خيرالله خيرالله / أسئلة لمرحلة ما بعد أنابوليس...

تصغير
تكبير

الموضوع ليس موضوع أنابوليس بمقدار ما أنه مرتبط بوجود رغبة إسرائيلية في السلام. هل هناك مثل هذه الرغبة أم لا؟ في الواقع، هناك أسئلة ما بعد أنابوليس كما هناك ما هو أبعد بكثير من أنابوليس واستفاقة الرئيس بوش الابن المتأخرة لأهمية التحرك من أجل إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة التي اعترف بها العالم وذلك عندما أقرت الأمم المتحدة بأن لهذا الشعب حقوقاً «غير قابلة للتصرف».

ليس طبيعياً أن يكون هناك شعب في المنطقة لا يتمتع بحقوقه المشروعة في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. ولذلك من المستغرب أن يكون هناك شعب معترف به بهذه الصفة، هو الشعب الفلسطيني، لديه أرضه وليس في استطاعة العالم التوصل إلى نتيجة فحواها أن من حقه ممارسة حقوقه المشروعة على هذه الأرض مثله مثل أي شعب من شعوب المنطقة. أوليس هذا الظلم بعينه؟ أوليس هذا ظلماً ليس بعده ظلم؟

بغض النظر عن كل ما قيل ويقال عن الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية تتوج بقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، يفترض في الشعب الفلسطيني ألا يعتقد أن مجرد اعتراف العالم بحقوقه كفيل بتمكينه من استعادة هذه الحقوق وممارستها على أرضه.عليه أن يبذل جهوداً حقيقية لإظهار أنه يستحق أن يكون شعباً يمتلك دولة خاصة به. عليه أن يطرح مشروعاً سياسياً قابلاً للتحقيق في ظل المعادلات الإقليمية والدولية القائمة. متى امتلك مثل هذا المشروع السياسي، يصبح في الإمكان الحديث عن أهمية لمؤتمر أنابوليس وعن وجود فرص للاستفادة منه. في نهاية المطاف، تكمن أهمية المؤتمر في أنه أزال الشروط المسبقة التي كانت تجعل من تنفيذ مطالب أمنية معينة، تعتبر شبه مستحيلة  فلسطينياً، مقدمة للدخول في مفاوضات مباشرة. سيدخل الفلسطينيون والإسرائيليون مفاوضات مباشرة بعيداً عن أي نوع من الشروط. ولعل السؤال الأول الذي لا بد من طرحه بعد أنابوليس هل تخلى إيهود أولمرت عن نظرية آرييل شارون القائلة إنه لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه؟ كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي يتذرع، على غرار سلفه، بعدم قدرة السلطة الوطنية على السيطرة على الوضع الأمني في المناطق التي تحت سيطرتها. كانت تلك مجرد ذريعة لتفادي أي نوع من المفاوضات. وتبين في المرحلة التي سبقت مؤتمر أنابوليس وفي تلك التي تلته أن هناك توجهاً إسرائيلياً جديداً جاء استجابة لطلب أميركي يتمثل في عدم الربط بين المفاوضات والوضع الأمني في الأراضي الفلسطينية. مثل هذا التطور مهم في حال كانت استراتيجية إسرائيلية جديدة وليس مجرد خطوة ذات طابع تكتيكي تصب في مراضاة الرئيس الأميركي في نهاية عهده ليس إلاّ. ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الجانب الإسرائيلي يعتمد استراتيجية جديدة تقوم على فكرة التوصل إلى تسوية على أساس الدولتين، وذلك لأسباب مرتبطة بالمحافظة على الهوية اليهودية للدولة. ولكن ما يدعو إلى الحذر في شأن كل ما له علاقة بالرغبة الإسرائيلية في التسوية تردد أولمرت في الإقدام على خطوة ذات طابع دراماتيكي تتعلق بالقدس. تبدو القدس في المرحلة الراهنة أحد مفاتيح التسوية نظراً إلى أنها مدخل للبحث الجدي في قضية اللاجئين الشديدة التعقيد. إن حصول الفلسطينيين على القدس الشرقية، خصوصاً المسجد الأقصى من دون أي لغط من أي نوع كان سيساعد من دون شك في إيجاد مخرج معقول ومقبول على صعيد قضية اللاجئين فيكون هناك إقرار بـ «حق العودة» إلى الدولة الفلسطينية مع تعويضات للفلسطينيين الذين اضطروا إلى ترك أرضهم وأملاكهم. يضاف إلى ذلك سعي إلى تمكين عدد من الفلسطينيين من العودة إلى أراضي العام 1948 تحت شعار «لم الشمل».

في كل الأحوال يبدو الجانب الفلسطيني مدعواً إلى لملمة الأوضاع في الضفة الغربية لتقديم صورة مختلفة إلى العالم عما يمكن أن تكون عليه دولة فلسطينية مستقلة. هناك قبل كل شيء فوضى السلاح التي لا بد من القضاء عليها. والأكيد أن السلطة الوطنية الفلسطينية تستطيع في المرحلة الراهنة الاستفادة من الانقلاب الذي نفذته «حماس» في غزة لتأكيد أنه لا يمكن أن يكون هناك سلاح فلسطيني غير منضبط في الضفة، بل يمكن أن يكون هناك اختلاف في الرأي بين فصيل فلسطيني وآخر لا يسيء بأي شكل إلى المشروع السياسي الواضح الذي تعتمده الرئاسة وحكومة الدكتور سلام فياض.

هناك أسئلة كثيرة في مرحلة ما بعد مؤتمر أنابوليس. بعض الأسئلة يتعلق بما ستفعله «حماس» لإحباط أي عملية سياسية يمكن أن تؤدي إلى زوال الاحتلال بما في ذلك تخريب الوضع الأمني في الضفة الغربية على غرار ما تفعله في غزة. وبعضها الآخر مرتبط بتبادل الأدوار بين النظامين السوري والإيراني وانتظارهما مرحلة انتهاء ولاية بوش الإبن للعودة مجدداً إلى تعطيل كل ما من شأنه خدمة قضية الشعب الفلسطيني. إن إسرائيل عدو مكشوف، ولكن يبقى الأهم من ذلك كله، هل حسمت حكومة أولمرت أمرها نهائياً في أنابوليس؟ وهل السلطة الوطنية الفلسطينية على استعداد للذهاب بعيداً في تأكيد أنها لن تسمح بأي عودة لفوضى السلاح في الضفة؟ مثل هذا التصرف الحكيم المبني على اعتبار فوضى السلاح الحليف الأول للاحتلال سيساعد من دون شك في التفاؤل، ولو قليلاً، بأن مؤتمر أنابوليس لم يكن حدثاً عابراً وفرصة ضائعة تضاف إلى عشرات الفرص التي حفل بها التاريخ العربي الحديث.


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي