خيرالله خيرالله / أوباما يقود الانقلاب على عهد بوش الابن!

تصغير
تكبير
يأتي الاستعجال الأميركي في إرسال مبعوث خاص إلى الشرق الأوسط بمثابة تأكيد لرغبة الرئيس باراك أوباما في تنفيذ الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية. الرجل صادق، أقلّه إلى الآن. هناك من يرصد تحركاته وطريقة عمله. لم يكد يمضي أسبوع على تسلمه مهماته، حتى تبين أنه على استعداد للذهاب بعيداً في الانقلاب على إدارة جورج بوش الابن وعلى التركة الثقيلة للمحافظين الجدد. كان الدليل الأول على ذلك القرار الذي اتخذه أوباما وقضى بإغلاق سجن غوانتانامو كاشفاً أن لديه طريقته المختلفة في شن حرب على الإرهاب ومعالجة ذيول مأساة الحادي عشر من سبتمبر 2001. ليس العنف وحده وسيلة للقضاء على الإرهاب. هناك وسائل أخرى يمكن أن تكون أفضل من الحروب المكلفة التي شنتها الإدارة السابقة. بين هذه الوسائل محاولة الاستجابة لتطلعات المظلومين في هذا العالم. على رأس هؤلاء أبناء الشعب الفلسطيني الذين يعانون من الاحتلال المستمر ومن إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل.
ما يبدو واضحاً من تصرفات الرئيس الأميركي الجديد، الذي اختار وسيلة إعلام عربية هي قناة «العربية» للإدلاء بأول حديث منذ دخوله إلى البيت الأبيض، أنه يعي أهمية القضية الفلسطينية وإيجاد حل لها. أكثر من ذلك، بدا أن باراك أوباما يدرك معنى إنهاء المأساة الفلسطينية من منطلق أن العمل من أجل التوصل إلى تسوية عادلة لقضية شعب حرم من حقوقه سيساعد في تغيير صورة الأميركي في العالم. لقد عملت إدارة بوش الابن كل ما تستطيع كي تزداد صورة «الأميركي البشع» بشاعة. ولذلك تبدو مهمة باراك أوباما في غاية الصعوبة. إنه يلعب دور العطار الذي يحاول إصلاح ما أفسده الدهر، ممثلاً بجورج بوش الابن ورجال إدارته!
ثمة من يعتقد أن المهمة مستحيلة، ولكن من يدري في منطقة تغيّرت المعطيات فيها تماماً منذ قررت إدارة بوش الابن اجتياح العراق بهدف الإخلال بالتوازن التاريخي الذي قام عليه الشرق الأوسط منذ انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى؟

ليس سراً أن اختيار جورج ميتشيل العضو السابق في مجلس الشيوخ الأميركي وزعيم الأكثرية «الديموقراطية» فيه طوال أعوام عدة يوفر للإدارة الأميركية الجديدة مصداقية أفتقدتها الأدارة، بل معظم الإدارات السابقة. فميتشيل يمتلك خبرة طويلة في حل أزمات مستعصية، مثل قضية شمال إيرلندا. نجح في تحقيق اختراق حيث فشل كثيرون غيره. إضافة إلى ذلك، يمتلك الرجل مقداراً كبيراً من الاحترام لدى الفلسطينيين خصوصاً، ولدى الإسرائيليين الذين يريدون تحقيق تسوية تقوم على فكرة الدولتين. وفي هذا المجال، لابدّ من ملاحظة أن ميتشيل يعرف تماماً أين مكمن العلة، إذ أشار في التقرير الذي وضعه في العام 2001 بعد محاولته الأولى للتوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى ضرورة وقف الاستيطان في الضفة الغربية.
باختصار شديد، إن القرار الأميركي بإرسال جورج ميتشيل على وجه السرعة إلى الشرق الأوسط وتأكيد المبعوث الرئاسي التزام الأدارة التوصل إلى حل، يعكس إلى حدّ كبير مدى جدية باراك أوباما في تحقيق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة. الأكيد أن الجدية الأميركية وحدها ليست كافية. ولكن ما يدعو إلى بعض التفاؤل أن ليس في استطاعة أي حكومة إسرائيلية، حتى لو كانت برئاسة الليكودي بنيامين نتانياهو الذي قد ينتصر في الانتخابات التي ستجري في العاشر من الشهر الجاري، الدخول في مواجهة مع رئيس أميركي لم تمضِ سوى أيام قليلة على بداية ولايته. هذا لا يعني أن إسرائيل لن تكون عقبة، ولكن ما لابد من الاعتراف به في الوقت ذاته، أن الفرصة التي توفرها إدارة أوباما تأتي في وقت يعاني فيه الجانب الفلسطيني من حال انقسام لا سابق لها منذ نكبة العام 1948. للمرة الأولى، هناك كيانان فلسطينيان لا علاقة لأحدهما بالآخر. للمرة الأولى هناك برنامج سياسي فلسطيني واضح يحدد أسس التسوية في ما بين الفلسطينيين من يرفض البرنامج ويحاربه... ويطلق الصواريخ العشوائية من غزة بهدف إسقاطه. هل يعي الفلسطينيون أن لديهم فرصة لتحقيق حلم الدولة، أم يصح فيهم مرة أخرى القول إنهم لا يفوتون فرصة تفويت الفرص؟
بعض التعقل الفلسطيني مطلوب. نعم هناك فرصة لتحقيق تسوية رغم الموقف الإسرائيلي المتعنت. ما لابدّ من تذكره أنه لم يحصل يوماً أن توصل العرب والإسرائيليون إلى اتفاق ما من دون الدور الأميركي. يبدو الأميركيون هذه المرة على استعداد للعب الدور المطلوب منهم. لم ينتظر باراك أوباما السنة الأخيرة من ولايته الثانية للقيام بمبادرة جدية في اتجاه الشرق الأوسط. كانت بضعة أيام كافية كي يعين مبعوثاً خاصاً له في المنطقة. ولم يمضِ أسبوع قبل أن يباشر هذا المبعوث مهمته، بدءاً بالقاهرة.
ثمة أمر أخير يفترض في الجانب الفلسطيني، خصوصاً «حماس»، التنبه إليه. يتمثل هذا الأمر في أن لدى الإدارة الأميركية مصلحة حقيقية في تحقيق تسوية، نظراً إلى اقتناعها بأن رفع الظلم عن الشعب الفلسطيني يساعدها في الحرب على الإرهاب وفي تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم. أميركا في حاجة إلى تسوية. من يعرقل مهمة جورج ميتشيل يضع نفسه من حيث يدري أو لا يدري في موقع الحليف للاحتلال الإسرائيلي. هذه بكل بساطة المعادلة المطروحة مع وصول جورج ميتشيل إلى الشرق الأوسط. هل بين الفلسطينيين من يريد أن يكون في هذا الموقع وعلى استعداد تام لذلك عبر صاروخ من هنا أو هناك؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي