منذ يوم الأحد الماضي، بدأت الكويت رسم لوحات إنسانية رائعة تشكّلت باحتضانها أبناءها وبناتها العائدين من الخارج. رسّامو هذ اللوحات كويتيون متطوّعون وموظّفون وقياديون، يرشدهم قائد الإنسانية سمو الأمير، ويعاونهم رسّامون مقيمون من جنسيات مختلفة، أخصُّ من بينهم بذكر أشقائنا المصريين وأصدقائنا الهنود لكونهم الأكثر تعرّضاً للضغوط المنبثقة من تلكؤ حكوماتهم في إجلاء الراغبين منهم إلى أوطانهم. على الطرف الآخر من الحدود الكويتية، هناك لوحات إنسانية يرسمها يومياً أطباؤنا الكويتيون الذين التزموا برسالتهم الإنسانية في مواقع عملهم بالمستشفيات والمراكز الصحية التي يتدرّبون فيها في العديد من دول العالم، ومن بينها بؤر لفيروس كورونا المستجد. فإنسانية هؤلاء الأطباء الكويتيين منعتهم عن ترك مواقعهم في المنظومات الصحية التي يعملون فيها خشية من خلخلتها وإضعافها. وهناك أطباء كويتيون مغتربون أصيبوا بعدوى الفيروس أثناء عملهم في الصفوف الأمامية، تماماً كما هو حال نظرائهم الأطباء المقيمين العاملين في المنظومة الصحية الكويتية. فشكراً لجميعهم على مواقفهم المتوافقة مع مبادئهم الإنسانية المعلنة، وعلى جهودهم في معالجة المرضى من دون تمييز فئوي بينهم، مهما بلغت خطورة مواقع عملهم على صحتهم وحياتهم. في المقابل، لدينا لوحات قبيحة يرسمها سياسيون كويتيون بريشة رخيصة وألوان مزيّفة على أوراق تالفة. ثم يقدّمونها إلى الجمهور على أنها لوحات إنسانية. ومن بين هذه اللوحات الرخيصة المزيّفة، المناشدة الإنسانية التي تقدّم بها مجموعة من النوّاب غير المؤهلين لتبني المبادئ التي أشاروا إليها في مناشدتهم. فمن بينهم مَن طالبَ بمنع عودة مواطنين من إيران قبل انتهاء أزمة كورونا وهدّد بمحاسبة الحكومة إن سمحت بعودتهم! ومنهم مَن سكت عن مُطلق هذا التهديد الشنيع غير الدستوري ولم يطالبه أو يناشده بتقديم الاعتذار! وفيهم مَن يطالب بقمع كل رأي يخالف رأيه، ويرفض تعديل المواد القانونية التي دِين بموجبها مَن يطالب اليوم بالعفو عنهم!
أتساءل، أين كانت دوافعهم الإنسانية وتخوّفهم على سلامة وصحة المدانين الأحرار، عندما تعرّض مسجونون كويتيون لأزمات صحية خطيرة، واستوجبت بعضها إجراء عملية قسطرة القلب؟ ولماذا تقاعسوا عن طلب العفو لمغردين أكاديميين وغير أكاديميين - رجال ونساء - مغتربون منذ سنوات طويلة هرباً من أحكام بالسجن بسبب تغريدة تضمّنت خطأ في التعبير أو إساءة في الفهم؟
لست بصدد تأييد أو إعاقة المناشدة، ولكنني حريص على تأكيد زيف المبادئ الإنسانية التي يدعي تبنيها بعض النوّاب مقدّمي المناشدة، وكشف خطورة نهجهم المخادع على دعامات المجتمع كالعدل والحرية والمساواة، وعلى القيم المجتمعية من قبيل التعاون والتراحم، وعلى جهود ومشاريع حماية الوحدة الوطنية.
من بين الأسباب الرئيسة لهشاشة مجتمعنا أمام الفتن الطائفية والعنصرية، السذاجة في التعاطي مع لوحات التعاون والتراحم التي تعرض في مجتمعنا من دون التدقيق في نقاوتها وفي مَن رسمها، أملاً في أنها ستستثمر كلبنة لبناء سور منيع يصون نسيجنا الوطني من العث الطائفي والعنصري. ولكنها أمنية واهية، لأن لوحات التلاحم والترابط البهيّة في الجمال والنقيّة في المشاعر والجليّة في التضحية، التي رسمها الكويتيون من مختلف الأطياف إبان الغزو البعثي، ومن بينها لوحة بيت القرين، لم تحصنّا من أعاصير الفتن الطائفية والعنصرية الجمّة التي عانينا منها منذ التحرير إلى ما قبل أيام معدودة.
تحصين الوحدة الوطنية له شقان متلازمان: الأول رسم لوحات فسيفسائية توثّق وحدتنا الوطنية كلما تجسّدت، ونحن بارعون في هذا الشق ولدينا رصيد وافر من اللوحات المتميّزة التاريخية والحديثة.
والشق الثاني هو التصدّي الجماعي الفوري الحازم وبمسطرة واحدة لمثيري الفتن، ولكننا غالباً متقاعسون أو منقسمون ومتصادمون في هذا الشق، لأسباب عدّة من بينها أننا كمجتمع نساوي أحياناً بين مثيري الفتن «ابتداءً» وبين المتصدّين لهم. لذلك أدعو نفسي والمواطنين وهيئات المجتمع المدني التي تسعى إلى تحصين الوحدة الوطنية، إلى تبني منهجية شاملة لتقويم هذا الانحراف الفكري، والتصدي بحزم لمثيري الفتن وإن تخفّوا وراء لوحات وطنية إنسانية... «اللهمّ أرنا الحقّ حقاً وارزقنا اتباعه».