سحر طه


حوار / سحر طه: لبنان وزوجي سعيد طه جعلاني أتخطى فجيعتي في العراق

  • 17 يونيو 2008 12:00 ص
| حاورها - حسن الفرطوسي: |

ما أن تجلس مع الفنانة سحر طه، حتى تشعر بأنك أمام كائن يواجه كل مصائب الكون وهو يغني، فمن مأساتها مع ما حلّ في العراق من خراب ودمار، مروراً بحزنها على بيروت التي عبثت بها الحروب الأهلية والمغامرات السياسية غير المتعقلة وانتهاءً بصراعها المرير مع مرض السرطان الذي خرجت منه منتصرة وهي تغني «طالعة من بيت أبوها... رايحه لبيت الجيران» وفي ظل كل تلك الصدمات المتلاحقة، سحر طه ما زالت تغني... تغني للانسان وللحياة وللحب وللوطن الذي يتقشر ويتفتت أمام عينيها كشجرة هرمة.

ترى الفنانة سحر طه المتخصصة في غناء التراث العراقي بأن «وطنها» لبنان منحها مواساة تكفي لما سببه لها «وطنها الأصلي» العراق من خسارات وأوجاع. كذلك ترى أن لبنان وزوجها سعيد طه قد وفّرا لها مناخاً مناسباً لصقل موهبتها الموسيقية والغنائية. حصلت على شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة الحضارة الاسلامية المفتوحة، تقديراً لجهودها في احياء التراث الغنائي العراقي من خلال بحوثها ودراساتها. أسست في عام 2004 فرقة «عشتروت» للغناء التراثي، كما أسست قبل ذلك العديد من الملتقيات الفنية والثقافية.

«الراي» التقت المبدعة سحر طه أثناء زيارتها الى الكويت لاحياء حفلات غنائية ضمن مهرجان الموسيقى الدولي الذي أقامه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الذي انتهت فعالياته في الاسبوع المنصرم، وهذه تفاصيل الحوار:


• هـــــل هـذه زيارتكم الأولى للكويت ؟

- لقد زرت الكويت في عام 1979 بشكل شخصي، الا أن هذه الزيارة تعتبر الأولى، كزيارة فنية، وقد جاءت تلبية للدعوة التي وجهت لنا من قبل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب لاحياء حفلات غنائية ضمن مهرجان الموسيقى الدولي.

• كيف رأيت تفاعل الجمهور الكويتي مع الأغنية العراقية ؟

- من خلال الحفلات التي أقمناها لمست ثمة تعطّش وحنين للأغنية العراقية والتراث الغنائي العراقي، وهذا ما رأيناه من تواجد كثيف وتفاعل وحيوية من قبل الجمهور بطريقة تقود الى التفاؤل بأن الأغنية التراثية الأصيلة ما زال لها مكانة في نفوس ووجدان الجمهور.

• هل من تعاون مع شركات انتاج كويتية أو خليجية يلوح في الأفق نتيجة زيارتكم هذه الى الكويت ؟

- نتمنى أن يتولّد هذا النوع من التعاون بين الفنان العراقي والمؤسسات الفنية الكويتية، لما له من تأثير على ردم الفجوة التي حصلت بين الشعبين نتيجة الممارسات السياسية الرعناء التي تحامق بها النظام السابق وأحدث هذا الشرخ الموجع في العلاقات بين الأشقاء، أنا أعتقد بأن التعاون الفني له تأثيره الايجابي في تصفية النفوس واعادة أواصر الأخوّة أكثر من التعاطي السياسي، لأن الفن عنصر انساني فاعل من شأنه أن يترك بصمته في وجدان وضمير المجتمعات، وأعتقد بأن القطيعة بدأت تذوب وتتلاشى وهذا ما ينبغي أن يكون، اذ ليس من المنطق أن تحاكم الشعوب بأوزار حكامها، فأنا فعلاً أتمنى أن تتخذ المؤسسات الثقافية والفنية خطوة الى الأمام بهذا الاتجاه لبناء تعاون فني ستجني أجيالنا القادمة ثماره حتماً.

• عشتروت، هو اسم فرقتكم الغنائية، فكيف تشكّل هذا الاسم ؟

- عشتروت هي ربّة الأرباب وآلهة الحب والجمال في بلاد ما بين النهرين، ولم نجد أجمل من هذا الاسم لنطلقه على فرقتنا، لما يحمل هذا الاسم من ايحاءات جمالية عميقة، كما اني أطلقت على أعضاء الفرقة من البنات اسم «عازفات عشتروت».

• لاحظنا بأن عدد الفرقة كان قليلاً ويقتصر على الشبان فقط، دون وجود لعازفات عشتروت، ما هو السبب ؟

- لشديد الأسف لم يكن بوسعنا استقدام عازفات عشتروت معنا الى الكويت بسبب ظروف الحرب والأحداث الأخيرة التي تعرفونها، فكان أكثر من نصفهنّ خارج بيروت ولم نتمكن من جمعهنّ في مكان واحد لاجراء التمارين والبروفات لبرنامج هذا المهرجان، كذلك بعض العازفات كنّ منشغلات في امتحانات دراسية، لذلك اكتفينا بجلب بعض الشباب الموسيقيين الذين كانوا متواجدين في بيروت.

• هل عازفات عشتروت عراقيات، أم من جنسيات أخرى ؟

- جميعهن لبنانيات.

• وهل كان سهلاً عليك ايصال روحية الاغنية التراثية العراقية لعازفات غير عراقيات ؟

- هناك شحة في العازفات العراقيات في لبنان وحتى خارج لبنان، فهناك شحة في العنصر الموسيقي النسوي عموماً بالنسبة للعراق، لاسيما في ظل الظروف الراهنة التي تحارب فيها الموسيقى والغناء وباقي أنواع الفنون، فالاستعانة بعازفات لبنانيات كان ولا يزال يشكّل لي بعض الارباك في عدم الوصول الى الروحية الأصيلة للأغنية العراقية، لذلك نحن نستعين بموسيقيين عراقيين في الحفلات التي تقام في بلدان ذات كثافة عراقية كالأردن مثلاً.

• ما هو سبب هذه الشحّة في العنصر الغنائي النسوي العراقي؟

- حقيقة الأمر هي أن الشحّة تكتسح الفن العراقي حتى بالنسبة للعنصر الفني الرجالي، فضلاً على العنصر النسائي، ذلك لأن المرأة العراقية بشكل عام نالها الكثير من الضرر نتيجة الحروب والأزمات السياسية التي أرهقت العراق على مدى نصف قرن، وكان للمرأة النصيب الأكبر من المعاناة نتيجة ذلك، لأنها اضطرت أن تكون هي الأب والأم والمعيل والمربّي والمحافظ على تماسك الأسرة في آن واحد، وعليها أن تقوم بكل تلك الأدوار وهي في قلق مستمر وخوف وشعور بعدم الاستقرار، ومن الطبيعي أن تتسبب ظروف من هذا النوع في ضمور الجانب الفني.

• كيف تنظر سحر طه الى حاضر ومستقبل الأغنية العراقية في ظل هذا المفصل التاريخي ومرحلة التغيير البنيوي في الحياة العراقية الذي يشمل كل جوانبها السياسية منها والاجتماعية؟

- مستقبل الأغنية العراقية لا ينفصل عن مستقبل الفن عموماً، كما أن مستقبل الفن لا ينفصل عن شكل المستقبل الذي سيتمخض عن مرحلة التغيير فيما يتعلق بجوانب الحياة الأخرى، فعناصر الحياة مرتبطة ببعضها بشكل لا يمكن تجزئته... الأغنية العراقية الآن محاصرة من أكثر من جهة، فهناك تطور تكنولوجي بوسائل الاتصالات ووسائل الأرشفة الالكترونية ونحن عاجزون عن مواكبة هذه الموجة التطورية واللحاق بحركة زمن العولمة السريع، كما أن هناك حصارا آخر من قبل القوى والتيارات التي تقف ضد التغيير والمعارضين لعملية التحول والانفتاح وقد تمكنوا من فرض هيمنتهم التامة لمنع الغناء والموسيقى في مناطق كثيرة من العراق، ووصل الأمر الى درجة القتل والتصفية الجسدية، وهذا الحصار لا يقتصر على الفن فقط، بل يشمل التعليم والثقافة العامة والرياضة وجميع البنى التي تؤسس الهيكلية المعرفية والأخلاقية في المجتمع... في أحيان كثيرة ينتابني شعور باليأس من مستقبل الفن في العراق، وأحياناً نجد التفاؤل هو سبيلنا الوحيد لكي نحافظ على توازننا وتواصلنا الفني.

• هناك ظواهر فنية فرضت نفسها على الواقع في الفترة الأخيرة كبعض الأصوات الغنائية الشابة مثل شذى حسون على سبيل المثال لا الحصر، كيف تنظرين لمثل هذه الظواهر ؟

- أرى في شذى حسون أكثر من نموذج فني أو ظاهرة فنية، بل هي ظاهرة انسانية مثلت علامة بيضاء في زمن أسود وشكّلت في وجداننا بصيصا من الأمل لاعادة اللحمة الوطنية لأبناء الشعب العراقي، فالذين صوتوا لها لم يسألوا عن دين أو مذهب أو طائفة شذى حسون، بل صوتوا لها لأنها عراقية ومبدعة وانسانة متزنة وخلوقة تستحق الوقوف معها، فأنا سعيدة بشذى وسعيدة بوقوف العراقيين مع ابنتهم كسعادتي ببقية الظواهر العراقية، سواء كانت فنية أو حتى رياضية، التي وحدت الشعب العراقي في زمن صراع طائفي مختلق ودخيل على بنية المجتمع العراقي.

• الصحافة المقروءة والمرئية تحدثت كثيراً عن صراعك المرير مع مرض السرطان وانتصارك عليه، وكذلك عن فقدانك لشعرك الحريري الطويل الذي كان يميّز شكلك، نتيجة لذلك الصراع، فأيهما أبكاك أكثر، تساقط شعرك أم تساقط العراق وانهياره ؟

- «ضحكت بمرارة وكأنها تريد أن تطرد حزناً مباغتاً ثم قالت»: اذا كان شعري قد أبكاني لمرّة واحدة أمام كاميرات التلفزيون، فالعراق أبكاني طوال عمري وما زال يبكيني، لأن محنتنا مع العراق لا تبدو لها نهاية... ومأساة العراق مركّبة ومعقدة ولا يحدّها أفق أو سقف زمني، ما يجعلنا نصاب بالاحباط واليأس رغم محاولاتنا الدائمة في انتزاع لحظات التفاؤل من عمر الزمن ومنح انفسنا فسحة من الأمل.

• بجانب مجالك الغنائي، أنت تعملين في الحقل الاعلامي كمحررة صحافية في جريدة المستقبل اللبنانية، فهل كتبت عن انطباعاتك الشخصية عما حدث في العراق ؟

- قبيل الحرب عدت الى العراق، بدافع أن أعيش مع أهلي محنة حرب لم يتكّهن أي منّا في الشكل الذي ستكون عليه، لكن اليقين الوحيد الذي كان يراودنا هو انها حرب ستلتهم اليابس والأخضر، لذلك قررت أن أعيش تلك اللحظات الحيمية مع أهلي وشعبي وأربط مصيري بمصيرهم كيفما كانت النتائج، ونتيجة لتلك الزيارة قمت بتأليف كتاب بعنوان «مقامات بغدادية... من يوميات الاحتلال الأميركي للعراق» يتضمن مشاهداتي لحال العرق أثناء القصف الجوي والدمار الذي لحق العراق ولحظات الانهيار الكارثي الذي عاشته بغداد وتداعيات الحرب وقد ضمّنتها بذكريات الطفولة وأشجان الماضي.

• ثم عدت الى لبنان، ويبدو أن الحرب تلاحقك أينما حللت، هل تعتقدين ان للقدر دور في ذلك ؟

- مصابنا في لبنان لا يقلّ ايلاماً عن مصابنا في العراق، فعلاً انه قدر غريب، فأين ما نولّي وجوهنا نجد الحرب تلتهم كل أحلامنا في حياة مستقرة ورغيدة، فلبنان يعيش حالة من الصراع مع الخراب والحروب الأهلية تشبه صراعي مع مرض السرطان، ولكني واثقة تماماً بأننا شعوب تنبض بالحياة وسننتصر في نهاية المطاف مهما طرق اليأس والاحباط أبواب نفوسنا.

• كيف تقيمين تجربتك مع لبنان وماذا أضاف لك لبنان فنياً ؟

- أنا تعلمت عزف العود في لبنان، ونمت موهبتي الغنائية في لبنان، وزوجي سعيد طه كان له دوراً كبيراً في صقل موهبتي، كذلك وقوفه معي في صراعي مع المرض وفي صراعنا سوية مع الخراب الذي حل في العراق وفي لبنان دور كبير منحني القدرة على التماسك أمام انهيار الأشياء أمامي كأنها زلزال يجتاح الحياة بشكل مباغت. فلبنان منحني أشياء كثيرة وأنا أحبه، كما أن العراق سلبني أشياء كثيرة وأنا أحبه أيضاً، انها أوطان لا تخضع لمعادلات الربح والخسارة، لما لها من قيمة روحية وعاطفية في تكويننا الوجداني والانساني... انها فعلاً علاقة بين الانسان والوطن خارج الحسابات الرياضية، فقد يكون وطني لبنان الذي أمضيت فيه أكثر من ثمانية وعشرين عاماً قد عوضني عن خساراتي في العراق... ومن جملة التعويض عن الخسارات المعنوية التي تعرضنا لها جميعاً، أود أن أذكر بأني حصلت على شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة الحضارة الاسلامية المفتوحة، تقديراً لجهودي ودراساتي وأبحاثي في احياء التراث الغنائي العراقي، وقد جاء هذا التكريم ضمن الحفل السنوي الرابع للجامعة الذي أقيم في بيروت وكرّم معي في نفس الوقت مجموعة من المفكرين والمبدعين من العالمين العربي والاسلامي من بينهم الفنانة نسرين الهاشمي والأديبة عواطف الزين ومريم الريس مستشارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وعبد الحق المريني من المغرب ورجل الأعمال عصام أبو درويش ومجموعة من المبدعين العرب.

• أخيراً، كيف تقيمين الأغنية العربية اليوم ؟

- المشهد الذي نراه للأغنية العربية اليوم هو مشهد مترهّل للغاية مع شديد الأسف، اذ يعتمد على الاستعراضات الجسدية «يعني جيب بعض البنات يستعرضن أجسادهن واصنع أغنية لا لون لها ولا طعم ولا رائحة».



سحر متحدثة للزميل حسن الفرطوسي



تغني للحياة وللانسان

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا