تقدم النائب أحمد السعدون بمعية 30 نائباً في بداية الفصل التشريعي التاسع (1999) باقتراح إعادة تشكيل لجنة الرعاية السكنية. والنقاش على الاقتراح تسبب بمواجهة بين رمز المعارضة السعدون وبين وزير الإسكان الدكتور عادل الصبيح، تفاصيلها موثقة في المضبطة رقم (953ج) من الصفحة رقم (75) إلى (101).
باقتضاب، المواجهة بدأت بعد تقديم النائب عبدالوهاب الهارون اقتراحاً بجعل عضوية اللجان الموقتة - ومنها السكنية - سنوية، كما هي في اللجان الدائمة، فاعترض السعدون على الاقتراح، واتهم الحكومة بمحاولة عرقلة القضية الإسكانية، وصرّح أنه يرى تحركاً حكومياً في ذلك الاتجاه من قبل الصبيح. الذي بدوره ردّ قائلاً: «أنا أطالب هذا المجلس،( أي واحد صار عليه تحرك من قبل الحكومة لإفشال هذه اللجنة، فليقم وليتكلّم)»، ولكن لم يقم أحد منهم. والسعدون في تعقيبه، عوضاً عن الاعتذار للصبيح والحضور عن الاتهام الباطل، أبدى استغرابه من تشنّج الصبيح.
الشارع الكويتي المحافظ لم يستأ من بهتان السعدون في حينه، ولا قبل قرابة سنة حين أشار الصبيح لتلك المواجهة في لقائه مع برنامج الصندوق الأسود. تكرار مشاهد التهور والرعونة من قبل رموز المعارضة من دون محاسبة جماهيرية، يؤكد أن المعارضة الكويتية تعاني من خلل منهجي، مستور بالحصانة الشعبية المفرطة، على حساب مصالحنا العليا. والأمثلة كثيرة، منها القديمة كرعونتها في صفقة «داو كيميال»، ومنها الحديثة كتهور ثلاثة من رموزها في قضية صفقة توريد خمسة ملايين غطاء وجه بلاستيكي (كمّام) بتكلفة 5.5 مليون دينار، أي بسعر1.100 دينار للكمام الواحد.
شبهات الفساد في التعاقدات الحكومية هاجس كل مواطن شريف، ولكن هذا لا يبرر لأحدنا أن يعلن فساد تعاقد ما من دون التحقق من تفاصيله. وهذا ما أجد أن السعدون وجوهر والوسمي وقعوا فيه. ولذلك أدعوهم إلى الإقرار بخطئهم المنهجي والاعتذار عنه، أو تزويدنا بالتفاصيل المكمّلة التي تثبت صحّة ادعائهم. فشبكة الإنترنت تحتضن مجموعة كبيرة من الكمّامات وبأسعار متفاوتة حسب التصميم والمواد المستخدمة وبلد المنشأ، فضلاً عن شروط الشحن، ونحن لا نعلم أيها المطلوب في الصفقة. كما أنني علمت - بالاتصال المباشر - أن أحد المستشفيات الخاصة استورد قبل قرابة شهر كمّامات مستوفية الوصف الوارد في عنوان الصفقة بتكلفة إجمالية (تشمل توريدها إلى مخازن المستشفى) قدرها 1.500 دينار للكمّام الواحد، أي بسعر أغلى من تكلفة الكمّام في التعاقد الحكومي.
الوسمي وجوهر اختلفا في تقدير تكلفة الكمّامات. فتغريدة الوسمي عبر «توتير» تدل على أن التكلفة الإجمالية للصفقة تقارب المليون دينار، في حين أن جوهر صرّح في برنامج اللوبي الرمضاني أن تكلفتها فقط مئة ألف دينار. ثم غرد لاحقاً أن التكلفة 587500 دينار، أي أكثر من خمسة أضعاف تقديره السابق، ولكن من دون الاعتذار عن الخطأ في تصريحه السابق الذي كان له أثر سلبي صاعق على المواطنين. وبعد التواصل مع الشركة الصينية التي أشار إليها جوهر في تغريدته، تبين أن التكلفة المذكورة هي للكمامات في مصنعها بالصين من دون تكاليف النقل والجمارك والتخزين الموقت والشحن (EXW).
مكافحة الفساد واجب وطني، وهي تختلف كلياً عن الرعونة التي تربك الحكومة والتهور الذي يزعزع ثقة الشعب - خصوصاً أبطال الصف الأول - فيها. والعواقب اليوم لا تقتصر على غرامات مليارية بل أيضاً خسارة أرواح بشرية.
في الختام، أدعو مجلس الوزراء الموقر إلى تبني المزيد من الشفافية بشأن التعاقدات الحكومية خصوصا المباشرة منها، بآلية تقاعست عنها المعارضة سنين طويلة، عبر توفير نسخة منها في موقع الجهاز المركزي للمناقصات العامة على شبكة الإنترنت، وذلك قبل البدء برصد ومعاقبة من ينشر معلومات خاطئة عن التعاقدات الحكومية... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».