pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

بوح صريح

العقل مثقوباً

كنت دائماً أثناء عملي بالتدريس، أشجع الطلبة على السؤال والنقاش والخروج من الصمت والتعبير عن الذات. طبقاً لمقولة سقراط: تحدث حتى أراك.
لكنهم كانوا متلبسين بكثير من الخوف والتردد. فلا المناهج الدراسية شجعتهم على ذلك ولا حفزت فيهم التفكير وألهمتهم طريقة صياغة الأسئلة. ولا المجتمع والأسرة ونمط العادات والسلوك العام شجعهم على ذلك. فالكلام عيب والتعبير ممنوع...
لذا، كنت اشعر بالأسى حين يسود في الفصل الصمت. أظل أردد: هل فهمتم؟ في سؤال؟. كل تلك العقول الصامتة أمامي والمحدقة بالفراغ هي فرص ضائعة. فالسؤال هو أساس الحياة. لأنه يقود إلى الفهم. أن تسأل ماذا ثم لماذا. تناقش وتحلل وتفتك بكل زيف حولك بحثاً عن الحقيقة. لكننا نشأنا ونحن نخاف ونطمس الحقيقة. فكيف لهؤلاء الطلبة أن يفعلوا العكس!
يقول فرويد:
لا تبرر عندما يساء فهمك. فالعقل السيئ لا يفهم النية الحسنة.
لكن عبارة «العقل السيئ» فيها مغالطة فلسفية وأخلاقية علمية كبرى. فالعقل هو مركز المنطق والصواب والحكمة والأخلاق. يصبح سيئاً إذا صار عبداً مطيعاً للنفس السيئة التي تأمر بالهوى والأطماع والغرور والمصالح والشرور. فقط إذا ضعف العقل وأطاع النفس. يصبح «سيئاً»، وهو حال السارق والكاذب والخائن.
ولأن العقل انفصل عن طبيعته. باتباعه لأوامر النفس. فقد العقل جزءاً كبيراً من هويته. وبات مثقوباً... ينخر فيه سوس الشك والتردد والحيرة وتداخل المفاهيم.

همسة:
الغربة
جسيمات ضئيلة، فارقت الكون من مئات السنوات.
ثم عادت فقط لتعطف عليك وتربت على كتفك وتقول: «لا تخف.. أنا هنا».
ذرات الهواء النقية التي تنفخ في روح السماء.
وحدك تنصت لبكائها.
وقلبك يهمس: كم أخاف أن أموت وحيداً تحت رداء الليل الثقيل وفي جوف السكون.
أصير حريراً متطايراً ولم يدرِ بي أحد.