أقلّ ما يمكن قوله عن الوضع اللبناني إنّه كارثي. هناك بلد انهار اقتصادياً في ظلّ غياب قيادة سياسية قادرة على فهم ما يدور في الداخل أو في المنطقة أو في العالم.
في ظلّ الفراغ السياسي الذي يعاني منه لبنان، استطاع «حزب الله» وضع يده على الثورة الشعبية التي اندلعت في 17 أكتوبر 2019، وهو يريد استخدامها خدمة لمآربه.
يعتقد الحزب، ومن خلفه إيران التي يهمّها إنقاذ النظام السوري، ولا شيء آخر غير ذلك، أنّ لبنان ورقة وأنّ هذه الورقة يمكن أن تستخدم في الحملة التي تشنّها «الجمهورية الإسلامية» من أجل التخلّص من العقوبات الأميركية.
هذا ما يفسّر ذلك التركيز على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وعلى النظام المصرفي اللبناني.
يظنّ «حزب الله» أن رياض سلامة والنظام المصرفي يمكن استخدامهما في إطار المواجهة الإيرانية - الأميركية، وهي مواجهة كشفت مدى هشاشة وضع الاقتصاد في «الجمهورية الإسلامية».
هناك منطق اللامنطق يسود في لبنان. منطق اللامنطق هذا يسود في سورية أيضاً حيث معاناة حقيقية من فقدان الدولار. وصل منطق اللامنطق في لبنان الى درجة أن الثوّار باتوا في خدمة «حزب الله».
يوم السبت الماضي في السادس من يونيو، قمعت عناصر من «حزب الله» الثوار في شوارع بيروت وكانت تنادي «شيعة، شيعة، شيعة».
يوم الخميس في 11 يونيو، كانت هذه العناصر نفسها تنادي «إسلام ومسيحيي، يلعن أمّ الطائفية». كان مطلوباً ألّا يطالب أحد في لبنان بنزع سلاح «حزب الله».
حدث ذلك. فجأة، صارت كلّ الطوائف والمذاهب اللبنانية في صفّ واحد بمجرّد الرضوخ لما يطالب به «حزب الله»، أي بوضع لبنان في خدمة النظام السوري من جهة والسكوت عن سلاحه من جهة أخرى.
كان كافياً ان يوافق رياض سلامة على ضخّ كمّية من الدولارات في السوق، كي لا تعود إقالته واردة، على حد تعبير رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، وهو أيضا رئيس حركة «أمل» التي تشكّل مع «حزب الله» ما يسمّى «الثنائي الشيعي». سيذهب قسم لا بأس به من أيّ دولارات يضخّها المصرف المركزي اللبناني الى سورية بطريقة أو بأخرى.
نفّذت حكومة حسّان دياب، التي يبدو أن نهايتها صارت قريبة، توجيهات «حزب الله». طوقت سلامة بأربعة نواب له، على رأسهم شخص شيعي في موقع النائب الاوّل لحاكم مصرف لبنان. بموجب القانون المعمول به، يحلّ النائب الاوّل مكان الحاكم في حال استقالته إو اقالته.
صار هناك سيف مصلت على سلامة الذي لا يزال «حزب الله» يعتقد انّه يهمّ الأميركيين في حين أن واشنطن غير آبهة في الوقت الحاضر بلبنان كلّه!
يذهب منطق اللامنطق في لبنان الى حدّ اعتقاد رئيس الجمهورية ميشال عون أن في استطاعة مصرف لبنان التحكّم بسعر الدولار. هذا تبسيط للأمور وجهل في الاقتصاد والسياسة في الوقت ذاته. هناك من لا يدري أنّ لا شيء يحمي الدولار سوى الدولار.
من أين سيأتي لبنان بالدولار لحماية سعر الصرف لعملته الوطنية... تجاه الدولار بالذات؟ هل يعي رئيس الجمهورية ومستشاروه الأفاضل، ومعه رئيس الحكومة والوزراء، أنّ «حزب الله» لم يترك منفذاً يستطيع أن يدخل منه الدولار الى لبنان.
هناك منافذ لخروج الدولار من لبنان، في حين ان مداخل العملة الأميركية الى لبنان باتت مسدودة. لم يترك «حزب الله» صديقا عربيا للبنان في وقت هناك عقوبات أميركية عليه وعلى كلّ من يتعامل معه. لا يمكن الحصول على دولار واحد من دون إصلاحات في العمق في لبنان. لو كان لبنان قادراً على مثل هذه الإصلاحات، لما كانت نتائج مؤتمر «سيدر» الذي انعقد في باريس قبل سنتين وثلاثة أشهر ومقرراته لا تزال في الثلاجة!
هناك مشكلة لبنانية اسمها الفراغ السياسي. هذا الفراغ يملأه «حزب الله» الذي أقصى ما يستطيعه تحويل لبنان الى فنزويلا أخرى. مثل هذا النموذج يجعل كلّ لبناني يحلم بالهجرة...
امتدّ منطق اللامنطق الى سورية حيث لا يجد النظام ما يعالج به ارتفاع الدولار سوى استبدال رئيس الوزراء. تولّى حسين عرنوس وزير الموارد المائية مهمات رئيس الوزراء مكان عماد خميس الذي «اعفي» من موقعه.
ما الفارق بين عرنوس وخميس؟ كيف يمكن لعرنوس الذي كان في حكومة خميس أن يصنع أي فارق من أيّ نوع؟
مثلما يعاني لبنان من الفراغ السياسي، هناك أيضا فراغ تعاني منه سورية. هذا عائد بكلّ بساطة الى غياب أيّ وعي لدى أركان النظام الى ما هو عليه واقع الحال. هناك بلد اسمه سورية انهارت عملته على نحو مخيف قبل بدء تنفيذ «قانون قيصر» الأميركي ابتداء من 17 يونيو الجاري.
إذا كان الدولار اختفى من السوق السورية قبل دخول «قانون قيصر» حيز التنفيذ، فما الذي يمكن توقّعه بعد أيّام قليلة؟
لا يوجد، بين أهل النظام في سورية، من يريد مواجهة الحقيقة والواقع المتمثلين بان النظام انتهى. لعلّ آخر دليل على ذلك، حلول الليرة التركية مكان الليرة السورية في الشمال السوري.
دخلت تركيا الى الشمال السوري ولن تخرج منه. دخلت الى قبرص صيف 1974 ولا تزال فيها بعدما احتلت 35 من مساحة الجزيرة رغم ان القبارصة الاتراك، الذين تدّعي حمايتهم، لا يشكّلون سوى نسبة 18 في المئة من السكّان!
من أين سيأتي الدولار الى سورية؟ يمكن الاتيان ببعض الدولارات من لبنان بالاعتماد على «حزب الله»، ولكن ما الذي سيحدث غداً أو بعد غد؟ لا وجود لايّ منطق لدى النظام السوري، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بمواجهة النقص في الدولارات.
حَسناً، اذا كان هذا النظام عاجزاً عن التعاطي مع واقع الاحتلالين الاسرائيلي والتركي ويعتبر الوجودين العسكريين الروسي والإيراني شرعيين، كيف يفسّر الخلافات داخل العائلة الواحدة، أي بين رامي مخلوف من جهة وبشّار الأسد وزوجته أسماء وشقيقه ماهر من جهة أخرى؟ هل من تفسير آخر غير ان هذا النظام انتهى بشكل خلاف ذي طابع عائلي على الثروة؟
في عالم منطق اللامنطق، ان في لبنان أو في سورية، لا مفرّ من العودة الى بعض المنطق. بعض المنطق يقول إن السعي الى التصالح مع الدولار يحتاج إلى أكثر من الفراغ السياسي والشعارات التي يطلقها «حزب الله» وما يشبه «حزب الله».