علي محمد الفيروز / إطلالة / دماء الفلسطينيين... والمواقف العربية المتخاذلة

تصغير
تكبير
قبل أن يأتي العامان الهجري والميلادي الجديدان إلى العالم، لم يسلم قطاع غزة من مرارة المعاناة للحصار الاسرائيلي الجائر ومعاناة اغلاق المعابر والعزلة، بل ازدادت الحال سوءا حينما جاء العامان الهجري والميلادي الجديدان ليستقبلهما شعب غزة بغارات جوية اسرائيلية مكثفة، وهي بداية حرب يملؤها الحقد والكراهية والانتقام، اسفرت عن سقوط المئات من الشهداء الابرار بينهم القيادي البارز في حركة «حماس» الشيخ نزار ريان وعائلته كلها، وتبعهم المئات من الجرحى الاطفال، والكبار، والشيوخ، والعجائز، فعملية «الرصاص المصبوب» الاسرائيلية قد ادت إلى تدمير مئات البيوت، والمؤسسات الحكومية والرسمية، خصوصا المراكز الامنية والعسكرية لحركة «حماس»، وادت إلى استهداف مقر الرئاسة، ومقر قيادة الشرطة من قبل مقاتلات «اف 16»، وهي طائرات حربية مدعومة بمروحيات قتالية، ولكن السؤال هنا: هل كثافة الغارات المتواصلة ليل نهار ستنال من عزيمة الفصائل الفلسطينية ومنعها من اطلاق عشرات الصواريخ باتجاه العدو الصهيوني؟! بالتأكيد لا.
ان كانت حركة «حماس» تشكل عبئا ثقيلا على القوات الاسرائيلية داخل القطاع، وتمنعها من التوسع في اطماعها، فلماذا ترغب اسرائيل الآن بتوسيع وتعميق عملياتها العسكرية في غزة رغم الادانات والشجب من جميع دول العالم على كيفية اعتداءاتها، الا تعلم اسرائيل ان الاهداف التي حددتها قواتها قد تجر من ورائها الآلاف من المدنيين الضحايا؟
من خلال استمرار العدوان الصهيوني على القطاع، واغلاق المعابر واستنزاف المزيد من اراقة الدماء على الاراضي الفلسطينية، نستغرب هنا من ضعف موقف وزراء الخارجية العرب الذين عجزوا عن اتخاذ موقف حازم يلزم الاحتلال الاسرائيلي بوقف عدوانه على قطاع غزة، بأي شكل من الاشكال، ثم اين دور مجلس الامن الدولي تجاه هذه الانتهاكات الصهيونية، والجرائم البشعة التي يرتكبها الصهاينة امام اعين العالم، ولماذا فشل اعضاء مجلس الامن في اصدار مسودة قرار فوري لانهاء هذه الازمة؟ كما اننا لا نريد ان نبخس الدور الجبار الذي كانت تقوده الشقيقة مصر تجاه القضية الفلسطينية، ولكننا في الوقت نفسه نستغرب هنا من دورها المقصر في فتح المعابر، وهو الموقف الذي جعل العالم بأكمله ينتقد ويدين هذا التصرف غير الواضح، وفي غضون ذلك انتقد رئيس البرلمان الايراني علي لاريجاني موقف مصر في هذه الظروف المتأزمة وقال: «انها لا تساعد على تسوية ازمة غزة بل تزيدها تعقيدا»! وكان ذلك ردا على تأكيد الرئيس المصري حسني مبارك على ان بلاده لن تفتح المعبر الا اذا عادت قوات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى القطاع، والمراقبون الاوروبيون ايضا، وفي المقابل واصل الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله توجيه انتقادات لاذعة إلى النظام المصري الذي يصر على موقفه تجاه حرب غزة، فقال نصر الله: «ان تبريرات وحجج المسؤولين المصريين واهية، لا تقنع احدا في العالمين العربي والاسلامي ولا تقنع صاحب عقل ولا صاحب ضمير»، لافتا إلى ان هذه التبريرات والحجج لعدم فتح المعابر ليست لها اي قيمة سياسية، او اخلاقية، او دينية، على اعتبار ان الواجب عليه فتح معبر رفح لان الحرب ما زالت قائمة، هذا وقد استمرت التظاهرات والاعتصامات في جميع انحاء العالم تندد وتطالب بوقف الغارات الاسرائيلية على قطاع غزة تضامنا مع الشعب الفلسطيني الجريح، واستنكارا للعدوان الارهابي الغاشم، منددين ايضا بالموقف الرسمي المصري من العملية الاسرائيلية، ومن قرار اغلاق المعابر حتى طالت القوى الوطنية، والاحزاب، ومنظمات المجتمع المدني في مصر، اذ اقام محامون مصريون دعوى قضائية أمام مجلس الدولة ضد الحكومة المصرية للمطالبة بوقف قرار إغلاق المعابر خصوصاً معبر رفح الحدودي، وذلك لتجنب المنطقة ويلات الحروب واثارها المدمرة، في حين ان هناك مصادر ديبلوماسية تؤكد ان هناك زعماء عربا قد حضوا أولمرت على عدم وقف العملية العسكرية،والاستمرار في توجيه الضربات العسكرية ضد «حماس»، فإن كان ذلك صحيحاً فهي «وصمة عار في جبين الأمة العربية»!

ان عام 2008 الذي مضى كان عاماً كرس فيه الانقسام السياسي والجغرافي لفلسطين بين حركة «فتح» والسلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية من جانب وحركة «حماس» التي تسيطر على قطاع غزة منذ يونيو 2006 من جانب آخر، ومن خلال هذا الانقسام الداخلي، والحصار الإسرائيلي المفروض عليه فشلت كل وسائط التسوية بين الحركتين من أجل تكريس الوحدة الوطنية الفلسطينية، الا ان الجهود العربية قد فشلت في تحقيق ذلك، فضلاً عن عدم نجاحها في عقد مؤتمر الحوار الفلسطيني الذي كان مقرراً عقده في مصر، ثم تبعه فشل آخر للمفاوضات عن طريق مؤتمر «أنابوليس» في الولايات المتحدة الأميركية الذي بدأ عام 2007، وفشل في ايجاد تسوية بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية.
نستطيع القول ان العالم لم يشهد وضعاً مأسوياً كالذي يعيشه مليون ونصف المليون فلسطيني داخل قطاع غزة هذه الأيام، حيث يعانون من نقصان حاد في المواد الغذائية والطبية، ونقص شديد في كوادر الطاقم الطبي اثناء حدوث الكوارث، وانقطاع مستمر للكهرباء والماء، وتعيش غزة اليوم في ظلام دامس، وظروف اجتماعية تعيسة لا يعلمها الا من في الداخل، وفي ظل سريان الخوف المستمر للشعب الفلسطيني من ويلات الحرب واتساع رقعة الاستيطان، ورفض الحكومة الإسرائيلية تقديم اي تنازلات إنسانية، أصبحت غزة اليوم مرتعاً للمتاجرة بدماء الفلسطينيين الأبرياء، ومكاناً خصباً لانتهاكات حقوق الإنسان بكل اشكالها، حتى اتى اليوم الذي انشق فيه الصف العربي الموحد وكثرت فيه المزايدات، فضاعت اجندة الجامعة العربية على اعداد خطة طوارئ سياسية واضحة المعالم تجاه «نزيف غزة» فالشعب الفلسطيني الآن بحاجة إلى خطة عربية شاملة تنتشله من وحل العدوان الصهيوني، ولكننا بكل أسف نرى العكس من ذلك.
اليوم تستبعد اسرائيل وقف عدوانها الواسع على قطاع غزة وتعلن الانتهاء من مراحله الأولى بكل فخر أمام سكوت تام للقادة العرب والمسلمين ورغم ارتفاع عدد الموتى والشهداء، ولكن السؤال إلى متى؟، إلى متى سيستمرالعدوان والبطش والتنكيل للشعب الفلسطيني، هل كثرة الادانات والمناشدات العربية الإسلامية قد جاءت بنتيجة فاعلة امام التعنت الاسرائيلي؟ بالتأكيد لا... بل الأكثر من ذلك تأكيد الجيش الاسرائيلي على استكمال عمليته البرية طويلة الأمد على القطاع، وعندئذ سيكون الوضع في غزة شيئاً آخر!... صحيفة «زود دويتشه» الألمانية علقت على الأحداث الدامية في غزة وموقف الرؤساء العرب منها فقالت: «إن الرؤساء والملوك العرب قد حكم عليهم بالتفرج على القصف الإسرائيلي لقطاع غزة، وعلى تزايد عدد المصابين والقتلى في مراكز الطوارئ وثلاجات الموتى في المستشفيات من دون عمل شيء!».
ثم بينت الصحيفة عجز الرؤساء العرب في مواجهة الكارثة التي حلت باخوانهم الفلسطينيين في غزة وتمثلت في تأجيل جامعة الدول العربية اجتماعها الطارئ... قائلة: «لا يمكن الكشف عن الضعف العربي في شكل أوضح من ذلك»؟
وفي هذا السياق دان رئيس مجلس الأمة السيد جاسم الخرافي الاعتداء الإسرائيلي على قطاع غزة وقال: «إن هذا الاعتداء هو حرب إبادة ضد شعب اعزل محاصر، وهذا يشكل خرقاً واضحاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويمثل ايضاً خروجاً على القيم والأخلاق الإنسانية»، مضيفاً: «ان الآلة العسكرية الإسرائيلية لم تفرق بين الشعب الفلسطيني، فراح ضحيتها الأبرياء والمدنيون والأطفال»! مؤكداً ان اسرائيل تتحمل مسؤولية انهيار مفاوضات السلام، وقد عبر الأخ الخرافي عن اسفه العميق من ردود الفعل العربية الرسمية تجاه هذا العمل الاجرامي، ووصف الموقف العربي الرسمي: «بالضعف والشلل والتخاذل، وعدم القدرة على تحمل المسؤولية»...
نسأل الله العلي القدير ان ينصر اخواننا في فلسطين وأن يحفظ ارضها لشعبها، وأن يرحم شهداءها الأبرار في جنات الخلد آمين يا رب العالمين.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي