علي محمد الفيروز / إطلالة / «وعد الحر» إغلاق معتقل غوانتانامو

تصغير
تكبير
كما قطع الوعد على نفسه، وكما تعهد أثناء حملته الانتخابية على التغيير والاصلاح، تعهد الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما في خطابه الرئاسي بعد القسم انه سينتهج طريقا جديداً الى الامام مع العالم الاسلامي، ومن خلال هذا النهج صحح أوباما مسار السياسة الاميركية الجديدة عن طريق مراجعة قرارات سلفه الرئيس السابق جورج بوش كلها، مبتدءا باصلاح الخطوة الأولى المتعثرة في الادارة السابقة، اذ أصدر قرارا رئاسياً جريئا في مكتبه البيضاوي يأمر فيه وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي ايه» باغلاق معتقلاتها السرية حول العالم، وقرار آخر يقضي اغلاق كابوس معتقل غوانتانامو خلال عام بعد ان كان هذا المعتقل مثيرا للجدل لدول العالم كلها، وكان سببا رئيسيا في تشويه سمعة الولايات المتحدة بعدما كانت من المدافعين المتحمسين عن حقوق الانسان في الماضي.
هذا وقد كان الرئيس أوباما أحد الذين ينتقدون وجود هذا المعتقل المشبوه، الذي اشتهر باستخدامه وسائل التعذيب كافة، اثناء سير التحقيقات مع المشتبه فيهم، وقد رافقت هذه الانتهاكات بداية الحرب على الارهاب التي شنها الرئيس السابق جورج بوش، هذا وتأتي خطوة الاغلاق بعد ان قرر الرئيس أوباما تجميد المحاكمات العسكرية كافة لمعتقلي غوانتانامو مدة 120 يوما، وتم تقديم مذكرة توجب وقف الاجراءات القانونية بحق 21 سجينا آخرين في غوانتانامو الذي يضم حاليا نحو 245 سجينا من مختلف الجنسيات، كان معظمهم قد تم القبض عليهم في افغانستان وباكستان عام 2002 في سبيل توجيه اتهامات اليهم لارتكابهم «جرائم حرب»، الا ان هذه المحاولات قد باءت فعلا بالفشل، وبهذا تعمدت القوات الاميركية في الادارة السابقة استخدام وسائل تعذيب متعددة أثناء التحقيق للضغط على بعض المعتقلين في سبيل الاعتراف الشكلي من دون وجود أدلة تؤكد على انهم فعلا «مجرمو حرب»، لذلك فقد جاء نص قرار الاغلاق على نقل المعتقلين في غوانتانامو الى الاراضي الاميركية وتوجيه التهم اليهم، او اطلاق سراح من لم توجد بحقه تهمة، واغلاق المعتقل يأتي لما في ذلك من تدعيم لأهداف السياسة الخارجية الاميركية وأمنها القومي.
وعلى ضوء هذا القرار الرئاسي رفض اربعة من المتهمين القابعين في غوانتانامو تعليق الاجراءات القضائية، وكان من بين المعترضين خالد شيخ محمد الذي تعرض الى الكثير من التعذيب كونه أخطر الموجودين هناك، ويشتبه بأنه العقل المدبر لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وسيواجه الشيخ عقوبة الاعدام اذا ادين، ولكنه صرح بأنه لا يبالي ان كان مجاهدا في سبيل الله! والسؤال هنا: إلى أين سيُنقل المتهم خالد شيخ محمد والآخرون الذين يواجهون حكم الاعدام في حال تم اغلاق معتقل غوانتانامو؟ وهل سيتعرض باقي المعتقلين للاضطهاد في أوطانهم في حال مغادرتهم هذا المعتقل؟ وهل يمكن للادارة الاميركية الجديدة ان تقوم بتسوية المعضلة القانونية التي يطرحها غوانتانامو لحسم مصير الـ 245 المعتقلين؟

ان هناك اقتراحات مطروحة عند طاقم الادارة الاميركية الجديدة ليتم نقل السجناء الباقين الى قاعدة «شفورت ليفنورث» في ولاية كانساس، وقاعدة «كامت بيندلتون» غير ان مسؤولي هاتين الولايتين شكلوا مجموعة اعتراضات بسبب افتقار هاتين القاعدتين للقدرة العسكرية الدفاعية الكافية، وقرب القاعدتين من مناطق مأهولة بالسكان، وبالتالي من السهل ان تتحول هاتان القاعدتان الى هدف ارهابي محتمل، خلافا عن معتقل غوانتانامو المحصن عسكريا في كوبا والمعزول جغرافيا.
وعند توقيع الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما أوامره التنفيذية لاغلاق غوانتانامو والسجون الاميركية في الخارج، كان من بين الحاضرين الادميرال المتقاعد دنيس بلير الذي عُين رئيسا لاجهزة الاستخبارات الأميركية، والذي أعلن ان التعذيب في معتقل غوانتانامو كان «غير شرعي وغير أخلاقي وغير فعّال» وان مركز الاحتجاز في غوانتانامو أصبح رمزا ضارا للعالم ولا بد من اغلاقه، وأضاف: «يجب ان توجد معايير واضحة للمعاملة الانسانية تطبق على وكالات الحكومة الاميركية كلها، بما فيها مجتمع الاستخبارات». والسؤال هنا: هل من الممكن للادارة الاميركية الجديدة ان تحقق في وسائل الاستجواب وطريقة التعذيب التي استخدمت في ظل ادارة جورج بوش السابقة؟ وهل سيتم رفع دعاوى قضائية بحق المحققين الاميركيين الذين استعملوا وسائل التعذيب المختلفة ضد معتقلي غوانتانامو، كالايهام بالغرق مثلا؟ وهل يعتبر وزير الدفاع آنذاك دونالد رامسفيلد ومسؤولين آخرين متهمين في اعمال التعذيب وسوء المعاملة التي حدثت في قاعدة غوانتانامو سابقا؟
نستطيع القول ان المرجعية المقبلة لأجهزة الاستخبارات الاميركية «سي آي ايه» قد بدأت تتغير نحو الأفضل بعد تعليمات الرئيس أوباما المعروف بالتزامه الشديد باتفاقيات جنيف الدولية التي تراعي حقوق الانسان ومن الخطوات الأولى التي حرص الرئيس أوباما عليها حظر استخدام الجيش الاميركي التعذيب اثناء استجواب معتقلين بموجب الكتيب العسكري الجديد، بعدما كان الكتيب العسكري عام 2006 مليئاً بالتجاوزات السرية الخطيرة التي ارتكبت بحق معتقلي سجن ابوغريب العراقي ومعتقل غوانتانامو المشبوه.
لقد أجرت محطة «ايه بي سي» مقابلة تلفزيونية مع الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي ذكر ان اغلاق المعتقل اصعب مما يدرك الكثير من الناس، ولكنه أعرب عن تصميمه على اغلاقه، مضيفا: «لا أريد أن أكون غير واضح في هذا الشأن، بل سنغلق غوانتانامو، وسنعمل على ضمان ان تكون الاجراءات التي نضعها متماشية مع دستورنا».
وها هو أوباما الآن يحقق مطلبه ومطلب العالم كله بعيدا عن انتقادات نواب «الحزب الجمهوري» الذين يعارضون اقفال هذا المعتقل خوفا من ان يؤدي نقل الارهابيين المشتبه فيهم الى مناطقهم لجذب المزيد من الارهاب، وبعيدا أيضا عن طلب عائلات ضحايا اعتداءات 11 سبتمبر الذين يريدون الابقاء على المعتقل مفتوحا.
نحن على يقين من ان اجراءات الرئيس أوباما سليمة ومشجعة بما انه حريص على سمعة الولايات المتحدة محليا وخارجيا، وان هذه الاعتراضات الداخلية قد تكون موقتة في بداية الاصلاح كونه يؤمن بالتغيير، في حين رحبت منظمة العفو الدولية بخطوة الادارة الاميركية الجديدة ممثلة بالرئيس اوباما على تعليق محاكمات اللجان العسكرية في غوانتانامو واعتبرتها علامة ايجابية، متمنية بذلك بأن تكون مؤشرا واضحا على نية هذه الادارة في الابتعاد عن ممارسات الماضي «غير القانونية»، كما تتمنى التخلي التام عن هذه المحاكمات الجائرة واغلاق مركز الاعتقال في غوانتانامو بأسرع وقت ممكن... ولكل حادث حديث.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي