«الحب في زمن الكورونا»

تصغير
تكبير

جميعنا عن قرب بكل ما تعمُّ به الساحة من تداعيات انتشار فيروس كورونا، وتأثيره المرعب داخليا وخارجيا، وحالة الاستنفار والترقب والجاهزية غير المسبوقة وتسارع وتيرة استعداد كافة الدول للحدّ من عدواه، والجهود التي تُبذل لإيجاد أمصال وعقار تُعالج مرضاه، الذين تناثروا بالآلاف حول العالم يئنون من مرضهم هم وذووهم، يترقبون والأمل يعتصرهم؛ أن يهب القدير سبحانه معامل الأدوية وصُنّاع العقاقير عقولها التي تعكف حاليا داخل المختبرات، تجري تجاربها المختبرية النهائية، ما يساعدها على إنتاج هذا العقار، وكلها تدعو الله، فقيرها وغنيها، طيبها وخبيثها، ونحن بالطبع معهم أن يعجل بهذا الحل، ويستطيعون إيجاد هذا الترياق بأسرع وقت، حتى تخفف آلام الإنسانية المعذبة، وتنكشف الغُمّة عنها، وتمرّ هذه الكارثة التي حلّت بها دون سابق إنذار؛ فأجهدت الأفراد والحكومات على السواء، وأوشكت أن تهلك الحرث والنسل، وتأتي على الأخضر واليابس.
جميلٌ أن نرى وسط هذا الجو المثقل بالهموم والأوجاع، هذا المشهد المُبهر، و الذي يتكاتف فيه بنو الإنسان، ويتعاونون فيما بينهم، ليصلوا إلى حلٍ لهذه المعضلة التي تتهددهم، تناسى الجميع صراعاتهم وحقدهم - ولو لبعض الوقت - وغابت لغة العنجهية واختفت نبرة القوة، وتلاشت حمى التصعيد والاحتقان، وحلت بدلًا عنها، عبارات ديبلوماسية رقيقة، أخرجت من أدراج صناع القرار، تدعو العالم لضبط النفس، وتبادل المشورة، ونشر ما يفيد الكل، والعمل معًا على ما يزيل هذا الوباء الذي تنكّب بالعالم، فالخطر لا محالة يتهددنا، ولن يُفرِّق ساعتئذٍ رغم الإجراءات الاحترازية، واحتياطيات السلامة والوقاية الصارمة بين أحد، اللهم إلا إذا حال دون انتشار العدوى لديه فطُبِق ما يستوجب من محاذير.
ولعلَّ ما يبعث على الحسرة ويُثير الغثيان، أنه وفي الوقت الذي تواصل فيه فرق العمل من كل التخصصات حول العالم، سواء الكوادر الصحية، أو الفِرق الأمنية، أو أطقم الدفاع المدني وغيرها، عملها بكل همة ونشاط، تواجه أطقمها المخاطر بصدور رحبة ونفس رضية، واستعداد لبذل النفس ليهنأ الخائف..


تعم الأرجاء وسط هذا الجو المغلف بالصمت، والمفعم بالترقب، والعمل الجاد، نغمة نشاذ تزدريها النفس وتمجها الأذن، ولا تقبلها الفطرة الإنسانية السليمة.
نغمة يصرّ أصحابها إيصالها بأيّ شكلٍ كان، فيعزفونها فرادى رغم استنكار الوسط، نبرة العنصرية البغيضة التي لا تزال تلوكها حنوك قلة قليلة جدا وجدت مكانًا بيننا، تُطلّ برأسها في ظل الأزمات، فتأبى إلا أن تدلي بدلوها في بئر الكراهية والفتنة، فتنشر الحِقد وتثير الضغائن، وتُعكِر ما بين الإخوة من روابط الود والصفاء التي تعودوها، وبدلًا من أن يكونوا جزءا من الحل، تراهم وقد تنحوا جانبًا يثبطون من هِمم أصحاب العزم، يهونون من تضحياتهم، ويهولون من حجم كوارث افتعلوها في زوايا خيالهم المريض، فيصبحوا وقود المشكلة، تطمئن صدورهم بآلام غيرهم، وتسعد قلوبهم لقطيعة الرحم بين الأشقاء.. فبئس هؤلاء، وتعسا لنفوسهم.
إن دعاة الفتنة وأبواق التفريق هم العقبة الكؤود، التي لا بدّ لمجتمعاتنا العربية والإسلامية كي تنهض؛ أن تتخلص منهم، بنبذهم والتقليل من شأنهم، وتجفيف البرك والمستنقعات التي ينشطوا من خلالها، وتوعية الجماهير من مكرهم، وعدم الانخداع بهم، أو السّير وراءهم تضليلهم.
خاصة بعد أن أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي منصات إعلامية سهلة، ومنابر ترويج متاحة لكل من هبّ وبّ من مجانين الشهرة، ومدمني الوجاهة، وصيادي الماء العكر، وتربح سهل، والتي يصل تأثيرها ولا شك للعامة في كل مكان، فينخدع البعض منهم ويتأثروا بما ينشر فيها، من أباطيل وافتراءات وإشاعات مُغرِضة، وهذا ولاشكّ أمر جدّ خطير، يستوجب على الأفراد قبل الحكومات الاحتياط له، وعدم الضعف أمامه، بل وكشف زيفه، خاصة إذا كان الغرض منه شقّ الصّف، والنيل من وحدة الأشقاء، وزعزعة الأمن والاستقرار في مجتمعاتنا التي لم تعهد مثل هذه البلاءات.
وخيرًا فعلت حكومة دولة الكويت الرشيدة، بتعقب بعض الحسابات المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي استغلت الأزمة أخيراً، فصالت وجالت وسارعت لتضخيم ما لا يحتمل تضخيمه والمتاجرة الرخيصة، ولعلَّ ما اتخذته من إجراءات قانونية عادلة وحكيمة، ما أثلج صدور الجميع، وأعاد الثقة والطمأنينة، وأكد جاهزية تلك الأجهزة على حفظ الأمن، والضرب بيد حديد؛ لما يعكِر علاقات الكويت المتينة بأشقائها وأصدقائها، أو النيل من مصالحها.
ولعلّ في التزاحم الشديد أمام بنك الدم، والذي شاهدناه جميعًا من المواطنين والوافدين للتبرع بالدم، صورة تستحق الفخر والاعتزاز، ولوحة تتلاحم فيها مكونات هذا البلد الطيب، لتُرسل برسالة حب وسلام.
إنّ الأزمات أيُّها السّادة هي التي تُظهر المعادن النفيسة، تمامًا كما تكشف النار خبث الحديد، ولا مَفرّ أمامنا وسط هذا المُعترك، إلا أن نطرق أبواب الحب، فبالحب وحده نستطيع التغلب على مشاكلنا، وبه نعبر أزماتنا لبِّر الأمان، ونتحرر من علائق الشرّ التي تسكن في مخابئ أرواحنا..
حفظ الله الكويت..
وأوطاننا جميعًا من كل بلاء..

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي