ظاهرة نفوق الأسماك في جون الكويت في أغسطس 2001 كانت من أكبر ظواهر النفوق في الكويت، إن لم تكن الأكبر حتى اليوم. فقد وصفتها الحكومة بالكارثية حيث نفق ألف طن من الأسماك خلال الأيام الأولى من الظاهرة - وفق تصريح رسمي - وجرّمت صيد الأسماك في المياه الإقليمية الكويتية، ومنعت تداول أسماك الميد في الأسواق الكويتية، وشكّلت لجنة للتحقيق في الظاهرة برئاسة وزير الصحة، واستعانت بخبراء أجانب للمشاركة في كشف أسبابها.
منذ الأيام الأولى من الكارثة، تعدّدت وتعارضت الاجتهادات حول الأسباب المحتملة ورائها. وكان من بينها سببان كانت لهما انعكاسات برلمانية. الأول هو تصريف مياه الصرف الصحي في الجون. فإلى جانب كثرة مجاري الصرف الصحي، كشف رئيس الجمعية الكويتية لحماية البيئة الدكتور مشعل المشعان أن وزارة الأشغال العامة ضخّت كميات من مياه المجاري غير المعالجة داخل شاطئ الجامعة. وأما السبب الثاني فهو إهمال بعض الشركات النفطية التي تُحوّل إلى البحر المياه غير المعالجة وفق ما نقلته بعض الصحف المحلية عن مصادر معنية «رفضت الكشف عن هويتها».
الصحف المحلية والخليجية، أشارت إلى أن الأزمة البيئية تحوّلت إلى صراع سياسي بين التكتلين الرئيسين في البرلمان آنذاك: كتلة العمل الشعبي والتكتل الإسلامي، وهما اللذان كانا يتنافسان على ترقية ثقلهما في البرلمان. وكانت المواجهة الرئيسة الأخيرة بينهما قبل تسعة أشهر في استجواب وزير الكهرباء والماء وزير الإسكان الدكتور عادل الصبيح، التي انتهت لصالح التكتل الإسلامي.
التكتل الإسلامي تحرّك ضد وزير الأشغال العامة فهد الميع، في حين تحرّك التكتل الشعبي ضد وزير النفط الدكتور عادل الصبيح. ولكن الصبيح بادر بدعوة الصحافة المحلية إلى زيارة ميدانية للمصب الوحيد التابع للقطاع النفطي في جون الكويت، الذي كان يصب في بِركة صغيرة، ومنها إلى البحر عبر مجرى ترابي. وبعد مشاهدة أسماك الزوري في البركة، استبعدت الصحافة أن يكون هذا المصب هو سبب نفوق الأسماك في الجون.
في المقابل، وجهت لجنة بحث ظاهرة نفوق الأسماك - التي شكّلتها الحكومة من جهات عدة - أصابع الاتهام إلى وزارة الأشغال بالمسؤولية عن النفوق بسبب إلقاء معدلات كبيرة من مياه الصرف الصحي في الجون. وحيث إن تقرير اللجنة دعم توجه التكتل الإسلامي في كارثة النفوق، أصبح استجواب وزير الأشغال أمراً يسيراً مضمون النتائج من حيث المستقبل السياسي للوزير والثقل البرلماني للتكتل الإسلامي.
حينها لجأ التكتل الشعبي إلى الإعلان عن استجواب من الدكتور حسن جوهر لوزير التربية وزير التعليم العالي، وكان من بين محاوره تأخر وزارة التعليم العالي في تطبيق قانون منع الاختلاط في الجامعة.
واعتبر المراقبون أن الهدف من هذا الاستجواب هو سحب تأييد الكتل البرلمانية «الداعمة لوزير التربية» عن استجواب وزير الاشغال، كما اعتبروا أن الهدف من إضافة محور منع الاختلاط - الطارئ غير المسبوق بأسئلة برلمانية - هو اختطاف أولوية الاستجواب من التكتل الإسلامي.
التكتل الإسلامي ردّ بإعلان النائب مبارك صنيدح (الحركة الدستورية) عن توجيه استجواب مماثل إلى وزير التربية وزير التعليم العالي. الشاهد أن الكارثة البيئية أهملت ولم تلقَ المتابعة المستحقة من قبل البرلمان، ولم يحاسب المسؤولين عن الكارثة، بسبب انشغال التكتلين الرئيسين في المجلس بالمنافسة، وانقلاب موقف التكتل الشعبي من مبادر مطالب بجلسة طارئة لبحث الكارثة - التي لم تُعقد - إلى معرقل استجواب الجهة المسؤولة عن الكارثة.
المراد أن عالم السياسة له أسراره، وحقيقة السياسي لا يعرفها من ينزهه عن الخطأ. لذلك أدعو نفسي ومن ينادي بالإصلاح السياسي إلى التحصّن أو التخلّص من حالة تقديس نوّاب سابقين أو حاليين أو لاحقين... «اللهم أرنا الحقّ حقاً وارزقنا اتباعه».