رأي مالي / الانتخابات البرلمانية المقبلة عامل إيجابي للاقتصاد البريطاني

تبقى حالة عدم اليقين الاقتصادية والسياسية سائدة إلى حدٍّ ما في بريطانيا، بعد مرور 10 أشهر على تنظيم الاستفتاء، الذي قرر خلاله الشعب البريطاني تأييد خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي.

ومن المعروف أن المستثمرين والشركات لا يحبذون مثل هذه الأوضاع إذ تثير حالات عدم اليقين قلقهم، ومما لا شك فيه أيضاً أن المستثمرين والبريطانيين على حدٍّ سواء أخذوا هذه المسألة أخيراً بعين الاعتبار.

وأثبت الاستفتاء الذي تم تنظيمه في شهر يونيو من العام الماضي حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، اتخاذ الشعب البريطاني بطريقة أو بأخرى الخيار الصحيح، وخير دليل على ذلك هو التحسّن الذي شهدته الأسس الاقتصادية البريطانية ومعدل النمو الاقتصادي في المملكة المتحدة منذ ذلك التاريخ.

ولقد أظهر المستثمرون المحليون والعالميون على حدٍّ سواء وجود قيمة كبيرة في الأصول بالمملكة المتحدة.

وواجهت الأسواق المالية عاصفة الاستفتاء ونتائجه، وصمدت في وجهها ونجحت في تحقيق أداء جيد للمستثمرين الذين تجاهلوا المتشائمين.

ويكون الاستثمار في بعض الأحيان جديراً بالاهتمام، عندما يتعلق الأمر بقضايا استراتيجية يمكن أن تؤثر على مستقبل أي بلد، ونحن هنا لا نتناول أي بلد بل نتحدث عن دولة كبيرة صاحبة تاريخ طويل وتتمتع بأسس اقتصادية وسياسية قوية.

وبالإضافة إلى حالة عدم اليقين بشأن مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن المملكة المتحدة تواجه الآن قرار رئيسة الوزراء تيريزا ماي، إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في أوائل شهر يونيو المقبل.

وجاءت دعوة رئيسة الوزراء البريطانية لإجراء هذه الانتخابات المبكرة، بسبب رغبتها بالحصول على تفويض واضح من الشعب البريطاني، حتى تتمكن من التفاوض على شروط خروج بلادها من الاتحاد الأوروبي بالإنابة عنهم، بشكل يحقق مصالح الاقتصاد البريطاني.

وتعد الانتخابات العامة المتوقعة في يونيو المقبل هي رابع عملية تصويت مهمة في السنوات الأربع الماضية، وهو الأمر الذي قد يشير من الناحية الشكلية إلى أن البلاد تمر بفترة من الاضطراب السياسي لم يسبق لها مثيل.

ولكن المثير للاهتمام هذه المرة أن المستثمرين والأسواق المالية على حدٍّ سواء، لا يبدون قلقين على الإطلاق.

وكان الجنيه الإسترليني قد ارتفع مقابل معظم العملات، على خلفية قرار رئيسة الوزراء الدعوة لإجراء انتخابات عامة مبكرة، وقد يكون ارتفاع قيمة الجنيه الإسترليني مرتبطاً بالانتخابات الرئاسية الفرنسية في دورتها الأولى التي جرت يوم الأحد، والدورة الثانية المقررة في شهر مايو المقبل أكثر من ارتباطه بنتائج الانتخابات التشريعية البريطانية المقررة في شهر يونيو المقبل.

ويشكل ذلك مرة جديدة، مؤشراً على ثقة المستثمرين بالمملكة المتحدة واقتصادها، ودليلاً على أنهم يراهنون على الجنيه الإسترليني ويحتفظون به بدلاً من العملة الأوروبية المشتركة اليورو.

ومما لا شك فيه أن جزءاً من ردة الفعل الهادئة للأسواق، تتعلق بسياق مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وتبقى هذه المفاوضات المقبلة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، هي المجهول الأكبر الذي يحوم فوق الاقتصاد البريطاني، وأيدي رئيسة الوزراء تيريزا ماي ستكون أقوى بكثير إذا حصلت على تفويض واضح وقوي من الناخبين البريطانيين.

ومن الواضح أن ذلك كله يعتمد على النتائج التي ستحققها ماي وحزبها في الانتخابات العامة المقبلة، ومن المرجح أن تصبّ نتائج الانتخابات المقبلة في صالح حزب المحافظين الحاكم حيث تبدو النتائج واضحة تماماً بالمقارنة مع الدورات الانتخابية السابقة.

والسؤال المطروح حالياً في بريطانيا يدور ببساطة حول عدد المقاعد، الذي سينجح حزب المحافظين في إضافتها للأغلبية التي يتمتع بها حالياً، وليس عن قدرته على الفوز بالانتخابات أو احتمال حصوله على مقاعد لا تتيح له إلا تشكيل حكومة ائتلافية.

ويعود ذلك إلى قناعة الجميع بأن المحافظين سيكتسحون الانتخابات العامة لأسباب عديدة، وهو ما أظهرته استطلاعات الرأي الأخيرة التي أشارت إلى أن رئيسة الوزراء تيريزا ماي ستفوز بأغلبية كبيرة في انتخابات شهر يونيو المقبل.

وإذا حصل ما هو متوقع، فإن ماي ستتمتع بتفويض أقوى من الشعب البريطاني، الأمر الذي سيتيح لها فرصة المضي قدماً في جدول أعمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بسهولة أكبر.

وبناء عليه فإن ذلك قد يحدّ قليلاً من حالة عدم اليقين على مدى العامين المقبلين، بسبب وجود فرص أكبر لإجراء المفاوضات ومحاولة استكمالها دون عوائق.

إن المستثمرين والشركات سعداء جداً بوصول ماي مجدداً إلى رئاسة الوزراء، مع أغلبية حاكمة أكبر وتفويض واضح للتفاوض مع الاتحاد الأوروبي بالإنابة عن الشعب البريطاني.

أضف إلى ذلك توقيت الانتخابات المقبلة، إذ يمكن للاقتصاديين الذين يتطلعون إلى الأمام رؤية السيناريو الذي تضيف فيه هذه الانتخابات إلى اليقين على المدى الطويل، بدلاً من الانتقاص منه.

ولو لم تعمد ماي إلى الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة لكان عليها وعلى حزبها خوض انتخابات عامة في عام 2020، وهي الانتخابات التي كان من الممكن أن تتصادف مع مفاوضات خروج بلادها من الاتحاد الأوروبي، على افتراض أن تنقل الفترة الانتقالية المفاوضات إلى ما بعد ربيع 2019.

أما الآن وبعد الدعوة لهذه الانتخابات المبكرة فإن مجلس العموم سيبقى حتى عام 2022 موعد الانتخابات التشريعية الجديدة، والتي من المحتمل أن تتصادف بعد انتهاء الفترة الانتقالية، بينما إجراء انتخابات تشريعية في موعدها وفق الجدول الزمني السابق في عام 2020، ستصطدم مع المفاوضات وتكون بمثابة الصفعة في نهاية المفاوضات.

ولكن الإيجابية الواضحة للسوق يمكن أن تُعزى أيضاً إلى قبول حالة عدم اليقين مع اعتياد الأسواق والشركات على الأوضاع التي ترافق الانتخابات، وفهم كيفية مواجهة الأحداث غير المتوقعة.

وإذا عُدنا بالذاكرة إلى الوراء وبالتحديد إلى شهر يونيو من العام الماضي، عندما تم إجراء الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفوز الفريق المؤيد للخروج من الاتحاد، توقع معظم الاقتصاديين والمراقبين بشكل مباشر تراجع النمو الاقتصادي البريطاني، في ظل تحذيرات وزارة الخزانة من حدوث انهيار فوري في الناتج المحلي الإجمالي، وتوقعات المحللين بتباطؤ سريع في النشاط الاقتصادي.

إلا أن ذلك كله لم يحدث، بل على العكس من ذلك فقد تسارع النمو الاقتصادي البريطاني، وكما قالت رئيسة الوزراء في الكلمة التي ألقتها عند الدعوة لإجراء انتخابات برلمانية مبكرة «على الرغم من التوقعات بوجود مخاطر مالية واقتصادية فورية، فقد شهدنا منذ الاستفتاء بقاء معدلات ثقة المستهلكين عند مستوياتها المرتفعة، وعدد الوظائف عند مستويات قياسية أيضاً، والنمو الاقتصادي يتجاوز كل التوقعات، وهو الأمر الذي يدل على أن الجمهور الأوسع أقل قلقاً بشكل خاص من حالة عدم اليقين السياسي بالمقارنة مع التوقعات السابقة للاقتصاديين.

كما بدأ المستهلكون البريطانيون بالاعتياد قليلاً الآن على هذا الوضع، وقد شجعت جميع هذه الاستفتاءات والانتخابات الشركات التي تركز على المستهلكين للاستثمار في العام الماضي.

ولكن المخاطر الاقتصادية تبقى في حال تواصل تكرار هذه الممارسات الديمقراطية، والتي قد تعطي المستثمرين الأجانب فكرة أن بريطانيا جزء من عالم تسيطر عليه الاضطرابات الانتخابية.

وقد تضر هذه الفكرة نفسها بآفاق الاستثمار، بحيث تخشى الشركات من التباطؤ الاقتصادي، ولكن تضخم الأسعار ارتفع منذ عمليات البيع المكثفة التي شهدها الجنيه الإسترليني في العام الماضي.

والأهم بالنسبة للصورة الدولية لبريطانيا هو أداء جارتها، وقد تخلق الانتخابات الفرنسية مزيداً من حالة عدم اليقين، بالمقارنة مع الانتخابات البريطانية المقررة في شهر يونيو المقبل، لاسيما بالنسبة للمستثمرين العالميين.

(@Rasameel)

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا