خيرالله خيرالله / لم يتغيّر شيء في لبنان... المقاومة مستمرة!

تصغير
تكبير
يفترض في اللبنانيين ومعهم العرب ألا يضحكوا على أنفسهم. كذلك يفترض باللبنانيين، أولاً، ادراك أن الأخطار التي تواجه بلدهم ذات طابع مصيري. يفترض بهم أخيراً التأكد من أن شيئاً لم يتغيّر منذ الثامن من مارس 2005، عندما سيّر «حزب الله» تظاهرة في بيروت تحت شعار «شكراً لسورية»، ولم يكن مضى شهر على اغتيال الرئيس رفيق الحريري... وصولاً إلى الخطاب الأخير للسيد حسن نصرالله الأمين العام لـ «حزب الله»، قبل أيّام. المقاومة مستمرة. هناك مقاومة مع لبنان ومن أجل لبنان، وهناك مقاومة للبنان من أجل إلحاقه بمحور معين، على رأسه إيران ذات الأطماع الإقليمية الواضحة، ومشروع الهيمنة على كل ما هو عربي في المنطقة. تلك هي المعادلة الأساسية قيد التداول. كل ما تبقى تفاصيل لا معنى لها تصب في خانة كسب الوقت، وفرض أمر واقع على الأرض. لو لم يكن الأمر كذلك، لما أكد الأمين العام للحزب أن «من حق» الميليشيا التابعة له امتلاك السلاح الذي تريد، كما من حقها استخدامه. هل نسي الأمين العام لـ «حزب الله» وجود «القرار 1701» الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وأن هذا القرار ثمرة حرب صيف العام 2006، وأنه العنصر الإيجابي الوحيد الذي تحقق نتيجة تلك الحرب، بفضل حكومة فؤاد السنيورة أولاً وأخيراً. الحكومة المؤمنة بالمقاومة الحقيقية لإسرائيل بديلاً من المزايدات التي لا تجلب سوى الخراب، وتعود بالكوارث والمآسي على لبنان واللبنانيين، من أهل الجنوب خصوصاً، والعرب عموماً. أنها حكومة تتألم عندما يسقط أي لبناني أكان طفلاً، أو رجلاً، أو امرأة جراء العدوان الإسرائيلي. أنها حكومة تعرف قيمة الإنسان، وتدرك أهمية ثقافة الحياة.
كان خطاب الأمين العام لـ «حزب الله» في ذكرى المقاوم عماد مغنية، الذي اغتيل في دمشق في ظروف أقل ما يمكن أن توصف به أنها غامضة، حملة على ثقافة الحياة. تماماً كما كانت عليه تظاهرة «شكراً سورية» في الثامن من مارس 2005. لم يكن مهماً أن يلجأ السيّد نصرالله إلى التهدئة. كان مهماً أن يدين كل التصرفات التي توالت منذ ما قبل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في الرابع عشر من فبراير 2005، والتي تصب كلها في اتجاه واحد وحيد يتمثّل في إلحاق لبنان بالمحور الإيراني- السوري، وتكريسه «ساحة» للمحور. من سوء حظ الأمين العام لـ «حزب الله» أن لبنان مستمر في المقاومة. مستمر في رفض الرضوخ للأمر الواقع. مستمر في الإيمان بثقافة الحياة، وبمشروع الإنماء والإعمار الذي أكد سعد الحريري في خطابه الأخير التمسك به.
إن المقاومة اللبنانية ليست وليدة أمس. المقاوم الوطني الأول كان العميد ريمون أده، رحمات الله عليه، الذي وقف منذ العام 1969 من القرن الماضي، أي منذ أربعين عاماً في وجه «اتفاق القاهرة» مدركاً خطورته على مستقبل البلد. منذ أربعين عاماً ولبنان يقاوم الخطاب ذاته الذي يرمي إلى تحويل الوطن الصغير «ساحة». ما معنى الكلام عن الإتيان بمزيد من الأسلحة إلى الأراضي اللبنانية، ووضعها في تصرف حزب أثبت أنه على استعداد لاستخدام السلاح لإرهاب اللبنانيين كما حصل في السابع من مايو الماضي، وكما حصل في الرابع عشر من فبراير الجاري بعد نزول اللبنانيين إلى «ساحة الحرية» لاحياء ذكرى من أعاد الحياة إلى عاصمتهم ووطنهم. قد لا يكون «حزب الله» متورطاً في الاعتداء على المشاركين في احياء ذكرى الرابع عشر من فبراير. لكن الأكيد أن سلاحه وفّر الغطاء لمثل هذه الاعتداءات التي أودت بحياة المواطن لطفي زين الدين.

ما نشهده اليوم في لبنان محاولة لتأكيد أن «اتفاق القاهرة» الذي وقع في ظروف ضاغطة على لبنان لا يزال حياً يرزق. مع فارق أن لبنانيين أخذوا مكان عناصر المنظمات الفلسطينية في عملية تدمير البلد ومؤسساته. في أساس الخلل الذي تسبب به الاتفاق تشريع وجود سلاح خارج سلاح الشرعية اللبنانية. لذلك، كان الشعار الأول الذي جمع بين مئات آلاف اللبنانيين من كل الطوائف، والمذاهب، والمناطق في الرابع عشر من فبراير ذلك الذي يدعو إلى بناء الدولة، والعودة إلى الدولة، وحصر السلاح بها. في النهاية، ليس لدى «حزب الله» وغير «حزب الله» ما يقدمه للبنانيين سوى نموذج قطاع غزة الذي اعتبره نصرالله «انتصارا». ما هذا الانتصار الذي يسقط فيه ألف وثلاثمئة شهيد فلسطيني، وأكثر من ستة آلاف جريح في مقابل عشرة قتلى إسرائيليين، بينهم خمسة سقطوا عن طريق الخطأ! ما هذا الانتصار الذي يصل فيه الإسرائيليون إلى مكان يعرفون تماماً أن القياديين في «حماس» اختبأوا فيه... ثم يتراجعون. ما هذا الانتصار الذي يؤدي إلى تدمير نسبة خمسة عشرة في المئة من غزة تدميراً كاملاً، حسب تقدير المنظمات الدولية؟ ما هذا الانتصار الذي يكرس وجود كيانين فلسطينيين، أحدهما في القطاع والآخر في الضفة الغربية بعدما تبين أن لا مصلحة إسرائيلية في إسقاط حكم «حماس» في غزة كي تضمن بقاء الكيانين المستقل كل منهما عن الآخر؟
قليل من المنطق ضروري، كذلك بعض التواضع، خصوصاً لدى الحديث عن انتصارات. ما فعله اللبنانيون الذين نزلوا إلى ساحة الحرية في الرابع عشر من فبراير بمثابة تأكيد لوجود أكثرية ساحقة من كل الطوائف، والفئات الاجتماعية تدرك تماماً أن على لبنان أن يقاوم، وأن أول ما يجب مقاومته هو كل سلاح خارج الشرعية اللبنانية. مثل هذا السلاح هو الأخطر على وجود لبنان ومستقبله. أنه السلاح الأخطر على الصيغة اللبنانية بحسناتها، وسيئاتها. أنه الطريق الأقصر للفتنة الطائفية والمذهبية. هل من خدمة تقدم لدولة عنصرية مثل إسرائيل أفضل من هذه الخدمة؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي