خواطر صعلوك

«ليش منعتوا مسلسل أم هارون؟!»

تصغير
تكبير

نيويورك مدينة مليئة بناطحات السحاب، وناطحات السحاب مليئة باليهود... إنها مدينة تضم من اليهود أكثر ما تضم فلسطين المحتلة مرتين.
ولأنهم قوة لا يستهان بها هناك، وقبعات ولحى لا يمكن لمسها، فلم يشفع للصحافية التي أطفأت تسعين شمعة في عيد ميلادها الأخير، هيلين توماس الأميركية حتى الرقبة والنخاع، والتي عاصرت وغطت عهد آيزنهاور وصولاً إلى العام الثاني من ولاية أوباما، وعميدة الصحافيين في البيت الأبيض، لم يشفع لها ذلك عندما قالت في إحدى المقابلات العابرة إن من حق الشعب الفلسطيني أن يستعيد أراضيه المغتصبة.
هكذا وبضربة واحدة لا تخطر حتى على بال الشيطان ذاته، أقيمت حملة عليها لكي يتم محوها من الذاكرة الأميركية، حيث ألغيت الجائزة التي كانت باسمها، وتم تصنيفها على أنها «معادية للسامية»، وعندما قرأت الخبر قالت مستهجنة:
- أنا سامية، فما هذا الهراء؟
على الجهة الأخرى من المحيط الأطلسي، كان أصحاب البنوك والاستخبارات الصهيونية يعملون بكل طاقتهم في العاصمة النمسوية فيينا، من أجل استخراج مذكرة اعتقال بحق ديفيد إيرفينغ الكاتب البريطاني المتخصص في التاريخ العسكري، فقط لأنه كتب في مقال إن معظم من ماتوا في معسكرات الاعتقال النازية لم تتم إبادتهم وإنما ماتوا بسبب أمراض مختلفة مثل التيفوئيد... وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات!
إن المرء ليُصاب بالحيرة وهو يحك رأسه حتى يصاب بالصلع، على قدرة الصهاينة في إخراس أي صوت ينتقدهم أو يلمح إلى كذبهم ودجلهم.
فعلى خلفية الجدل الذي أثاره مسلسل أم هارون الذي يعرض قصة أسرة يهودية في الكويت، كتب الناطق باسم الجيش الاسرائيلي، أفيخاي أدرعي، على حسابه على «تويتر»: «مسلسل أم هارون، أثار ضجة إعلامية واسعة، ولذلك أثار اهتمامي. أعجبتني تصريحات حياة الفهد، وكالعادة تعرّضت الفنانة القديرة لانتقادات أصحاب نظرية المؤامرة وغيرهم من المفسدين الذين ينظرون الى كلمة تطبيع كسبّة، ويفضّلون المسلسلات العنصرية التي تروّج الأكاذيب المعادية للسامية التي تُعرض في رمضان».
دائماً يصدمني هذا الرجل بتصريحاته، فبعيداً عن الصحافية التي مُسح بها بلاط الكنيست في عام 2010م، وبعيداً عن الكاتب الذي أخذ من قفاه وهو يستعد لإلقاء محاضرة في الجامعة في عام 2006 ليكتشف أنه وصل فيينا ليمسح بلاط السجن، فحتى السكارى لا يُسمح لهم بانتقاد اليهود، لذلك فإن دار «ديور العريقة للأزياء» فصلت جون غاليانو من منصبه كمدير إبداعي فيها، فقط لأنه أطلق نكتة في مطعم مكسيكي وهو سكران طينة، اعتبرها النادل الذي لم يحصل على بقشيشاً كافياً أنها نكتة معادية للسامية، فتم التشهير به للدرجة التي جعلت الممثلة الأميركية الإسرائيلية نتالي بورتمان - والتي كانت لا ترتدي إلا من أفكار غاليانو - تقول عنه في وسائل الإعلام:
- إنه مقرف!
أما غاليانو والذي سمع الخبر وهو في المطعم المكسيكي ذاته، وما زال سكران طينة، فقد قال وهو ينفجر من الضحك:
- نتالي الفخورة بيهوديتها أنجبت طفلها الأول بلا زواج.
ولعلك عزيزي القارئ قد مللت الحكايات التي أخبرك فيها عن رفض الصهاينة لأي تعليق يمس كرامتهم أو تشويه صورتهم، وهذا من حقهم بالتأكيد خصوصاً وأن صورتهم مشوّهة بما فيه الكفاية.
ولكني استغربت دفاع مَن يحاول تحسين صورتهم أو اعتبار التطبيع أمراً عادياً، بالتأكيد أنا هنا لا أتحدث عن الحاجة «أم هارون» اليهودية التي عاشت على أرض الكويت فهي أختي في الإنسانية، ولا عن الفنانة حياة الفهد التي تقوم بدورها فهي أختي في المواطنة، أنا أتحدث عن حقنا نحن أيضاً كإخوة في الإنسانية والمواطنة والعروبة - ولا من دون العروبة - في أن نرفض مَن يحاول تحسين صورة مغتصب الأرض ويشرّد شعباً من الشعوب، المتباهي بآلته العسكرية للدرجة التي جعلته عندما أراد أن يُحدث الشعوب العربية أخرج لها من الدرج «المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي» وليس متحدثاً يرتدي زياً مدنياً على الأقل.
حقناً في أن نرفض التطبيع الاجتماعي والفني والرياضي والتجاري، دون أن نشعر بالخجل، وليطمئن سكان تل أبيب ويافا، فليس ثمة ما نستطيع أن نفعله سوى ذلك.
ومن المناسب أن أختم المقال بما أرسله الروائي الروسي مكسيم غوركي حيث أرسل قصة قصيرة إلى تشيخوف تتضمن كتابة تفصيلية لوصف السماء لحظة هطول المطر، فقال له تشيخوف:
- احذف كل هذا الوصف يا عزيزي، وقل: أمطرت السماء، لأن كل الناس يعرفون كيف تمطر السماء.
وبصراحة عزيزي القارئ، لقد كتبت هذا المقال الطويل لأنه يبدو أن هناك الكثير من الناس لم تعد تعرف كيف يهطل المطر؟!
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر.

@moh1alatwan

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي