الولايات المتحدة شيئاً من درس تسليم العراق إلى إيران؟ لايزال صعباً الإجابة عن هذا السؤال. سيتوقف الكثير على كيفية انتهاء الحرب الدائرة حالياً بين أميركا و«الجمهوريّة الإسلاميّة»، على نار حامية أحياناً وعلى كلام عن وقف للنار في أحيان أخرى. هل ستنتهي هذه الحرب بصفقة؟ ما طبيعة هذه الصفقة؟ هل ستكون دول الخليج مطلعة عليها وعلى تفاصيلها أم لا؟الثابت أنّ طبيعة الصفقة التي يسعى إليها دونالد ترامب، ستكون له أهمّيته ليس على مستقبل العلاقات بين طهران وواشنطن فحسب، بل على صعيد العلاقة الإيرانيّة – الخليجيّة أيضاً.في العام 2003، كانت الانطلاقة الجديدة للمشروع التوسّعي الإيراني من العراق. توسّعت هذه الانطلاقة في كلّ الاتجاهات مع تركيز خاص على لبنان حيث تم اغتيال رفيق الحريري، بغية القضاء على أي أمل باستعادة لبنان عافيته وعودته إلى خريطة الشرق الأوسط. مهّد اغتيال الحريري الأب، لوضع اليد الإيرانيّة على لبنان في الكامل في ضوء اضرار الجيش السوري إلى انهاء احتلاله للبلد.من الآن، على الرغم من كلّ التعقيدات التي ترافق الاتصالات الدائرة من أجل الوصول إلى صفقة أميركيّة – إيرانيّة، يخشى من استخفاف أميركي بأهمّية وضع حدّ للإستراتيجيّة الإيرانيّة القائمة على فكرة الابتزاز. ابتزاز لبنان... وابتزاز كلّ دولة من دول الخليج العربي.هل تغيّر شيء بين 2003 و2026؟ هل بات لدى أميركا إستراتيجية تواجه بها الإستراتيجيّة الإيرانيّة ذات الانعكاسات السلبية على بلد مثل لبنان وعلى دول مجلس التعاون في الخليج؟

د. عبدالرحمن الجيران

الكل لابس الحزام!
الكويت بلد (المحافظة) وكل ما فيها من تراث وقِيم وأعراف وأصالة باقٍ على وتيرته، متصل بين ماضيه وحاضره، وروح الحياة فيها لا تعرف إلا جسداً واحداً بلباسه الشعبي المعهود... ولا يخطر على بال القوم أنها قادرة على إنشاء جسدٍ سواه وابتداع لباس غيره!ومثال هذه المحافظة نجد الأسوار التي شيّدها الآباء والأجداد (الدراويز) وهي المعالم الباقية من السور الثالث الذي شُيّد في مايو 1920 ميلادي لحماية المدينة من عاديات الزمان ... وهذه الآطام المخلدة في (الصبية وفيلكا) وهذه القبور المصونة (مقبرة هلال المطيري، مقبرة الصالحية، المقبرة الجعفرية القديمة ومقابر غير المسلمين) والوراثة المفروضة في العادات والتقاليد ما هي إلا أمثلة أخرى لطبيعة (المحافظة) التي غَبَرتْ عليها الأجيال... وهذه الرمال على شاطئ البحر (السيف) تحتفظ بكل وديعة تُلقىٰ إليها... وهذه السماء التي تظلل الكويت وتشهد تحوّل الأزمنة والفصول وهي على عهدها لا تتبدل ولا تتحول!وها هي الكويت اليوم باقية ومحافِظة على ما شهدها عليه آباؤنا الأولون خصوصاً في العلاقة بين الحاكم والمحكوم... فللكويت أثر خالد في كل مكان في العالم وحصة باقية في كل ما تخيّل الناس به معنى للإنسانية، ولكن هناك من الناس من ينصرون كل حديث على كل قديم مخافة الاتهام بالرجعية والجمود؟... وحين تسألهم ما رأيكم بالحرية والديمقراطية وتقليد الغرب والانفتاح على وسائل التواصل الاجتماعي كل ذلك مجاناً بلا قيود؟فستجدهم من أنصار كل جديد وأعداء كل قديم، وليس ذلك عن علم وخبرة وبصيرة إنما غاية الأمر مجاراة كمجاراة الجامدين لحكم العادة وآراء شُذاذ الآفاق! وشرذمة المنفيين!فهذه الحريات المنفلتة ضرب آخر من الجمود الذي لا نريده للكويت... ولسنا أحراراً حين ندور مع الأفكار الدخيلة والطارئة كما يدور طلاب الأزياء وصرعات الموضة وكل خاطرة تعن في الأذهان!فلنكن إذاً جريئين على الجديد الوافد جرأتنا على القديم الآسن، ولنتعود ننتقد الحضارة الأوروبية كما ننتقد من سلف من حضارات طُويت مع الزمان بالحسن فيها والقبيح... إننا نريد أن نكون أحراراً في طلب الحرية لئلا نطلبها كما يطلبها (المماليك) المسخّرون للخدمة فقط!فمن الحرية التي نريدها أن نعرف سلفاً حدود (حرية الرأي) نفسها وأن نفهم أيضاً أنها ضرورة عجز لا تُستحب لو كان الناس قادرين على الإنصاف في منع الأفكار الشائنة والممجوجة وإطلاق الأفكار الخلّاقة الصائبة... فليست إباحة الحرية الفكرية لكل إنسان إلا ضرورة ألجأنا إليها علمُنا بعجزنا عن التمييز وقلة إنصافنا مع المخالفين... ومن ذا الذي يدعو الى إطلاق الحرية الفكرية لكل من أرادها إلا أن يكون متهوكاً أو جاهلاً بمعنى وعواقب ما يقول؟ونحن حين نأذن لكل فكرة بالظهور (بالإعلام - أو المناهج التربوية) كمن يُقبِّلُ جبلاً من التراب لئلا يخسر جوهراً قد يكون مخبوءاً فيه؟أو كمن يُغربل آكاماً من الهشيم طمعاً في العثور على إبرة الخياط؟وفي ذلك إسراف لا يسوغه إلّا العلم بأن الحجر المطلق على العقول شرُّ ولكن أدهى منه المجازفة بالسباحة أمام طوفان الحريات!وما أحوجنا اليوم إلى شيء من روح التجديد وعقيدة الخلق والمبادرة... فليس أصلح للعقل (الكويتي) اليوم في هذه اليقظة التي يتيقظها الآن من الجرأة على التفكير الحُر (السليم) والقدرة على انتزاع المنازع المستقلة عن رسوم الأحزاب الفكرية والسياسية من أسر قديم لا فضل له غير القِدم ونخرج بها عن سُنة موروث لا تحفظه إلا سهولة العادة وصعوبة الإبداع!بهذا الخُلق وهذا الفكر الذي قاده أسد الجزيرة الشيخ مبارك الصباح، طيب الله ثراه، ويقوده اليوم أحفاده البررة دامت الكويت بفضل الله ودام الإسلام فيها، فلولا صلابة العقيدة وصبر على شظف العيش لعفىٰ الزمان ومحىٰ ثوابت القيم وركائز التاريخ وهذا كله يتطلّب جهداً جهيداً وصبراً جميلاً، لنحصل على الجيل الذي يحمل الراية ويتقدم الصفوف بالعلم والعمل. وكفانا ما اصطلينا به من نار التبعية للشرق والغرب، وآن لنا أن نرسخ أعلام الهوية الوطنية ولنتمثل كلمة الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد،طيّب الله ثراه، حين قال (الكويتي أنفع) فهل من مُدّكر؟

د. نادية الخالدي

ماذا يبقى من الإنسان؟
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم فيه المسؤوليات، أصبح الإنسان يملك كل وسائل التواصل مع الآخرين، لكنه في كثير من الأحيان يفقد التواصل مع نفسه.نرى الوجوه مبتسمة، والحسابات مليئة بالصور، والإنجازات تُعرض أمام الجميع، لكن خلف ذلك قد توجد قلوب متعبة وأرواح تبحث عن لحظة هدوء وطمأنينة.الحياة لا تقاس بعدد الأيام التي نعبرها، بل بعمق اللحظات التي نعيشها بصدق. فكم من شخص امتلك المال ولم يمتلك الراحة، وكم من شخص حقّق نجاحاً كبيراً لكنه ما زال يبحث عن الشعور بالأمان.إن أعظم رحلة يخوضها الإنسان ليست إلى مكان بعيد، بل إلى أعماق ذاته؛ حيث يواجه مخاوفه، ويتصالح مع جراحه، ويعيد اكتشاف قيمته الحقيقية.لقد علمتنا التجارب أن القوة ليست في عدم السقوط، بل في القدرة على النهوض بعد كل تعثر. وأن النضج لا يعني أن تختفي المشكلات من حياتنا، بل أن نمتلك الحكمة التي تجعلنا نتعامل معها بطريقة مختلفة. فكل أزمة تحمل درساً، وكل خسارة تحمل رسالة، وكل نهاية قد تكون بداية جديدة أكثر إشراقاً مما نتخيل.ومن المؤسف أن كثيراً من الناس يقضون أعمارهم وهم ينتظرون الظروف المثالية ليشعروا بالسعادة، بينما السعادة الحقيقية تبدأ عندما نتعلم الامتنان لما نملك، ونعرف أن السلام الداخلي لا يأتي من الخارج، بل يُبنى من الداخل.فحين يتصالح الإنسان مع نفسه، يصبح أكثر قدرة على الحب والعطاء والإنجاز.إن العالم اليوم بحاجة إلى مزيد من الرحمة، وإلى كلمات تداوي بدل أن تجرح، وإلى أشخاص يزرعون الأمل بدل أن ينشروا الخوف. فربما تكون كلمة صادقة سبباً في إنقاذ إنسان من اليأس، وربما يكون موقف إنساني بسيط نقطة تحول في حياة شخص لم يجد من يفهمه.وفي نهاية المطاف، تبقى أجمل الإنجازات ليست تلك التي تُسجل في الأرقام أو الشهادات، بل تلك التي تترك أثراً طيباً في القلوب.فالإنسان يُذكر بما منح من خير، وما زرع من أمل، وما قدم من إنسانية. وحين نغادر هذه الحياة، لن يبقى لنا سوى الأثر الجميل الذي تركناه.

كمال كبشة

صواريخ إيران فوق الخليج ... ليست رسالة بل جريمة
ليست هذه رسائل سياسية ضلّت طريقها. هذه صواريخ ومسيّرات تعبر فوق رؤوس الناس في الخليج، ثم يريد البعض أن يجمّل المشهد باسم «التوتر الإقليمي».لا... هذا ليس توتراً. هذه جريمة مكتملة الأركان.إيران لا تكتب رسائلها بالحبر، بل بالنار. ولا ترسلها إلى صناديق بريد، بل فوق مدن آمنة، ومطارات مدنية، ومنشآت حيوية، وأرواح لا علاقة لها بحسابات الحرب والتفاوض.ما تفعله طهران ليس ردعاً ولا مناورة سياسية. إنه ضغط إجرامي يستخدم أمن الخليج كورقة مساومة، ويضع المدنيين في قلب مشهد لم يختاروه، ولم يكونوا طرفاً فيه.إيران تريد أن تقول لأميركا وإسرائيل إنها ما زالت حاضرة، لكنها تختار أن تمرّر الرسالة من فوق رؤوس أهل الخليج. تريد رفع سعر التفاوض، فتضع الكويت والمنطقة أمام احتمالات النار. تريد إثبات القوة، فتختبر أعصاب دول لا تبحث عن الحرب.وهنا يجب أن يكون الكلام واضحاً: الخليج ليس صندوق بريد لطهران، والكويت ليست عنواناً لإرسال رسائل الموت.الهدنة الحالية ليست سلاماً. إنها استراحة قلق بين موجتين من التصعيد. فكلما تحدثت السياسة عن التهدئة، تحركت غرف العمليات كأن الانفجار مؤجل لا ملغى.الخطر الأكبر أن يعتاد العالم المشهد، وأن يرى الصواريخ فوق الخليج كأنها تفصيل عابر في نشرات الأخبار.ليست رسالة... بل جريمة. ليست مناورة... بل اعتداء. وليست ورقة تفاوض... بل هي تهديد مباشر لأمن الخليج وسيادته.

د. خالد أحمد الصالح

... منفرداً فوق روابيه الجميلة
هل يمكن لوطنٍ صغيرٍ مثل لبنان أن يتحمّل كل هذا القدر من الأثقال؟سؤالٌ يبدو بسيطاً... لكنه يختصر تاريخاً طويلاً من الألم.لبنان ليس ساحة حرب، ولا ورقة في يد أحد.لبنان وطنٌ كان يجب أن يعيش، لا أن يُستنزف.لكن ما الذي حدث؟حدث أن الأرض لم تسلم من الاحتلال.وحدث أن القرار لم يسلم من الهيمنة.من جهةٍ، عاش اللبنانيون سنواتٍ طويلة تحت تهديد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، حيث كانت الأرض تُنتهك، والبيوت تُهدم، والقلوب تعيش بين الخوف والانتظار.ومن جهةٍ أخرى، وجد كثير من اللبنانيين أن القرار الوطني نفسه لم يعد خالصاً كما يجب، وأن هناك نفوذاً خارجياً تمدد في السياسة والسلاح والقرار، حتى أصبح لبنان ساحة تتنازعها الإرادات.إسرائيل احتلت الأرض...وإيران- كما يقول كثير من اللبنانيين-احتلت القرار.وبين الأرض والقرار ضاع المواطن البسيط، الذي لا يريد سوى أمر واحد: أن يعيش في وطنه بكرامة.هل هذا كثير؟لم يكن اللبناني يريد أكثر من دولةٍ تشبهه... دولةٍ تحميه ولا تُستعمل، تجمعه ولا تفرّقه، تقرر عنه لا تُقرر له.كم من مرة وقف اللبناني أمام السؤال نفسه: لماذا لا يكون الوطن هو المرجع الوحيد؟ لماذا لا يعود القرار إلى بيروت وحدها، بلا ظلّ ولا وصاية ولا سلاح خارج الدولة؟إنّ مأساة لبنان ليست فقط في الحرب...بل في تعدد مراكز القوة داخله، حتى أصبح الوطن موزّعاً بين أكثر من يد.ومع ذلك...يبقى في لبنان شيء لا يموت.شيء يشبه الأمل.ترى اللبناني رغم كل ما جرى، يفتح نافذته على البحر وكأنه يقول: «غداً أفضل».وترى الجبل ثابتاً كأنه شاهدٌ على كل ما مرّ ولم ينكسر.لبنان لا يحتاج معجزة.لبنان يحتاج أن يعود إلى نفسه.أن تكون الدولة دولة...وأن يكون القرار واحداً...وأن تكون الأرض مصونة...وألا يكون في الوطن احتلالٌ ظاهر ولا احتلالٌ خفي.وحين يحدث ذلك، وسوف يحدث قريباً، إن شاء الله، سيفهم العالم لماذا أحب الناس هذا البلد الصغير في مساحته الكبير في معانيه.سيعود لبنان كما كان في ذاكرة الحالمين:بلداً يكتب الشعر على شواطئه،ويزرع الفكر في جباله،ويفتح قلبه لكل من يحب الحياة.وحينها فقط...سيرتفع عَلمه منفرداً فوق روابيه الجميلة.

محمد سالم الراشد

نحو مبادرة للأمن والتنمية الإقليمية لدول الخليج
هل يمكن للخليج بعد الحرب أن يتحول من ساحة اشتباك إلى مشروع استقرار إقليمي؟لم تعد الحرب في الخليج حدثاً عسكرياً عابراً، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمستقبل الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي. فالخليج ليس مجرد منطقة نفطية، وإنما عقدة مركزية في منظومة الطاقة والتجارة الدولية؛ إذ تشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن مضيق هرمز مرّ عبره في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط ومشتقاته، أي ما يعادل قرابة 20 % من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً. كما مرّ عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ومعظمها من قطر.هذه الأرقام وحدها تكفي لتفسير لماذا لا تبقى أي حرب في الخليج «محلية». فكل توتر في المضيق ينعكس فوراً على الأسعار، والتأمين البحري، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة في آسيا وأوروبا. وتؤكد بيانات الطاقة الأميركية أن 84 % من النفط والمكثفات و83 % من الغاز الطبيعي المسال العابر لهرمز في 2024 اتجه إلى الأسواق الآسيوية، وأن الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وحدها استحوذت على 69 % من تدفقات الخام والمكثفات عبر المضيق. لذلك فإن استقرار الخليج لم يعد مصلحة خليجية فقط، بل أصبح مصلحة آسيوية وأوروبية ودولية.لقد كشفت الحرب أن الاعتماد المطلق على المظلات الخارجية لم يعد كافياً. فالولايات المتحدة ما زالت القوة الأمنية الأكبر في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لم تعد مستعدة لتحمل العبء وحدها كما كان الحال بعد حرب الخليج وغزو العراق. وقد عبّر الرئيس الأميركي جو بايدن في قمة جدة 2022 عن هذه المعادلة حين قال إن الولايات المتحدة «لن تترك فراغاً تملؤه الصين أو روسيا أو إيران». والمعنى السياسي واضح: واشنطن لا تريد الانسحاب، لكنها تريد تقاسم الكلفة والمسؤولية.في المقابل، صعد الحضور الصيني اقتصادياً بصورة لافتة. فبيانات التجارة تشير إلى أن دول مجلس التعاون صدّرت إلى الصين في عام 2023 نحو 4.06 مليون برميل يومياً من النفط الخام، بما يعادل 36 % من واردات الصين النفطية. وإذا أضيفت واردات الصين من العراق وإيران، فإن منطقة الخليج الأوسع توفر أكثر من نصف احتياجات الصين النفطية. وهذا يفسر لماذا دخلت بكين على خط المصالحة السعودية - الإيرانية في مارس 2023، ولماذا وصف وزير الخارجية الصيني وانغ يي، تلك المصالحة بأنها «انتصار كبير للحوار والسلام».أما من الناحية العسكرية، فإن المنطقة تعيش مفارقة واضحة: إنفاق دفاعي كبير، لكن منظومة أمن إقليمي غير مكتملة. فقاعدة بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام تغطي الإنفاق العسكري حتى عام 2025، وتشير بيانات البنك الدولي المستندة إلى SIPRI إلى أن إنفاق السعودية العسكري بلغ نحو 80.3 مليار دولار في 2024، بينما بلغ إنفاق إيران العسكري نحو 981 مليون دولار وفق البيانات الرسمية المتاحة؛ مع ضرورة التنبيه إلى أن الأرقام الإيرانية لا تعكس كامل كلفة الشبكات غير النظامية، وبرامج الصواريخ، والطائرات المسيّرة، وأذرع النفوذ الإقليمي.من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى سيناريو جديد لا يقوم على «ناتو خليجي» صلب، ولا على انسحاب أميركي كامل، بل على منظومة توازن إقليمي مرن. هذه المنظومة ينبغي أن تبدأ من مبادئ عملية: عدم الاعتداء، ضمان حرية الملاحة، إنشاء آلية إنذار مبكر، إدارة أزمات مشتركة، حماية البنية التحتية للطاقة والمياه والاتصالات، وتحييد الممرات البحرية عن منطق الابتزاز العسكري.وفي هذا السياق، تصبح فكرة تنويع ممرات الطاقة ضرورة لا رفاهية. فالسعودية تمتلك خط أنابيب شرق–غرب بطاقة اسمية تبلغ 5 ملايين برميل يومياً من الخليج إلى ينبع على البحر الأحمر، وقد رفعت قدرته موقتاً إلى 7 ملايين برميل يومياً في 2019. كما تمتلك الإمارات خط حبشان–الفجيرة بطاقة تقارب 1.8 مليون برميل يومياً يتجاوز هرمز إلى خليج عُمان. لكن تقديرات إدارة معلومات الطاقة تشير إلى أن الطاقة الفعلية المتاحة لتجاوز المضيق عبر خطوط السعودية والإمارات قد تبلغ نحو 2.6 مليون برميل يومياً فقط عند حدوث اضطراب، ما يعني أن البدائل الحالية مهمة لكنها لا تكفي لتعويض إغلاق واسع أو طويل.ولذلك، فإن مشروع الاستقرار لا بد أن يتجاوز الأمن العسكري إلى «اقتصاد الممرات». فالربط السككي الخليجي، والموانئ المطلة على البحر الأحمر وبحر العرب، والتخزين الإستراتيجي في آسيا، والممرات البرية عبر الأردن وسوريا والعراق وتركيا، كلها أدوات إستراتيجية تجعل الخليج أقل تعرضاً للشلل عند الأزمات. كما أن ربط هذه المشاريع بصناديق تمويل وتنمية وإعادة إعمار سيحوّل الاستقرار من شعار سياسي إلى مصلحة اقتصادية مشتركة للقوى الكبرى.غير أن الطريق ليس سهلاً. فهناك ثلاثة تناقضات كبرى تعيق هذا السيناريو. الأول خليجي داخلي، إذ تختلف دول الخليج في درجة اقترابها من إيران، وموقفها من إسرائيل، وحجم اعتمادها على الولايات المتحدة. والثاني إيراني، لأن طهران قد تقبل بمنظومة أمن إقليمي إذا ضمنت عدم استهدافها، لكنها ستعارض أي صيغة تراها غطاءً لاحتوائها أو تطويق نفوذها. والثالث دولي، لأن الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي جميعاً تريد الاستقرار، لكن كل طرف يريد أن يحفظ موقعه ومصالحه داخل هذا الاستقرار.ومن ثم، فإن السيناريو الممكن ليس إقامة منظومة أمن إقليمي جديدة فقط تضم دول الخليج وتركيا وباكستان ومصر وربما إذا استجابت إيران الى معايير المنظومة ان تنضم لها، ويشتمل إطلاق «مبادرة الأمن والتنمية الإقليمية للخليج» على مراحل.تبدأ المرحلة الأولى باتفاقات عدم اعتداء، وخط اتصال أمني بحري، وتفاهم على حماية الملاحة. وتنتقل المرحلة الثانية إلى مشاريع الطاقة والممرات والسكك والتخزين الإستراتيجي. أما المرحلة الثالثة فتؤسس لصندوق إقليمي–دولي للتنمية وإعادة الإعمار، تشارك فيه دول الخليج والصين والولايات المتحدة وأوروبا واليابان والهند، بما يجعل الحرب مكلفة للجميع والاستقرار مربحاً للجميع.الخلاصة:إنّ الخليج بعد الحرب أمام فرصة تاريخية؛ إما أن يبقى ساحة لصراع الآخرين، أو يتحول إلى مركز توازن عالمي.والأرقام تقول إن العالم لا يستطيع الاستغناء عن استقرار الخليج، لكن السياسة تقول إن هذا الاستقرار لن يُمنح للمنطقة من الخارج. لا بد أن تصنعه دولها، بتدرج وواقعية، وبمبادرة تجمع بين الأمن والتنمية والممرات والمصالح المشتركة.

مقالات

كامل عبدالله الحرمي

روسيا المستفيد الأكبر من اضطرابات سوق النفط العالمية
أعاد إغلاق مضيق هرمز رسم ملامح سوق الطاقة العالمية، نظراً للدور المحوري الذي يؤديه هذا الممر البحري في نقل النفط إلى الأسواق الدولية. فمع تعطل جزء كبير من الإمدادات الآتية من منطقة الخليج العربي، برزت روسيا بوصفها المستفيد الأكبر من التحوّلات الجارية في سوق النفط، مستندة إلى مكانتها كواحدة من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للخام في العالم.وعلى الرغم من التحديات التي واجهها القطاع النفطي الروسي خلال السنوات الأخيرة نتيجة الحرب في أوكرانيا واستهداف بعض المنشآت النفطية ومصافي التكرير ما أدى إلى انخفاض إنتاجها إلى 8 ملايين و800 ألف برميل يومياً من أصل 10 ملايين، فإن روسيا مازالت تحتفظ بقدرة تصديرية كبيرة تجعلها مؤهلة لسد جزء من النقص الناجم عن تراجع الإمدادات من مناطق أخرى. وقد أدى ذلك إلى تعزيز حضور النفط الروسي في الأسواق العالمية، لاسيما في آسيا.ومع تقلص تدفقات النفط الخليجي، اتجهت دول كبرى مستهلكة للطاقة، وفي مقدمتها الهند والصين، إلى زيادة مشترياتها من النفط الروسي. ويعود ذلك إلى الحاجة الملحة لضمان أمن الطاقة واستمرار تدفق الإمدادات بأسعار مقبولة، في ظل محدودية البدائل المتاحة على المدى القصير.وتُعد الهند من أبرز المستفيدين من هذا التحوّل، إذ يوفر لها النفط الروسي مصدراً مستقراً للطاقة ويساعدها على تنويع مورديها وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على منطقة جغرافية واحدة. كما أن توسع التعاون النفطي بين موسكو ونيودلهي قد يفتح المجال أمام استخدام العملات المحلية أو آليات المقايضة في بعض المعاملات التجارية، الأمر الذي يعزّز العلاقات الاقتصادية بين البلدين ويمنحهما مرونة أكبر في إدارة التبادلات التجارية.في المقابل، تمنح هذه التطورات روسيا فرصة إستراتيجية لتعزيز نفوذها في الأسواق الآسيوية وزيادة عائداتها النفطية. كما أن ارتفاع الطلب العالمي على النفط الروسي قد يشجع المنتجين على رفع مستويات الإنتاج لتفادي حدوث نقص حاد في الإمدادات أو ارتفاعات مفرطة في الأسعار، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من عودة الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي.وتبرز في هذا السياق أهمية بعض المنتجين الآخرين، ومن بينهم فنزويلا التي تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة. إلا أن ضعف الاستثمارات وتراجع البنية التحتية خلال السنوات الماضية حدّا من قدرتها الإنتاجية. ومع عودة اهتمام الشركات النفطية الدولية بالاستثمار في الحقول الفنزويلية، قد تتمكن كاراكاس تدريجياً من استعادة جزء من مكانتها في الأسواق العالمية، شريطة توفير التقنيات المتقدمة اللازمة لتطوير حقولها النفطية ومعالجة خاماتها الثقيلة.وفي الوقت نفسه، يواجه العالم تحدياً حقيقياً يتمثل في تجنب أزمة نفطية جديدة، خصوصاً مع اقتراب موسم العطلات الصيفية، وارتفاع الطلب على الوقود في الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة (تنتج 14 مليون برميل يومياً وتستهلك نحو 9 ملايين والأعلى في العالم) وموعد التنقل عبر السيارات في أراضيها، ويؤدي هذا الارتفاع الموسمي في الاستهلاك إلى زيادة حساسية الأسواق لأي اضطراب في الإمدادات، مما يدفع الحكومات والشركات إلى البحث عن مصادر بديلة ومستقرة للطاقة.وفي ظل هذه الظروف، يحظى خام «الأورال» الروسي (ومتوسط سعره 109 دولارات، والأعلى في العالم، ويزيد عن معدل خام برنت الانكليزي بحوالي 15 دولاراً) باهتمام متزايد من قبل المشترين العالميين، مستفيداً من تراجع المعروض من بعض الخامات المنافسة. وقد ساهم ذلك في تعزيز مكانة النفط الروسي داخل السوق الدولية ومنح موسكو فرصة استثنائية لزيادة صادراتها وتحقيق عوائد مالية إضافية.ومع ذلك، تبقى هذه المكاسب مرتبطة بتطورات المشهد الجيوسياسي العالمي. فاستمرار استفادة روسيا من الوضع الراهن يعتمد على مدة اضطراب الإمدادات العالمية، ومدى قدرة المنتجين الآخرين على تعويض النقص، إضافة إلى إمكانية عودة التوازن إلى أسواق الطاقة الدولية خلال الفترة المقبلة.وبناءً على المعطيات الحالية، تبدو روسيا الرابح الأكبر من اضطرابات سوق النفط العالمية، مستفيدة من ارتفاع الطلب على خامها وقدرتها على تلبية جزء مهم من احتياجات الأسواق، في وقت يواجه فيه العالم تحديات متزايدة للحفاظ على استقرار الإمدادات وأمن الطاقة.كاتب ومحلل نفطي مستقل[email protected]

د. تركي العازمي

إيران و... «قُتِلَ الخراصون» !
السياسة لها علم بتخصص «العلوم السياسية Political Science» وما يجري في الخليج من حرب بين إسرائيل بمساندة أميركا وإيران يفهم جذور أسبابها وتداعياتها والغايات من ورائها أهل الخبرة من رجال السياسة ممن يملكون علماً ومعرفة وخبرة وثقافة وديناً.اعتداءات إيران على الكويت لم تكن وليدة هذه الحرب، فقد سبق وتم الاعتداء من قبل حيث انتهكت حرمة الجوار ولنا في أحداث الثمانينيات أمثلة... وعلى أي حال إسرائيل وإيران وأميركا لهما أجندة خاصة، وتصريح القائد العسكري الإسرائيلي الأخير «لا يمكن تجريد حزب الله من سلاحه دون احتلال كامل لبنان» يسير في اتجاه تحقيق إسرائيل الكبرى.أما إيران فهي معلومة إيدلوجيات الفرس/المجوس، التي تحاول التوسع لإعادة إمبراطورية كسرى وستظل سارية انتهاكاتها ونقضها للمواثيق وهم مَنْ يجيدون لعبة الشطرنج السياسي وفن المراوغة منذ الأزل... وإلا هل يُعقل أن أميركا تضرب إيران وترد إيران بضرب الكويت والبحرين بالصواريخ والمسيرات!الشاهد، إن مَنْ يُتقن اللعبة السياسية فسينال النصر... وما النصر إلّا من الله إن أعددنا للأعداء ما استطعنا من قوة.في الآيتين 10 و11 من سورة الذاريات، يقول عز من قائل «قُتل الخراصون * الذين هم في غمرة ساهون»... وحسب التفسير هي قاعدة عامة نزلت لبيان حالة الكفار والمعادين.«الخراصون» هم الكذّابون مَنْ يقولون بناء على الظن والتخمين والكذب والشك ومنهم الكهنة والمرتابون الذين يخوضون في أمر القيامة بالباطل ويستهزئون بوقوعها... و«قُتل» تعني لعنوا وأبعدوا من رحمة الله... وهم في «غمرة» أي غمرة من الجهل والضلال و«ساهون» غافلون عن أمر الآخرة.لذلك، فالسبيل من النجاة من الحرب يأتي عبر توحيد رؤى الدول الإسلامية الموحدة بالله والمؤمنة بأن العزة بالإسلام شريطة الاستعداد لمواجهة الأعداء سياسياً، اقتصادياً، إعلامياً وحربياً.الزبدة:نحن كمسلمين ضعفنا يعود سببه لأننا ابتعدنا عن تعاليم ديننا الحنيف وحصلت الانقسامات وظهر المنجمون الخراصون وتكالبت علينا الأمم.يبدو أن البعض أصبح مسلماً بالهوية مع الأسف ولم نتعظ من الأحداث من حولنا.عزتنا في تلاحمنا وتمسكنا بدين الإسلام الذي يدعو إلى الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق، وإعداد القوة لمواجهة الأعداء على الأصعدة كافة... وإن تحقق ذلك، فسينصرنا الله مهما كانت قوة الأعداء الذين يمكرون بنا نحن المسلمين في شتى بقاع الأرض... الله المستعان[email protected]: @TerkiALazmi

د. دانة العنزي

الدبلوماسية الكويتية وتحديات الإقليم المضطرب
في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية تواصل الدبلوماسية الكويتية أداء دورها المتوازن والحكيم في التعامل مع الأزمات الإقليمية المتلاحقة. فمنذ عقود تبنت الكويت نهجاً يقوم على الحوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام القانون الدولي بشكل عام والسعي إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة. وقد مكّن هذا النهج الكويت من اكتساب مكانة دولية وإقليمية جعلتها طرفاً موثوقاً في جهود الوساطة وحفظ الاستقرار.شهد الشرق الأوسط منذ 28 فبراير 2026 وحتى اليوم تصاعداً خطيراً في التوترات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أمن منطقة الخليج العربي. وفي هذا السياق تعرضت الكويت لسلسلة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية التي استهدفت أراضيها ومنشآتها الحيوية بما في ذلك مطار الكويت الدولي وبعض المواقع العسكرية، وهو ما أسفر عن أضرار مادية وخسائر بشرية وأثار حالة من القلق الإقليمي والدولي وقد دانت الكويت هذه الاعتداءات واعتبرتها انتهاكاً صارخاً لسيادتها وللقانون الدولي.والمفارقة أن الكويت لم تكن طرفاً في الصراع الدائر كما أكدت مراراً أنها لم تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية للقيام بأي عمليات عسكرية ضد إيران، لذلك فإن استهداف الكويت يفتقر إلى المبررات القانونية والسياسية ويشكل سابقة خطيرة تهدد أمن واستقرار المنطقة بأكملها.كما أن الربط الإيراني بين وجود منشآت أو قوات أميركية على الأراضي الكويتية وبين شرعية استهداف الكويت لا يستند إلى منطق مقبول في العلاقات الدولية، فالكويت ليست الدولة الوحيدة في الإقليم التي تستضيف وجوداً عسكرياً أميركياً أو قواعد مرتبطة بالشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة، إضافة إلى ترتيبات أمنية وعسكرية متنوعة مع عدد من دول المنطقة. وبالتالي فإن استهداف دولة ذات سيادة بسبب شراكاتها الدفاعية يمثل انتهاكاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.لقد أثبتت الأزمة الحالية أن أمن الخليج لا يمكن تجزئته وأن أي اعتداء على دولة خليجية ينعكس بصورة مباشرة على بقية دول المنطقة، ومن هنا برزت أهمية التضامن الخليجي والمواقف العربية والدولية الداعمة للكويت والتي أكدت رفضها لأي تهديد يستهدف أمن الدول الخليجية أو سيادتها الوطنية.كما كشفت التطورات الحالية عن الحاجة إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي والأمن السيبراني والتنسيق الاستخباراتي بين دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة التهديدات الجديدة المتمثلة في الصواريخ والطائرات المسيّرة.ورغم هذه التحديات، لم تنحرف الكويت عن نهجها الدبلوماسي المعتدل. فالدبلوماسية الكويتية تدرك أن الأمن الحقيقي لا يتحقق فقط من خلال القدرات العسكرية بل أيضاً عبر بناء الثقة وتعزيز الحوار وتخفيف حدة الاستقطاب الإقليمي.ولذلك تستمر الكويت في دعم كل المبادرات الرامية إلى خفض التصعيد وتسوية النزاعات بالطرق السلمية انطلاقاً من قناعتها بأن استقرار الخليج يمثل مصلحة مشتركة لجميع شعوبه ودوله.وفي الختام، تؤكد الأحداث الحالية أن الكويت تواجه تحديات إقليمية متزايدة في بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، إلا أن سجلها الدبلوماسي الحافل بالاعتدال والحكمة يمنحها القدرة على التعامل مع هذه التحديات بكفاءة، وستظل الدبلوماسية الكويتية إحدى أهم أدوات الدولة في حماية مصالحها الوطنية وتعزيز الأمن والاستقرار في الخليج العربي، خصوصاً في ظل عالم تتزايد فيه الأزمات وتتداخل فيه.

سلطان حمود المتروك

عزيزة يا جنّة الأوطان
ديرة طيبة يأتيها رزقُها بإذن ربها، أبناؤها يجدّون ويجتهدون من أجل رفعتها وتألقها.كم عانت هذه الديرة الطيبة من آلام وتحمّلت من أوجاع نتيجة الحقد والحسد عليها؟إن يحسدوك على عُلاك فإنمامتسافل الدرجات يحسد من علاأُمنا الكويت نحميها بالجوارح ونتصدّى لكل مَن تسوّل لهُ نفسه بأن ينظر إليها بنظرة تؤذيها.أيتها العزيزة ستبقين شامخة في عيون العالم، لأن أبناءك سور منيع من أجل حمايتك، دماء أبنائك سالت تروي بطولات من أجل أن تستمري عالية متألقة في عيون الدنيا.كويت الإباء لا ترضخ لأي عدوان، لأن أرواح أبنائها تحميها لتظل زاهرة في عيون الدنيا.ما لك إلا الموت يا عدويفي البر أو في البحر أو في الجوِدماء أبنائك سالت ترويبطولتي وعزة انتقاميكم من دمٍ سال كي يروي هذه الأرض الطيبة، لتنبت بعدها الزهور اليانعة الفوّاحة التي تنثر عبير الشهادة.أيها الوطن الكريم!كم من بطل من أبنائك ابان الغزو العراقي الآثم اقتادته أيدي الظلم الى منزله!وقالوا لذويه احضروا شراباً يحبه ولدكم، فلما أتوا بهذا الشراب بدل من أن يسقوه إياه ضربوهُ بسهم محقّق قتَلهُ من الوريد إلى الوريد.ما أجمل أبناءك أيها الوطن الكريم!إنّهم يتسابقون من أجل علوك وازدهارك وتألقك، لا يدّخرون شيئاً يبذلونهُ من أجل الحفاظ على تألقك.ما أجملك يا وطن الخير الذي ينثر نعمة الله الكريم على أبنائه كي يعيشوا حياة ممرعة بالخير والنعمة!كويت العز ستبقى عزيزة بين الأوطان ومتألقة في قلوب أبنائها رغم أنوف الأعداء.يقولون لماذا تحب الكويت؟لماذا أغانيك مسكونة بحب الكويت وأهل الكويت؟فقلت اسألوا: الفجر عن نورهوقلت اسألوا: الطير عن وكرهوقلت اسألوا: البحر عن موجهوقلت اسألوا: الورد عن عطرهإذا ما عرفتم لهذا جواباًعرفتم لماذا أحب الكويت.أيتها الديرة المتألقة نحبك؛ لأن حب الأوطان من الإيمان ونحن المؤمنون بأنك حبيبة القلوب وجنة الأوطان.فيها نشأنا وغذتنا بكل شيء ورعتنا عندما كنا صغاراً وعلّمتنا في مدارس وفق أحسن سُبل التعليم.كل شيء وفّرتهُ لنا من ملابس وكتب وأدوات حتى وجباتنا الغذائية نتناولها في المدرسة، حتى إذا ما خرجنا منها نذهب إلى بيوتنا لكي نرتاح ونستقر ثم نعاود الكرّة في الصباح.مدرستنا كانت مدرسة الصباح، يقابلها مخفر شرق، كان العَلم يرفع في الصباح وينزل في المساء.لما نخرج من المدرسة نقف جميعاً مقابل المخفر ننتظر نزول العَلم كي نحييه مع جموع المحيين.كل شيء يقف عند نزول العَلم وعندها نعود إلى منازلنا متأخرين.يسألنا أهلنا عن سبب التأخير نقول: كنا نُحيي العَلم.يستبشرون بهذا القول ويدعون لنا ولبلدنا بالتوفيق والازدهار.نعم،ديرة العز بنوها رجال كما يقولون تكسّر على رؤوسهم العنقيش وهو صخر البحر، حتى تألقت وازدهرت وظهر لها حُسّاد سيجازيهم الله على ما اقترفوه من إثم.رجالٌ بنوها وهي صحراء بلقعومن أجلها قد طوفوا البر والبحراإلى أن أراد الله آخر سعيهم جميلاًفصار الرمل من تحتهم تبراوصدقت الأديبة المتألقة الدكتورة الشيخة سُعاد الصّباح، حين قالت:نحن باقون هنا...هذه الأرض من الماء إلىالماء... لناومن القلب إلى القلب...لناومن الآه الى الآه... لناكل دبوس إذا أدمىبلاديهو في قلبي أنانحن باقون هناهذه الأرض هي الأم التيترضعناوهي الخيمة والمعطف والملجأوالثوب الذي يسترناوهي السقف الذي نأويإليهوهي الصدر الذي يدفئنا...وهي الحرف الذي نكتبه...وهي الشعر الذي يكتبنا...كلما هم أطلقوا سهماً عليها...غاص في قلبي أناسندباد كان بحاراً خليجياعظيما... من هناوالذين اشتركوا في رحلةالأحلام... هم أولادناوالمجاديف التي شقّتجبال الموج كانت من هنا...إننا نعرف هذا البحر جدامثلما يعرفنا...فعلى أمواجه الزرق ولدناومع الأسماك في البحر سبحنا...ومع الصبيان في الحيلعبنا... وسهرنا... وعشقناهذه الأرض التي تُدعى الكويتهبه الله إليناورضاء الأب والأم عليناكم زرعنا أرضها نخلاً وشعراًكم شردنا في بواديها صغاراًونخلنا رملها شبرا فشبراوعلى بلور عينيها جلسنانتمرىهذه الأرض التي تدعىالكويت...عاشت جنة الأوطان متألقةً في عُيون الزمان

م. أحمد عبدالهادي السدحان

هل يردع الخليج إيران؟
إلى متى هذا التمادي الإيراني؟ والهجوم المتكرر على الكويت والخليج ومن أشدها ما حصل في المطار؟! لذا، لابد من الردع الدولي والأهم الردع الخليجي تجاه إيران وضرورة بناء منظومة أمنية فعلية متكاملة تهدف إلى منع أي تهديد لأمن المنطقة واستقرارها، وكلما أرادت إيران موقفاً سياسياً معيناً أرسلت أحقادها الطائرة عبر الصواريخ و المسيرات.إذاً، لابد من هذا الدرع الخليجي من خلال رفع القدرات العسكرية والدفاعية، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، ورفع مستوى الجاهزية القتالية للقوات المسلحة، إلى جانب تكثيف التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة بين دول الخليج بما فيه التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات الأمنية لمواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية، وتطوير القدرات السيبرانية لحماية البنية التحتية الحيوية من الهجمات الإلكترونية و توقع الشر لأخذ الاحتياط خصوصاً من عدو مثل إيران.وعلى الصعيد السياسي، يؤمل أن تعمل دول الخليج على توحيد مواقفها وشراكاتها الإقليمية والدولية بما يضمن تحقيق توازن إستراتيجي يحفظ أمنها ومصالحها. ويهدف هذا النهج إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن أي محاولة للمساس بأمن الخليج ستواجه باستجابة جماعية قادرة على حماية الاستقرار الإقليمي والحفاظ على سيادة الدول وأمن شعوبها، والأهم تفكيك أوراق الضغط الإيرانية والدخول والتغلغل في مصالحها الدولية لمحاولة التأثير على مَنْ يساندها أو تحييده على الأقل. ماذا فعلت السياسات الإيرانية والتوترات في المنطقة غير استنزاف الموارد والجهود المخصصة للتنمية والأمن في دول مجلس التعاون، وهو ما يخلق بيئة يستفيد منها مَنْ يبيع الأسلحة في الغرب، وكذلك أطراف إقليمية أخرى بما فيها الكيان الصهيونى، وهذا يؤدي بالطبع إلى تراجع مستوى التوافق الإقليمي وانشغال دول المنطقة بصراعاتها وخلافاتها بدلاً من التركيز على التحديات المشتركة؟!والسؤال هنا هل يردع الخليج إيران؟ والجواب نعم عملياً، يستطيع الخليج تفكيك المناورات الإيرانية من خلال إغلاق الثغرات التي يمكن استغلالها، وذلك عبر توحيد الخطاب السياسي، وتسريع مشاريع الدفاع الجوي والصاروخي المشتركة، كما ذكرت أعلاه وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل فوري، وتشديد الرقابة على شبكات التهريب وتمويل الجماعات المسلحة، ومواجهة الحملات الإعلامية الموجهة بالمعلومات الموثقة والشفافية، إضافة إلى توسيع الشراكات الأمنية والاقتصادية مع القوى الدولية والإقليمية المؤثرة.كما أن الجبهة الداخلية مهمة من خلال التنمية الاقتصادية، وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية في القطاعات الحيوية، يجعل من الصعب على أي طرف خارجي استغلال الأزمات أو ممارسة الضغوط لتحقيق مكاسب سياسية أو أمنية وأن يكون لدينا جيش خليجي موحد ومتطور لردع أي محاولة للمساس بأي دولة من دول الخليج، ويكون لدينا بمثابة القبة الخليجية الحديدية كما ذكرت في أكثر من مقالة سابقة، وليست للتعامل فقط مع السلاح التقليدي بل للحماية من الأخطار المختلفة ومنها الخطر النووي ولتكون حصناً للخليج من العدو الإيراني وغيره.على أمل إن شاءالله أن يتطور الوضع في واقعنا الخليجي لتسريع التكامل لينتقل من التعاون إلى الاتحاد بإذن الله تعالى. والله عزوجل المعين في كل الأحوال.X@alsadhankw

موسى بهبهاني

أبناؤنا والقيم
الأديان السماوية تدعونا إلى احترام كبار السن، حيث ورد عن الرسول الأعظم، عليه الصلاة والسلام:(لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا).فالاهتمام بكبار السن واجب أخلاقي وإنساني وديني، فهم يمثلون بركة المجتمع، بل هم أهل الحكمة والخبرة في الكثير من الأمور، فإن إكرامهم واحترامهم واجب علينا.احترام وتوقير كبار السن يتمثّل بالآتي:- الإنصات باهتمام لحديثهم دون مقاطعة.- التواضع والأدب والتحدّث معهم بنبرة صوت منخفضة وهادئة وباختيار ألطف العبارات.- المبادرة بالسلام والترحيب بهم بحفاوة وإشعارهم بأهميتهم ومكانتهم الاجتماعية.- إفساح المجال لهم في المجالس، وإعطائهم الأولوية في مراكز التسوق ومساعدتهم في عبور الطريق أو حمل الأغراض.حدث من الواقع:مررتُ بموقف مؤثر ومؤلم ما ترك ندبة بالقلب، عندما كنت أقوم بأداء واجب العزاء ومشاركة إحدى الأسر لفقد عزيزهم، وبعد الجلوس رأيت - أبا يوسف - وهو إنسان متقدم بالعمر قد جاء ليقوم بواجب التعزية، وللأسف لم يتعرّف عليه أحد من المعزين! فنهضت من مكاني وتوجهتُ إليه ورحّبت به بحرارة، وبسبب تقدمه بالعمر وضعف نظره لم يعد يرى بوضوح.قال لي: مَن أنت؟رددتُ عليه: أفا أبا يوسف ماعرفتني؟!أنا فلان، فعرفني ومسك بيدي بحرارة وأجلسته بجانبي.فذكر لي بأن الذين يعرفونه قد فارقوا الحياة، إنما الشباب الآن لا يعرفونه وعيناه امتلأتا بالدمع؟ فقلت: لا يا أبا يوسف، أنت إنسان معروف، ومرور الأيام تزيدك قدراً في قلوب كل من عرفك ومقامك محفوظ دوم، وهنا ابتسم وارتاح وأكملنا الدردشة ثم غادرنا مجلس العزاء معاً.فليس هناك أقسى من شعور الإنسان بأنه مهمش، خصوصاً في لحظات الضعف أو التقدم بالعمر، فهذا الحدث يعكس صورة مؤلمة في تغيير نمط الحياة السريعة ولكنه يظل موقفاً يستوجب منا مراجعة الكثير من قيمنا.فتجاهل كبار السن عن قصد أو دون قصد بعدم تقديرهم وإفساح المجال لهم يخالف قيمنا وأخلاقنا الإنسانية والإسلامية، خصوصاً في مجتمعاتنا التي تُوصي بتوقير الكبير واحترامه.– دور الأسرةيجب على الوالدين بأن يعملوا على تعزيز ثقافة احترام كبار السن لأبنائهم في المجالس والمناسبات.— الخطوة الأولى لذلك اصطحاب الأبناء في كل المناسبات (زيارة مريض -زوارة الأهل والأصدقاء -بأداء واجب العزاء والأفراح) الجيل الحالي قد طغى عليه العزلة والارتباط الكلي بأجهزة التواصل والألعاب الإلكترونية، ما كان له الأثر السلبي على علاقته بالإنسان.—الجيل الحالي يفتقر إلى معرفة الواجبات التي يجب أن يقوم بها ما يؤدي إلى ضعف الترابط الاجتماعي.وقيل:وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّاعَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُيبين هذا البيت أهمية القدوة للأبناء وغرس العادات الطيبة في نفوسهم.فمن الأهمية أن نغرس هذه المبادئ وهذه الآداب والخلق الإسلامية التي حثّ عليها النبي الأكرم، في أبنائنا منذ الصغر، لذلك من الواجب على الوالدين بأن يهتموا بأبنائهم بمشاركتهم بكل شيء والاستماع إلى آرائهم، فمنكم يتعلّمون القيم والأخلاقيات وكيفية التعامل مع الناس خصوصاً كبار السن.وأفهموهم إيَّاه فإنهم صغار أوشكوا أن يكونوا كباراً، وقد كنا صغار قوم، فأصبحنا اليوم كباراً.ومن أشهر الأمثال العربية التي تُضرب للتأكيد على أهمية ترسيخ القيم في الأذهان:(العِلمُ في الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ عَلى الحَجَرِ).اللهمّ احفظ الكويت آمنة مطمئنة، والحمد لله رب العالمين.

حسين علي الطرجم

إعادة تشغيل مطار الكويت بأمان أعلى
منذ أكثر من 110 أيام والحرس الثوري الإيراني يقصف دول الخليج المسلمة والمسالمة، وتتركّز أهدافه في الآونة الأخيرة على المنشآت النفطية والمدنية، آخرها قصف مطار الكويت الدولي ما تسبّب بوقوع قتيل وعشرات الجرحى، أحدهم زميلنا البطل عايض العتيبي، الذي فقد ساقه اليسرى جراء هذا العدوان الهمجي، فاللهم ربّنا وربّ كل شيء، أفرغ على قلبه صبراً وثباتاً، وارزقنا وإياه الرضا بقضائك وقدرك.ومن منطلق مسؤوليتنا الوطنية، نطرح هذه الفكرة، لعلها تنفع ﴿وَتَعاوَنوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوىٰ﴾.كلمة حق يجب أن تقال، لقد نجحت هيئة الطيران المدني الكويتي باستئناف تشغيل المطار بعد العدوان الآثم في وقتٍ قياسي لا يتعدى ساعاتٍ معدودة، وذلك بالتعاون مع وزارة الداخلية وطيراني «الكويتية» و«الجزيرة»، ولكن كيف يمكننا إعادة تشغيل مبنى الركاب (T1) وهو بهذا الحال، وبشكل آمن لكل المسافرين؟يواجه مطار الكويت الدولي تحديات عدة، سوف نركز في هذا المقال على ثلاثة منها؛ أولاً: كيف لنا تشغيل المطار بوجود الخطر الإيراني المتصاعد؟ثانياً: كيف لنا تخفيض الازدحام المروري والبشري في المطار؟ثالثاً: كيف ننجز رحلات أكثر في ظل صغر حجم مباني الركاب وبشكل أسرع؟من الممكن تشغيل المطار بوضعه الحالي، بل وبشكل أكثر أماناً، وأقل ازدحاماً، ولكنه يحتاج إلى تنسيق وتعاون أكثر بين الهيئات الحكومية وشركات الطيران.أولاً: يجب أن يقتصر دخول المطار على المسافرين فقط، وذلك بإصدار قرار رسمي من هيئة الطيران المدني، يمنع دخول غير المسافر إلى المطار (بشكل موقت).ومن أراد استقبال ذويه، يتم توجيهه إلى المواقف العامة مباشرة، حيث ينتظرهم داخل سيارته، وهنا يجدر بنا أن نحول المواقف إلى مناطق (منطقة أ و ب) مع ترقيم الموقف، حتى يصل القادمون إلى مستقبليهم بشكل أسرع وأيسر.ثانياً: نقل كامل خدمة استقبال الأمتعة خارج المطار بشكل كلي عبر أربع مراحل.المرحلة الأولى: يتم فيها استقبال الأمتعة قبل الرحلة بـ 24 ساعة على الأقل في مناطق خارجية متعددة، مثل قاعات أرض المعارض أو غيرها، وتخصص هذا القاعات وفق احتياج الشركات، ويفضل أن تكون بأماكن متعددة حتى لا يتمركز المسافرين في مساحات صغيرة، مع توفير خدمات التغليف.المرحلة الثانية: بعد تسليم الأمتعة تصدر بطاقة صعود الطائرة (Boarding Pass) من هذه المناطق، وهذا يضمن أن كلّ من يدخل المطار يحمل بطاقة معتمدة، ويفضّل وضع باركود لتجنب عمليات التزوير.المرحلة الثالثة: يتم نقل الأمتعة إلى المطار عبر شركات الشحن البري، تكون قادرة فعلياً على توفير الاحتياجات كافة لنقل الأمتعة والعمل على مدار اليوم، وتحمّل مسؤولية ضياع الأمتعة أو تأخر وصولها.المرحلة الرابعة: تدخل الأمتعة إلى منطقة المطار ليتم تفتيشها بشكل كامل وآمن، ثم تنقل إلى الطائرة قبل إقلاعها بوقت يسير مع التنسيق مع شركة الطيران المعنية.ولا يمنع أن توفر الحكومة خدمات دفع الفواتير ومخالفات المرور داخل هذه القاعات، حتى تكون عملية السفر أسرع وأكفأ، وذلك لرفع أوامر منع السفر عن المسافرين الأجانب.وأما في حال ألغيت الرحلة لأسباب غير أمنية، فيمكن وضع مسار خاص لأصحاب الرحلات الملغية يقدم لهم خدمة إصدار بطاقة صعود جديدة، وأما الإلغاء لأسباب أمنية؛ فيمكن إعادة إصدار البطاقة إما في المطار بعد زوال الخطر، أو من خلال مناطق تسليم الأمتعة.بهذه الطريقة لا يحتاج المسافر أن يأتي قبل رحلته بأربع ساعات، بل قبل الرحلة بساعة ليذهب إلى الجوازات مباشرة، ويصعد طائرته بكل سهولة، لأن إجراءات الركوب أُعِدت مسبقاً، بل وتضمن هذه الطريقة أن كلّ من يدخل المطار يحمل بطاقة صعود مؤكدة ومعتمدة، ما يمنع التسلل ويقلل من خطورة التهديدات الأمنية، ويحسن التحكم بتدفق المسافرين بشكل سريع وسهل.والآن كيف نشغل مبنى الركاب (T1) وإعادة خدمات الطيران الأجنبي؟لقد شرحنا في ما سبق كيفية تسليم الأمتعة وإصدار بطاقة الصعود، وأما تشغيل المطار فيكون بشكل جزئي، حيث يقتصر عمله على استقبال القادمين فقط، وذلك عبر إغلاق الطابق العلوي -الأكثر تضرراً- من المطار وتأهيل وتشغيل الطابق السفلي، وذلك عبر وضع حواجز من باب الخروج من منطقة الجمارك إلى باب المطار الخارجي، كما نأمل أن تتوافر أكشاك خاصة لخدمات تاكسي المطار والليموزين، لتجنب تكدس التكاسي أمام المطار.وأما المسافرون عبر الطيران الأجنبي، فيمكن توزيعهم عبر مبنيي الكويتية (T4) والجزيرة (T5)، ومن ثم نقلهم عبر الحافلات إلى الطائرة أو إلى منطقة الترانزيت في مبنى (T1)، ولأنهم يحملون بطاقات صعود مؤكدة، فلن يتسببوا في ازدحام كبير، فمن الجوازات إلى البوابات الأرضية ثم عبر الحافلات إلى الطائرة.وأما زيادة عدد الرحلات، فمن خلال تقليل زمن بقاء المسافر داخل المطار، يمكن زيادة معدل دوران البوابات الأرضية، ما يسمح باستيعاب عدد رحلات أكبر خلال الفترة الزمنية ذاتها.وهكذا نحقق خمس غايات مهمة:* تسريع إجراءات السفر عبر تسليم الأمتعة وتأكيد الحجز مسبقاً.* زيادة عدد دوران رحلات الطيران من خلال تقليل زمن السفر.* نخفف الازدحام المروري والبشري بحصر الدخول على المسافرين.* التعايش مع ظروف الحرب.* تقليل الكثافة البشرية يقلّل من قيمة الهدف ما يرفع مستوى الأمان.‏X:ha_t965

سالم النخيلان

عساف ذهني
يبدأ الإنسان بالتفكر في نفسه وإدراكاته للحياة، إما بالشكل الحسي أو المعنوي، ويعتبر هذه المرحلة مرحلة وعي يستوعب بها الحياة التي وُلد فيها، والبيئة المحيطة به، واختياراته السابقة وما ترتب عليها، وما سيختاره وما سيترتب عليه لاحقاً.وقد يتفكر في مواهبه التي أدركها، والمواهب التي لم يدركها، باحثاً في كيفية اكتشافها أو من سيكتشفها له، وتلك مشكلة؛ فكيف له إيجاد ما لم يكتشفه بعد واستغلاله؟ فيبقى باحثاً عن المجهول، متفكراً فيه، متجاهلاً الموجود، مطمئناً إليه لأنه موجود، غير مبالٍ بأنه قد يُسلب منه مع التقدم في السن، الذي هو على رأس قائمة السالبين لكل نعمة، وأولها الصحة والفراغ.فهذا الموجود لم يستغل ما تحت قدميه، ولم يقطع خطوة إلى ما هو أمامه.والإنسان بطبعه قصير نظر، مبصر دون بصيرة، يظن بنفسه ما يدعها تستغله دون أن يستغلها. فيريد معرفة مواهبه، ويكتشف عن نفسه المزيد، حتى يصبح كالحصان الجامح الذي عرف قدر قوته وفحولته وطاقته، دونما عسف أو ترويض أو ميدان لانطلاق مواهبه، التي قد يرى لنفسه قدراً فيها. فيحرم نفسه نعمة عظيمة جداً، وهي تفريغ الطاقة والذهن، والأهم من ذلك: التجربة والحركة، التي يعرف من خلالها ما ينفعه ويمتاز به مما لا ينفعه ولا يمتاز به. فيتحول إلى وحش تسوء طباعه، وإن كان شكله جميلاً ولافتاً، ولكن داخله خرب يحتاج إلى إعادة تهذيب وعسف.ولكن الإنسان أسوأ من الحصان؛ لأنه يجيد تعليق فشله على الآخرين، والحصان لا يملك عقلاً يسوّل له ذلك. فيصبح الإنسانلا هو بالذي نفع، ولا بالذي انتفع، ولا بالذي عاش مرتاحاً بحياته الشقية، ولا ريّح من حوله، بل قد يزداد كرهاً لهم، ويزدادون نفوراً منه. وصدقاً لا مجاملة، أقول: كلنا ذاك الرجل.بعيداً عن التفكير في الظروف، وتأويل الأحداث، و«لو» التي تُفتَح من خلالها أبواب للشيطان، والتفكير في المستقبل ومعطياته، وما ستؤول إليه حياتك، ومواهبك المكتسبة التي صاحبتك أو جربتها فأعجبتك فظننت نفسك بها مبدعاً، وحساب الأقدار والظروف، وهل وجدت نفسك أمما زالت ضائعة منك في كومة الحياة المتسارعة التي كلما ازددت بحثاً فيها ازددت ضياعاً.أعتقد أن الإنسان لو آمن بالتسليم لأقدار الله والظروف المحيطة، وفكّر في إماطة أذى، أو إدخال السرور على قلب مسلم، أو صلة رحم، أو سؤال عن حاجة أخ، أو ابتسامة عابرة في وجه صديق أو عابر سبيل، أو حمدٍ على نعمة موجودة، وهبةٍ مستغلة ولو بالقليل اليسير، وقضاء يوم بلا ألم جسدي أو نفسي؛ لكان خيراً كبيراً، خصوصاً أنها مقدرات ومعطيات تحت تصرفه وقدرته الحالية، لجنّب عقله التفكير في ما لا يملك منه غير الحسرات وكفران النعم والمُنعِم.ولعل توهانه يقل، وتقل شكوكه ولعناته للحياة التي يظنها ضده بكل قوتها وأقدارها، وما كانت الدنيا لتعبأ بأمره، ولا بظنونه وطاقاته وقدراته التي لن تغيّر في أقدار الله شيئاً.