عمار تقي / «صفقة الأسرى» إنجاز جديد لخط الممانعة... ولا عزاء «للمعتدلين»!

تصغير
تكبير



فجأة ومن دون سابق إنذار، وفي ظل ظروف محلية وإقليمية شديدة التعقيد، يماط اللثام عن مرحلة جديدة من مراحل عمليات تبادل الأسرى بين «حزب الله» والكيان الصهيوني التي جرت منتصف الشهر الجاري، والتي تسلمت إسرائيل بموجبها جثة مستوطن يهودي كان قد غرق في البحر وقاده الموج إلى الشواطئ اللبنانية عام 2005، وفي المقابل تسلم «حزب الله» رفات اثنين من شهداء المقاومة الذين استشهدوا إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، بالإضافة إلى أسير لبناني كان قد اختطف أثناء الحرب نفسها!

قد لا تبدوعملية تبادل الأسرى الأخيرة «كبيرة» من زاوية الإنجاز الذي تحقق على إثرها إذا ما قارناها بعملية التبادل التي جرت مطلع عام 2004، والتي أطلقت إسرائيل بموجبها أكثر من 450 أسيراً لبنانياً وعربياً، إلا أن هذه العملية «تحديداً» تحمل دلالات بالغة ورسائل مهمة تفوق سابقاتها، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمر مرور الكرام!

في البداية دعونا نستعرض تاريخ عمليات تبادل الأسرى التي جرت بين «حزب الله» والكيان الصهيوني كما يرويها الدكتور خليل حسين أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية.

يقول الدكتور حسين: «لقد تمّت خمس عمليات تبادل، الأولى في يوليو 1996 أعاد (حزب الله) لإسرائيل رفات جنديين كانا قد اختطفهما الحزب في فبراير 1986، وقد تمّت مقايضة جثتيهما بالإفراج عن رفات 123 لبنانياً، وفي اليوم نفسه أطلق (حزب الله) سراح 25 جندياً من عملاء جيش لبنان الجنوبي، في ما أفرجت تل أبيب عن 25 سجيناً من معتقل الخيام بجنوب لبنان. العملية الثانية التي تحدث عنها الدكتور حسين جرت في يونيو 1998 أعاد لبنان على إثرها جثة الجندي الإسرائيلي إيتمار إيليا كان قد قتل في كمين للمقاومة في أنصارية مع 12 عسكرياً من الكوماندوز البحري الإسرائيلي أثناء مهمة خاصة في لبنان في سبتمبر عام 1997 مقابل تسليم إسرائيل رفات نحو 40 من المقاومين من بينهم السيد هادي نصرالله نجل الأمين العام لـ (حزب الله) السيد حسن نصر الله، الذي استشهد أواخر 1997 بالإضافة إلى أسرى لبنانيين. العملية الثالثة جرت في ديسمبر 1999 تمَّ الإفراج فيها عن خمسة من عناصر «حزب الله» كانت تل أبيب قد احتجزتهم منذ أكثر من عشرة أعوام. الرابعة في أغسطس عام 2003 تسلم (حزب الله) من إسرائيل جثتي اثنين من المقاومين، كان الغرض من هذه العملية تفعيل المفاوضات لمرحلة لاحقة».

أما العملية الخامسة التي أشار إليها الدكتور حسين، فقد جرت في يناير 2004 والتي تعتبر أكبر صفقة لتبادل الأسرى بين (حزب الله) وإسرائيل وضمت 23 أسيراً لبنانياً و12 أسيراً عربياً و400 فلسطيني، بالإضافة إلى أسير ألماني، ورفات 59 مقاوماً لبنانياً. وفي المقابل تسلَّمت تل أبيب من «حزب الله» الحنان تننباوم، العقيد في المخابرات، وجثث ثلاثة جنود قتلوا أثناء أسرهم عام 2000. الآن نعود إلى العملية الأخيرة والتي أشرنا في بداية حديثنا إلى أن دلالاتها تعتبر بالغة الأهمية!

أمين محمد حطيط، عميد ركن متقاعد، أوجز دلالات عملية التبادل الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل بقوله: «إنها عملية التبادل الأولى منذ العام 2004 ومنذ سلسلة القرارات الدولية الشهيرة التي ابتدأت بالقرار 1559 والتي تتمحور كلها تقريباً حول الإرادة الأميركية - الإسرائيلية بعزل (حزب الله)». وأضاف: «لقد رفض أولمرت عرض التفاوض غير المباشر مع (حزب الله) في يوليو 2006 وأصر على القوة لمعالجة الأمر معه. لكن عملية التبادل تأتي لتعيد تكريس مبدأ رغبت إسرائيل بهدمه وهو تحرير الأسرى بالتفاوض غير المباشر لا بالقوة! فتكون الإرادة الإسرائيلية هنا قد كسرت وفرض (حزب الله) مجدداً مقولته، وأرسى هو قواعد اللعبة من جديد»!

الدلالة الثانية التي أشار إليها حطيط هي أن «عملية التفاوض تمت بشكل غير مباشر بين (حزب الله) وإسرائيل، تماماً كما عرض (حزب الله) سابقاً، دونما أي دور مباشر أوغير مباشر للحكومة اللبنانية التي فقدت شرعيتها بنظر المقاومة. ولهذا الأمر دلالة بالغة تتضمن القول إن دعم الدنيا كلها لا يفيد حكومة لا يعترف بها شعبها، وإن إغفال وتجاهل دور الحكومة هنا لا يمكن أن يعوضه ادعاء أولمرت بأن التفاوض ثم التبادل جرى مع الحكومة اللبنانية لأن الواقع يكذب مثل هذا الادعاء»!

أما الدلالة الثالثة، كما تحدث عنها حطيط، فهي أن عملية التبادل تجاوزت الفرض المباشر الذي أصرت عليه أميركا وإسرائيل ليتضمنه القرار 1701 بإطلاق الإسرائيليين من غير قيد أو شرط، وسارت تماماً وفقاً للآليات المعتادة في عمليات مشابهة قبل القرارات الدولية بدءاً من القرار 1559 وفي هذا مؤشر جديد على سقوط النهج الذي شاءته أميركا في لبنان بعد احتلال العراق»! أي بكلمة أخرى، كما يذكرها حطيط، تعتبر عملية التبادل الأخيرة إيذاناً ببدء مرحلة التراجع الأميركي الفعلي في لبنان! فبعد أن أخفقت محاولات نزع سلاح المقاومة وبشتى الطرق، تعلن هذه العملية إخفاق محاولات عزل المقاومة ومحاصرتها سياسياً، وتبقى قرارات المجتمع الدولي في أدراج من جاء بها، فالعبرة في التنفيذ أولاً وآخراً، حسب رأي حطيط!

ونضيف إلى ما سبق، أن العملية الأخيرة رغم أنها لم تشهد أي جديد على صعيد دور الوسيط الألماني الذي كرس في هذه العملية دوره كوسيط توافقي بين الطرفين، إلا أن الجديد في صفقة التبادل الأخيرة هو دور الأمم المتحدة وتحديداً دور قوات الطوارئ الدولية في لبنان الذين رافقوا عملية إتمام الصفقة بعد أن كان هذا الدور منوطاً باللجنة الدولية للصليب الأحمر وهو أمر له دلالاته البالغة، منها أن «حزب الله» استطاع أن يؤكد حضوره الفاعل في المنطقة الحدودية رغم القرار 1701 وهو ما يعتبر إنجازاً إضافياً لـ«حزب الله».

أمير أورون، المراسل العسكري لشؤون الجيش في صحيفة «هآرتس» العبرية، كتب مقالاً عن عملية تبادل الأسرى الأخيرة تحت عنوان «انتصار نصر الله»، جاء فيه: «إذا كان الحكم على الحروب يجب أن يتم بعد مسافة زمنية، فصفقة التبادل الأخيرة بين إسرائيل و(حزب الله) تعني أن حسن نصر الله هو الذي انتصر في حرب لبنان الثانية»! وأضاف: «لقد قطع نصر الله على نفسه عهداً أمام عائلات السجناء اللبنانيين بإطلاق سراح أعزائهم، وعمل بصورة متواصلة على تطبيق هذا الالتزام». وأشار أورون إلى أن النجاحات المستمرة في إحباط عمليات الاختطاف تسببت في السياق بفقدان مصداقية الاستخبارات الإسرائيلية، وجهاز الدفاع والأمن، وأن العملية الأخيرة وما نتج منها تثبت فشلا كبيرا ومتواصلا للجيش الإسرائيلي والموساد والشباك وباقي الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية. ثم تحدث أورون عن موضوع الطيار الإسرائيلي المفقود رون أراد بقوله إن أي عملية تبادل بين «حزب الله» وإسرائيل لا تحسم موضوع أراد، كما جرى في العملية الأخيرة، تعتبر انتصاراً جديداً إضافياً لحسن نصر الله»!

خلاصة القول، لقد كرست عملية التبادل الأخيرة بين «حزب الله» واسرائيل دور المقاومة الإسلامية مجدداً إزاء قضية الأسرى، وأنها (العملية الأخيرة) جاءت مصداقاً وتصديقاً لكلام سيد المقاومة «حسن نصر الله» الذي وعد بأنه لن يترك الأسرى في سجون العدو الإسرائيلي مهما طال الزمن.

لذلك نجد أن توقيت هذه العملية ودلالاتها تعتبر بكل المقاييس انتصاراً جديدا لـ «حزب الله» مهما حاول بعض «الأقزام» و«السياديين الجدد» من هنا وهناك التقليل من حجم هذه الصفقة التي ستضاف بكل تأكيد إلى رصيد الانتصار التاريخي الذي حققه «حزب الله» على إسرائيل في عدوان يوليو 2006...فهل من مدّكر؟


عمار تقي


كاتب كويتي

www.ataqi.com

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي