خواطر صعلوك

عشرينيات... منى محمد خالد القطمة

تصغير
تكبير

عزيزي القارئ، تفاعلاً مع مقال «العشرين ولمرة واحدة»، والذي طلبت فيه من السادة القراء أن يكتبوا عن فترة عشرينياتهم، وتفاعلاً مع مقال «كيف تصبح نسوياً في أربع خطوات» والذي حرّك المياه الراكدة لدى البعض، والمياه المتحرّكة لدى البعض، أرسلت السيدة منى محمد خالد القطمة، هذه القطعة الأدبية لتوضح فيها أن مقالي الأخير كان فيه من الاستهزاء أكثر مما فيه من التوعية، وكان فيه من التعميم أكثر مما فيه من التسوية، وأن المرأة أكبر من كائن يمكن خداعه ممن يدعون التحرّر.
تقول السيدة منى بنت الشاعر والأديب محمد خالد القطمة - رحمه الله -:
تخرّجت في تخصص لم أختره، و لم يعن لي شيئاً سوى أنني اخترت أن أبقى في الكويت مع أهلي، لم أستطع مغادرة البلد الذي ولدت فيه ولم أنجح في ترك أمي وأبي والعيش من دونهما فأدركت أن تعلّقي بهما كان من نوع آخر... تزوّجت في سن الـ25 وأنجبت أول طفلة في سن الـ28، أكملت دراسة الماجستير في مجال اخترته وهو «التربية»، وكانت إحدى المواد بعد ولادتي بـ10 أيام فكان أول تحدٍ لي كموظفة وأم وزوجة وطالبة، فعرفت أنني شخص مثابر وملتزم فنجحت أمي في زرع تلك الصفات الشبيهة بها. عملت في سن الـ21 كمدرّسة للمرحلة الثانوية فصادقت طلابي وكسبتهم وسعدت بعلاقتي بهم.
وقبل عملي معلمة، عملت كمندوبة مبيعات لثلاثة أشهر، تعلّمت فيها هدوء النفس وعدم الاكتراث لما يقوله الآخرون، أو العيش في عيونهم، فتشبّعت بما أؤمن به، أعيش كيفما يحلو لي طالما أنني لا أتعدى على غيري، رغم أن هذه القناعة ولدت لي العديد من المشاكل في مجتمعنا حتى يومي هذا.
في العشرينات عشت أول صدمة سياسية واقعية في حياتي وهي غزو الكويت الذي حدث وأنا خارج الكويت. كانت تجربة مريرة عاطفياً واجتماعياً حيث أن صدمة والدي الأديب السياسي - رحمه الله - كانت صدمة لنا كلنا. عشت خوفاً وقلقاً واشتياقاً وترقباً وفرحة مميزة لذيذة عند التحرير ما زلت أشعر بقشعريرتها. تعرفت على بلدي خلال غزو وطننا التوأم كما وصفها والدي وعرفت أن الغربة لها محاسن ثقافية واجتماعية أيضاً. عشت ترقب وصول أخي وأختي من الكويت إلى دمشق وضياع أختي على الطريق ثم وصولهما بحال يرثى له لما تعرّضا له من خوف وجوع وسرقة بشعة. رأيت كيف تعامل والداي مع الموضوع، وكيف ثبت أهمية العائلة والسلامة التي فوق أي اعتبارات أخرى فلم يهمهما سوى وصول ابنتهما سليمة معافية. ما زلت أدمع حتى يومي هذا عندما أتذكّر تلك الحادثة.
عشت خوفاً وجرأة وشجاعة في يوم واحد عندما قرّر أبي محمد خالد القطمة تلبية نداء الكويت للعمل في المركز الكويتي في دمشق، لبث أخبار ومقالات يدافع فيها عن الحرية ويشجب الغزو وما كان يحصل. أما يوم التحرير فله قصة مختلفة من ساعة تلقينا الخبر حتى عودتنا إلى الكويت... لم أعرف الخوف إلا عندما عدت وتوقفت عند حواجز تفتيش... لم أعرف الكويت سوى البلد الذي ننام وأبواب منازلنا غير مقفلة والآن نسأل عن هوياتنا وأسمائنا... شعرت بالخوف والحب والغربة والقلق من الآتي. في فترة ما بعد التحرير قبض على خطيبي لتشابه الأسماء ووجود أبي كان يكفي لحل المشكلة، فتيقنت أنني لا أريد أن أعيش بعيداً عنه لأنه الأمان والحب والعطاء فتخيّلوا أن يفقد الفرد كل هذا بعد وفاته.
ولادة ابنتي الأولى كانت تجربة صعبة وأولى سنوات حياتنا كانت مليئة بالخوف والقلق المخلوط بالحب الغريب، الذي جعلني أستقيل لمدة سنة وأبدأ رحلة الشك بالخدم والأطباء.
كل عمري متعلقاً بأمي وأبي إلى درجة لم أستطع فيها تحمل غربة كورس صيفي واحد لإكمال دراستي ولم أنجح في البعد بعد انتهاء شهر العسل، فتركت زوجي وسافرت لهما حيث كانا حينها. حاول زوجي إقناعي بالولادة في كندا أو أميركا لكن لم أستطع البعد أيضاً وأنا فخورة بكل هذه المواقف التي لم أتصرّف فيها كما يتوقّع المجتمع مني.
حياتي الجامعية كان فيها نوع من التمرد الاجتماعي وبعض الإشاعات، ما زادني قوة وثقة بالنفس وقناعة بأفكاري والتي لا تضر أحداً بل تفيدني.
العشرينات خليط من الألم والفرح والخوف والأمان ومزيج من الإنجازات على أصعدة متعددة، في النهاية إن التحرر والتنوير والمساواة هي مفاهيم ينبغي أن تجعلنا نصبح أفضل حالاً.

@moh1alatwan

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي